الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026

07:27 م

الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026

07:27 م

من 8 إلى 55 جنيها.. لماذا لم تنته أزمة الدولار بعد 10 سنوات من التعويم؟

الجنيه مقابل الدولار

الجنيه مقابل الدولار

بعد مرور عقد كامل على قرار تعويم الجنيه المصري، لا تزال العملة المحلية تواجه اختبارات صعبة أمام الدولار، في ظل أزمات متكررة بسوق النقد الأجنبي وتغيرات اقتصادية محلية وعالمية أعادت ملف سعر الصرف إلى صدارة المشهد الاقتصادي.

ففي 3 نوفمبر 2016، قررت مصر تحرير سعر صرف الجنيه بهدف القضاء على السوق الموازية، وتوفير السيولة الدولارية، واستعادة ثقة المستثمرين، شهدت العملة المصرية تحولات حادة، بعدما انتقل سعر الدولار من 8 جنيهات إلى مستويات تجاوزت 55 جنيهًا.

اختلالات سوق النقد الأجنبي

وبينما كان التعويم يستهدف معالجة اختلالات سوق النقد الأجنبي ووضع الاقتصاد على مسار أكثر استقرارًا، أعادت التخفيضات المتتالية لقيمة الجنيه طرح تساؤلات جوهرية حول نتائج التجربة، ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها، والأسباب التي جعلت أزمة العملة تتكرر رغم مرور 10 سنوات على أحد أبرز قرارات الإصلاح الاقتصادي في مصر.

عشر سنوات على تعويم الجنيه في مصر
عشر سنوات على تعويم الجنيه في مصر

من 8.88 إلى 55.48 جنيهًا.. كيف تغير سعر الدولار خلال 10 سنوات؟

تكشف الأرقام حجم التحول الذي شهده سوق الصرف المصري خلال العقد الماضي، إذ ارتفع سعر الدولار من 8.88 جنيه قبل قرار التعويم في نوفمبر 2016 إلى نحو 55.48 جنيه، وسط سلسلة من التطورات الاقتصادية التي ضغطت على العملة المحلية وأعادت أزمة النقد الأجنبي إلى الواجهة أكثر من مرة.

ولم تكن هذه الزيادة الكبيرة في سعر الدولار نتيجة عوامل داخلية فقط، بل ساهمت الأزمات العالمية في زيادة الضغوط على الاقتصاد المصري، بداية من موجة خروج الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة عام 2018، مرورًا بتداعيات جائحة كورونا في 2020، ثم الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، والحرب في غزة عام 2023، وصولًا إلى التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية في 2025.

وأدت هذه التطورات إلى اضطراب حركة التجارة العالمية، وارتفاع أسعار السلع والطاقة، وزيادة احتياجات الاقتصاد المصري من النقد الأجنبي، ما انعكس بصورة مباشرة على سعر صرف الجنيه.

هل كان تعويم الجنيه في 2016 ضرورة اقتصادية؟

تتفق تقييمات عدد من الخبراء على أن قرار تحرير سعر الصرف في 2016 كان ضروريًا لمعالجة الاختلالات التي أصابت سوق النقد الأجنبي، لكنه لم يكن كافيًا بمفرده لضمان استقرار العملة على المدى الطويل.

وترى جوليا فيلوكا، المديرة المساعدة لقطاع التصنيفات السيادية في وكالة «ستاندرد آند بورز»، أن تحرير سعر الصرف أسهم بدرجة كبيرة في القضاء على السوق الموازية خلال تلك الفترة، كما ساعد على جذب تدفقات رؤوس الأموال وتوفير سيولة إضافية من النقد الأجنبي.

من جانبه، يرى بيتر دو بريز، كبير الاقتصاديين في «أكسفورد إيكونوميكس إفريقيا»، أن تحرير سعر صرف الجنيه كان قرارًا ضروريًا، لكنه يجب أن يُنظر إليه باعتباره تصحيحًا للاختلالات الاقتصادية، وليس تحولًا مكتملًا في نظام سعر الصرف.

عشر سنوات على تعويم الجنيه في مصر
عشر سنوات على تعويم الجنيه في مصر

وأوضح أن مصر كانت تواجه قبل التعويم سوقًا موازية واسعة للعملة، إلى جانب نقص حاد في النقد الأجنبي أثر على قدرة الشركات على ممارسة أنشطتها، فضلًا عن الضغوط التي تعرضت لها الاحتياطيات الأجنبية، وهو ما جعل استمرار الأوضاع السابقة أمرًا بالغ الصعوبة.

لكن قرار التعويم لم يخلُ من التكلفة الاجتماعية، إذ أعقبه ارتفاع كبير في معدلات التضخم، مع تراجع القوة الشرائية للمواطنين نتيجة زيادة أسعار السلع والخدمات وارتفاع تكلفة الواردات.

وأشار دو بريز إلى أن جزءًا من هذه التكلفة كان من الممكن الحد منه لو بدأت عملية تصحيح سعر الصرف بصورة تدريجية قبل سنوات، بالتزامن مع تشديد السياسة المالية وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.

وفي السياق نفسه، يرى باسكال ديفو، الاقتصادي المسؤول عن منطقة الشرق الأوسط في بنك «بي إن بي باريبا»، أن توقيت التعويم كان مناسبًا، لكن التحدي الأساسي تمثل في عدم استغلال الفترة التالية للقرار في إحداث تحول اقتصادي يدعم القطاعات التصديرية.

وأكد أن تحرير سعر الصرف وحده لا يضمن تحسين الحسابات الخارجية، ما لم يصاحبه تطوير للقدرات الإنتاجية وزيادة الصادرات.

لماذا لم تستمر مرونة سعر الصرف بعد تعويم 2016؟

رغم إعلان تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، عادت مصر تدريجيًا إلى إدارة سعر الجنيه بدرجة أكبر من التدخل، مع الحفاظ على استقرار نسبي للعملة خلال السنوات التالية، بل والسماح بارتفاع قيمتها خلال الفترة من 2019 إلى 2021، رغم تزايد الضغوط الخارجية.

وترى جوليا فيلوكا أن هذه السياسة جعلت سعر الصرف أقل فاعلية في امتصاص الصدمات الاقتصادية، وأسهمت في عودة الاختلالات إلى سوق النقد الأجنبي.

عشر سنوات على تعويم الجنيه في مصر
عشر سنوات على تعويم الجنيه في مصر

من جانبه، يوضح بيتر دو بريز أن ارتفاع احتياجات الحكومة التمويلية، واستمرار التضخم، واتساع دور الدولة في الاقتصاد، وضعف نمو الصادرات، كانت من أبرز العوامل التي مارست ضغوطًا متكررة على الجنيه.

وأضاف أن التشدد في إدارة سعر الصرف سمح بتراكم الاختلالات داخل سوق النقد الأجنبي، حتى أصبحت التخفيضات الجديدة والمفاجئة في قيمة العملة أمرًا يصعب تجنبه.

وزادت الصدمات الخارجية من حدة الأزمة، خاصة جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والحرب في غزة، وما صاحبها من تراجع وتقلب في تدفقات النقد الأجنبي.

مارس 2024.. عودة خفض الجنيه بعد تفاقم أزمة الدولار

مع تزايد الضغوط على سوق النقد الأجنبي وعودة السوق الموازية بصورة واضحة، واجهت الشركات والمستوردون صعوبات في تدبير العملة الصعبة، ما دفع مصر في مارس 2024 إلى إجراء خفض جديد لقيمة الجنيه، بالتزامن مع السماح بمرونة أكبر في تحديد سعر الصرف.

ويرى باسكال ديفو أن الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومرونته في الوقت نفسه لفترات طويلة يمثل تحديًا كبيرًا، مشيرًا إلى أن التخفيضات التي شهدها الجنيه خلال عامي 2023 و2024 جاءت نتيجة مجموعة من الضغوط، أبرزها الارتفاع الحاد في أسعار السلع، وخروج جانب من استثمارات المحافظ المالية، والتراجع الكبير في السيولة الأجنبية داخل الاقتصاد.

وأدت هذه التطورات إلى زيادة الضغوط على الجنيه، وكشفت عن استمرار اعتماد الاقتصاد المصري على تدفقات النقد الأجنبي الخارجية، ومدى تأثر سوق الصرف بالتغيرات في شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة.

تراجع الجنيه.. تصحيح ضروري أم انعكاس لاختلالات اقتصادية؟

لا يمكن تفسير تراجع قيمة الجنيه خلال السنوات العشر الماضية باعتباره مجرد تصحيح لسعر صرف كان أعلى من قيمته الحقيقية، إذ يعكس أيضًا مجموعة من الاختلالات الهيكلية التي ظلت تضغط على الاقتصاد المصري، وفقًا لتقييمات الخبراء.

وبحسب بيتر دو بريز، فإن الانخفاض الأولي في قيمة الجنيه عالج مشكلة المبالغة في تقييم العملة، لكن التراجعات اللاحقة ارتبط بعضها بارتفاع معدلات التضخم في مصر مقارنة بشركائها التجاريين، وهو ما تطلب انخفاضًا اسميًا في قيمة العملة للحفاظ على القدرة التنافسية.

عشر سنوات على تعويم الجنيه في مصر
عشر سنوات على تعويم الجنيه في مصر

في المقابل، كشفت الأزمات المتكررة ونقص النقد الأجنبي عن تحديات أعمق، من بينها ضيق القاعدة التصديرية، والاعتماد على تدفقات رؤوس الأموال المتقلبة، وعدم كفاية استثمارات القطاع الخاص.

ويلخص دو بريز تقييمه للتجربة بأن تحرير سعر الصرف نجح في معالجة أزمة العملة الفورية، لكنه لم يعالج الظروف الاقتصادية التي أدت إلى نشأتها من الأساس.

مرونة سعر الصرف منذ مارس 2024.. هل أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات؟

منذ مارس 2024، اتجهت السلطات المصرية إلى السماح بمرونة أكبر في سعر الصرف، وهو ما انعكس على حركة الجنيه أمام الدولار خلال الأزمات والتوترات الإقليمية اللاحقة.

وترى جوليا فيلوكا أن زيادة مرونة سعر الصرف كانت أحد العوامل الرئيسية التي عززت قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات الخارجية خلال الفترة الأخيرة، مقارنة بما حدث في أزمات سابقة.

وأضافت أن مصر من المرجح أن تواصل إعطاء الأولوية لمرونة سعر الصرف، رغم الضغوط التي تتعرض لها العملة نتيجة التطورات الإقليمية وارتفاع فاتورة استيراد الطاقة والطلب على النقد الأجنبي.

وخلال الشهر الماضي، تجاوز سعر الدولار حاجز 56 جنيهًا، في ظل تصاعد التوترات بمنطقة الشرق الأوسط وزيادة الضغوط المرتبطة بأسعار النفط واحتياجات الاقتصاد من العملة الأجنبية.

وأشارت فيلوكا إلى عدم رصد إجراءات تستهدف دعم الجنيه، معتبرة أن ذلك يتماشى مع التزام السلطات بنظام سعر صرف مرن، وكذلك مع إطار السياسات الاقتصادية المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي.

اقرأ أيضًا:

سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري اليوم.. كم سجل في البنوك؟

أخبار متعلقة

search