الإثنين، 03 أغسطس 2026

07:05 م

عقارات مخالفة وصيانة غائبة.. هل يحمي كود الزلازل المصري المواطنين من الكوارث؟

عمارات مخالفة بأحد أحياء الجيزة

عمارات مخالفة بأحد أحياء الجيزة

أعاد الزلزال الذي شعر به ملايين المصريين خلال الساعات الماضية فتح واحد من أكثر الملفات ارتباطًا بسلامة المواطنين، وهو مدى جاهزية المباني لمواجهة الهزات الأرضية، وحقيقة الالتزام بتطبيق الكود المصري للبناء، إلى جانب استعداد أجهزة الدولة للتعامل مع مثل هذه الكوارث. 

وبين تأكيدات الخبراء بأن البناء المخالف يمثل الخطر الأكبر، ومطالبات برلمانية بإطلاق برامج توعية للمواطنين ومراجعة آليات تطبيق القانون، يظل السؤال حاضرًا: هل نحن مستعدون فعلاً إذا تعرضت مصر لزلزال أقوى؟

283615219157942025052208080282
مقياس زلزال

الأزمة في تطبيق الكود

أكد خبير التطوير والتنمية المستدامة واستشاري المناطق غير الآمنة، الدكتور الحسين حسان، أن الكود المصري للبناء يتضمن اشتراطات واضحة لمواجهة الزلازل، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الكود، وإنما في مدى الالتزام بتطبيقه على أرض الواقع.

وقال حسان في تصريحات خاصة لـ"تليجراف مصر"، إن كود البناء المصري فيما يتعلق بالزلازل يركز على الأحمال والقوى المؤثرة على المنشآت أثناء التصميم الإنشائي، موضحًا أن مصر مقسمة إلى خمس مناطق طبقًا لدرجة الخطورة الزلزالية، وتُصنف القاهرة الكبرى ضمن المنطقة الثالثة، إلى جانب مدينة الإسكندرية.

20241029134315408
 الدكتور الحسين حسان

وأضاف أن إعداد أي مبنى وفقًا للكود يتطلب تنفيذ تصميم معماري وإنشائي متكامل، يشمل حساب الأحمال والأوزان وتأثيرات الرياح والزلازل، إلى جانب مراعاة الارتفاعات، ونسب البناء، والارتدادات، والتهوية، وعرض الشوارع، وقطاعات الأعمدة، وجميع العناصر الإنشائية اللازمة لضمان سلامة المبنى.

وأشار إلى أن المشكلة الأساسية في مصر ليست في الكود نفسه، وإنما في آليات تطبيقه، قائلًا: "كود البناء المصري موجود ولا بد من تنفيذه، لكن المشكلة الحقيقية في درجة الالتزام، لأنها تختلف من مشروع لآخر."

المباني المخالفة الخطر الأكبر

وأوضح حسان أن المشروعات الحكومية، مثل المدن الجديدة، والإسكان الاجتماعي، والمشروعات القومية، تشهد التزامًا كبيرًا بتطبيق الكود المصري، بسبب وجود مراجعة فنية وإشراف هندسي مستمر، كما تلتزم به أيضًا المشروعات الاستثمارية الكبرى لوجود مكاتب استشارية وجهات ترخيص تتابع التنفيذ.

في المقابل، أكد أن المباني المخالفة تمثل التحدي الأكبر، خاصة تلك التي أُنشئت دون تراخيص أو إشراف هندسي، مشيرًا إلى أن أكثر من مليوني حالة تعدٍ على الأراضي الزراعية تجعل تطبيق الكود في هذه الحالات محدودًا للغاية.

وأضاف أن كود البناء ليس مجرد اشتراطات هندسية، بل منظومة متكاملة لحماية الأرواح والممتلكات وتحقيق تنمية عمرانية مستدامة، مطالبًا بتشديد الرقابة على مراحل التصميم والتنفيذ، وتفعيل المسؤولية المهنية للمهندس والمقاول، وعدم إصدار شهادة صلاحية لأي مبنى إلا بعد التأكد من استيفائه جميع اشتراطات الكود.

245332

رقم قومي لكل عقار

ودعا حسان إلى الإسراع في تنفيذ قرار إصدار رقم قومي لكل عقار، بحيث تتضمن قاعدة البيانات الحالة الإنشائية للمبنى، وتاريخ إنشائه، وأعمال الصيانة التي خضع لها، مؤكدًا أن ذلك سيسهم في متابعة حالة المباني بصورة دقيقة.

وقال: "كما أن لكل مواطن تاريخ ميلاد، يجب أن يكون لكل مبنى تاريخ ميلاد وسجل إنشائي يوضح حالته وتاريخ صيانته".

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الهزات الأرضية الأخيرة تؤكد ضرورة التطبيق الفعلي لكود البناء، محذرًا من أن المباني المخالفة، والمباني القديمة غير المخططة، والعقارات الجاري التصالح عليها، لا تطبق في كثير من الأحيان اشتراطات الكود بالشكل المطلوب.

إعادة تقييم سياسات إدارة المخاطر

من جانبه، أكد أستاذ الإدارة المحلية، الدكتور حمدي عرفة، أن الهزة الأرضية الأخيرة ليست مجرد ظاهرة طبيعية، وإنما رسالة تحذير تستوجب إعادة تقييم سياسات إدارة مخاطر الكوارث الطبيعية، في ظل تزايد النشاط الزلزالي بمنطقة شرق البحر المتوسط.

وأوضح عرفة في تصريحات خاصة لـ"تليجراف مصر" أن الكثير من المواطنين يربطون بين قوة الزلزال وحجم الخسائر، بينما يؤكد العلم أن عمق الزلزال يعد عاملًا حاسمًا، إذ إن الزلازل الضحلة هي الأكثر قدرة على إحداث أضرار بالمباني، في حين تفقد الزلازل العميقة جزءًا من طاقتها قبل وصولها إلى سطح الأرض.

لماذا تتحول بعض الزلازل إلى كوارث؟

وأشار عرفة إلى أن معظم ضحايا الزلازل حول العالم يسقطون بسبب انهيار مبانٍ غير مطابقة للأكواد الهندسية أو أُنشئت دون تراخيص، مؤكدًا أن الرقابة على البناء قضية تتعلق بحماية الأرواح قبل أن تكون مجرد تطبيق للقانون.

وأضاف أن الأمم المتحدة تدعو إلى التحول من إدارة الكوارث بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل حدوثها، من خلال الاستثمار في الوقاية، وتحديث التشريعات، وتدعيم المباني، وتطوير نظم الإنذار المبكر، ورفع جاهزية المجتمعات المحلية.

WhatsApp Image 2026-08-03 at 3.29.12 PM
 أستاذ الإدارة المحلية، الدكتور حمدي عرفة

الوحدات المحلية خط الدفاع الأول

وأكد عرفة أن المحافظات والوحدات المحلية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الكوارث، وتقع على عاتقها مسؤولية مراجعة تراخيص البناء، وحصر العقارات الآيلة للسقوط، وإنشاء قواعد بيانات رقمية للمباني وربطها بالشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة.

وشدد على أن قانون البناء ألزم جميع المباني الجديدة بالالتزام بالكود المصري للزلازل، إلا أن وجود القوانين وحده لا يكفي دون تطبيق صارم ورقابة مستمرة، محذرًا من أن العقارات العشوائية وغير المرخصة تمثل الخطر الأكبر عند وقوع أي هزة أرضية.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الدول التي تطبق أكواد البناء بصرامة وتجري مراجعات دورية للمباني تحقق خسائر أقل حتى مع الزلازل القوية، داعيًا إلى تطبيق هذا النهج في مصر، لأن الوقاية تظل دائمًا أقل تكلفة من مواجهة الكوارث بعد وقوعها.

تطبيق الأكواد الحديثة

وفي السياق نفسه، تقدم وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، إيهاب منصور، بسؤال موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، ووزيرة التنمية المحلية والبيئة، بشأن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة الزلازل الشديدة، ومراجعة الكود المصري لأحمال الزلازل والرياح.

وأكد منصور أن القضية لا تتعلق فقط بإرسال تنبيهات للمواطنين عند وقوع زلزال، وإنما بكيفية التصرف بعد تلقي التحذير، متسائلًا: "هنعمل إيه لما نعرف إن فيه زلزال؟.. الأمر لا يتوقف عند وصول تنبيه على الهاتف، لكن ماذا يفعل المواطن بعد ذلك؟ ولماذا لا توجد برامج توعية حقيقية في هذا الشأن؟"

وأشار إلى أنه سبق أن تقدم بالسؤال نفسه قبل ثلاث سنوات، مطالبًا بمراجعة مدى قدرة المباني على تحمل الزلازل، وآليات تطبيق الأكواد الحديثة، وما إذا كانت الأحياء والمراكز وأجهزة المدن تُجري مراجعات فعلية للمباني، أم أن نقص أعداد المهندسين يؤثر على أعمال المتابعة والرقابة.

73
النائب إيهاب منصور

كيفية التصرف أثناء الزلازل

وأوضح أن وزارة الإسكان ردت آنذاك بأن مسؤولية مطابقة التصميمات للكود المصري لأحمال الزلازل والرياح تقع على عاتق المهندس أو المكتب الهندسي مقدم طلب الترخيص، بينما تتولى اللجان المنصوص عليها في قانون البناء فحص ومعاينة المباني القائمة واتخاذ ما يلزم للحفاظ على الأرواح والممتلكات.

وطالب النائب الحكومة بالكشف عن آليات متابعة تنفيذ تلك الإجراءات على أرض الواقع، متسائلًا عما إذا كانت تُطبق بالفعل أم أنها "حبر على ورق"، وهل تستعد الجهات المعنية لمواجهة مثل هذه المخاطر قبل وقوعها.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على ضرورة إطلاق برامج توعية للمواطنين تشرح كيفية التصرف أثناء الزلازل، قائلًا: "إزاي ناس يجي لها تحذير على الموبايلات والحكومة متعملش توعية للمواطنين؟".

اقرأ أيضًا

بعد رسالة جوجل.. سؤال برلماني بشأن منظومة الإنذار المبكر قبل وقوع الزلازل

search