الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026
08:53 م
الفساد الإداري لا يبدأ دائمًا من جريمة كبيرة وإنما قد يبدأ من موظف يعطّل مصلحة مواطن دون سبب أو مسؤول يستخدم سلطته بطريقة غير عادلة أو ملف يتأخر لأن صاحبه لا يملك واسطة أو مواطن يُطلب منه ما ليس مطلوبًا منه قانونًا، ومع تكرار هذه الممارسات يتحول الخطأ الفردي إلى ثقافة خطيرة تجعل المواطن يشعر بأن الحصول على حقه يحتاج إلى واسطة أو مجاملة أو مقابل.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة لا يجوز أن يصبح الوصول إلى الحق مرتبطًا بمَن يعرف ومَن يدفع ومَن يستطيع الوصول إلى المسؤول، وإنما يجب أن يكون معيار التعامل هو القانون والمستندات واستيفاء الشروط.
مواجهة الفساد الإداري لا تكون فقط بالعقاب بعد وقوع المخالفة وإنما تبدأ من منع أسباب الفساد من الأساس من خلال تبسيط الإجراءات وتحديد المسؤوليات ووضع مدد زمنية واضحة لإنهاء معاملات المواطنين والتحول الحقيقي إلى الخدمات الرقمية وتقليل التعاملات التي تفتح أبوابًا للتدخل الشخصي مع وجود رقابة فعالة على مراحل تقديم الخدمة.
ومن أهم أدوات الإصلاح أن يعرف المواطن حقه وأن يعرف الموظف واجبه فلا يمكن مواجهة الفساد إذا ظل المواطن لا يعرف الإجراءات الصحيحة ولا يعرف الجهة التي يلجأ إليها عند تعطيل معاملته، ولذلك فإن نشر الإجراءات والمستندات المطلوبة والمدة القانونية ورسوم الخدمة ووسائل تقديم الشكاوى يجب أن يكون أمرًا واضحًا ومتاحًا للجميع.
كما يجب أن تكون هناك منظومة متابعة حقيقية تقيس زمن إنجاز معاملات المواطنين وترصد الملفات التي تتكرر فيها الشكاوى وتراجع أسباب التأخير وتحدد المسؤولية بوضوح؛ لأن الرقابة الحقيقية ليست في كثرة التقارير وإنما في اكتشاف الخلل ومعالجته ومحاسبة من يثبت تعمده مخالفة القانون.
والأهم أن يشعر المواطن بأن تقديم شكوى لا يعني الدخول في صراع مع الجهاز الإداري وإنما هو حق قانوني وأن الشكوى يتم فحصها بموضوعية وأن مَن يملك حقًا سيحصل عليه ومن ليس له حق سيتم توضيح السبب له بكل احترام وشفافية.
وهنا تأتي قاعدة مهمة جدًا لا يسقط حق وراءه مطالب
فصاحب الحق يجب ألا ييأس من التأخير وألا يلجأ إلى طرق غير مشروعة للحصول على حقه بل يتمسك بالقانون ويستخدم القنوات الرسمية ويتابع طلبه ويطلب معرفة أسباب التأخير ويصعد الأمر إلى الجهة المختصة عندما تستدعي الضرورة.
وفي المقابل فإن الإدارة الناجحة هي التي لا تنظر إلى المواطن باعتباره عبئًا أو مصدر إزعاج وإنما تعتبر حصوله على حقه جزءًا من نجاحها فالموظف العام موجود لخدمة الناس وتطبيق القانون وليس لصناعة العراقيل.
وللقضاء على الفساد الإداري نحتاج إلى معادلة واضحة إجراء معلوم وموظف مسؤول ومدة محددة ورقابة مستمرة وشكوى مسموعة ومحاسبة عادلة.
كما أن مكافحة الفساد لا تعني اتهام كل موظف أو التشكيك في كل مسؤول؛ فهناك الكثير من الموظفين الشرفاء الذين يؤدون أعمالهم بأمانة وإخلاص، ولذلك يجب أن تكون المواجهة دقيقة تستهدف المخالفة والفاسد وليس الجهاز كله.
ومن المهم أيضًا حماية الموظف النزيه الذي يرفض المخالفة وحماية المواطن الذي يرفض دفع أي مقابل غير قانوني؛ لأن بناء بيئة إدارية سليمة يحتاج إلى أن يشعر الجميع بأن القانون يحمي مَن يلتزم به.
والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من فكرة مَن يستطيع الوصول إلى المسؤول يحصل على حقه إلى قاعدة مَن يستحق وفق القانون يحصل على حقه دون الحاجة إلى وساطة.
عندها فقط يشعر المواطن بأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع وأن القانون ليس مجرد نصوص وإنما ممارسة يومية يعيشها المواطن في كل مصلحة حكومية وكل وحدة محلية وكل حي وكل مركز وكل جهة تقدم خدمة عامة.
ولا بد أن ندرك أن القضاء على الفساد الإداري ليس مهمة جهة واحدة وإنما مسؤولية مشتركة تبدأ من المواطن الذي يرفض دفع رشوة وتستمر مع الموظف الذي يؤدي واجبه بأمانة والمسؤول الذي يراقب ويحيل المخالفات للتحقيق والجهات الرقابية التي تتعامل مع الوقائع بجدية والقيادة التي تضع الإصلاح الإداري ضمن أولوياتها.
وفي النهاية يجب أن تصل رسالة واحدة إلى كل مواطن حقك لا يضيع ما دمت تطالب به بالقانون.
قد يتأخر الإجراء وقد يحتاج الأمر إلى متابعة وقد تمر المعاملة بأكثر من جهة لكن لا ينبغي أن يكون الحل هو اليأس أو الرشوة أو الواسطة بل الإصرار على الطريق الصحيح.
فالدولة القوية ليست التي لا توجد فيها أخطاء وإنما التي تمتلك القدرة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه ومحاسبة من تعمده وإنصاف من وقع عليه.
لا يسقط حق وراءه مطالب ولا يستقيم عمل بلا رقابة ولا تُبنى دولة قوية إلا عندما يعرف كل مواطن أن حقه مصان وأن القانون فوق الجميع وأن من يستحق حقًا سيأخذه دون واسطة ودون رشوة ودون خوف.
وهذه هي المعركة الحقيقية ضد الفساد أن يصبح الحصول على الحق أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلا إلى استيفاء القانون وأن يصبح احترام المواطن ووقته وكرامته جزءًا أصيلًا من أداء الموظف العام.
23 سبتمبر 2026 11:28 ص
16 سبتمبر 2026 01:48 م
26 أغسطس 2026 06:35 م
19 أغسطس 2026 06:10 م
أكثر الكلمات انتشاراً