الخميس، 06 أغسطس 2026

04:32 م

موسم قطف الياسمين.. عطور ثمينة مخلوطة بمآسي نسائية

موسم قطف الياسمين

موسم قطف الياسمين

في ظلمة الليل، وتحديدًا الساعة الثانية عشر مساءً، وبينما الناس نيامًا، يغادر مئات الفلاحين الرجال والنساء وحتى الأطفال منازلهم، يسيرون في ظلمة موحشة، لا لشيء سوى اللحاق بزهرة الياسمين الغالية، تلك الزهرة التي لا تُبدي أوجها إلا في ساعات الليل المظلمة.

وبينما يعتقد البعض أن رحلة حصاد الياسمين هي لوحة ريفية ساحرة، قد يدفع كثير من الناس الأموال لتجربتها، يرى جامعو الياسمين، أنها مكابدة يومية تتأرجح بين أجساد منهكة، وأجور لا تسمن ولا تغني من جوع.

في السطور التالية، رصدت “تليجراف مصر” شهادات من جامعي زهرة الياسمين، يرووا فيها معاناة، وحقوق معدومة، ومعركة يحاول فيها الفلاح انتزاع أبسط حقوقه.

موسم حصاد الياسمين

بداية من شهر يونيو وحتى شهر نوفمبر، تكون زهرة الياسمين في أزهى مراحل النضج، وعلى مدار الستة أشهر يكافح الفلاحون نساءًا ورجالًا وأطفالًا وشيوخًا من أجل تحصيل لقمة العيش، ولا سيما النساء.

ويخرج جامعو الياسمين، يوميًا طوال الستة أشهر بداية من الساعة الثانية عشر في منتصف الليل، وحتى بزوغ الشمس، وعلى الرغم من صعوبة الخروج في هذا التوقيت بالنسبة للنساء، فإنها الفترة التي تتفتح فيها زهرة الياسمين وتملئ الأرجاء بعبقها.

518308782_10162238897818110_4343383610550816968_n
قطف الياسمين خلال لحظات بزوغ الشمس

مخاطر يواجهة جامعي الياسمين

وعلى مدار نحو 8 ساعات من العمل المتواصل لجمع ما يقارب من كيلو إلى كيلو ونصف من الياسمين، يتعرض الفلاح لآلام جسدية عصية وعصبية نتيجة الوقوف المستمر تحت ظروف جوية مشبعة بالندى والرطوبة، ما يؤدي مع شروق الشمس إلى إجهاد جسدي شديد وتغيرات جلدية ناتجة عن جفاف الملابس المبتلة بالندى مع بزوغ الشمس.

ولا تتوقف المشقة عند الإجهاد الجسدي، ففي تصريحات لـ"تليجراف مصر"، أوضح إبراهيم سلامة العياري، أحد جامعي الياسمين، أن الخطورة الكبرى تتمثل في ظلام الحقول الدامس، الذي يجعل الفلاحين عرضة لمخاطر الطرق الموحشة البعيدة عن الكتلة السكانية، ولدغات الثعابين.

مأساة مضاعفة على السيدات

تتضاعف المأساة مع السيدات اللاوتي يعتبرن موسم جمع الياسيمن هو مصدر الدخل الأساسي لهن على مدار العام، خاصة إذا كن مطلقات وأرامل، ومسؤولات عن إعالة الأسرة.

وقال إبراهيم في هذا السياق، إن بعض النساء خاصة من يحتجن لتجهيز بناتهن للزواج يلجأن للموردين من أجل الحصول على سلفة كبيرة لقضاء حوائجهن، وذلك مقابل العمل في حقول الياسمين طوال الـ6 أشهر تحت أي ظرف وبأي سعر.

farmers-harvesting-jasmine-flowers-village-shubra-
موسم قطف الياسمين

كم يتقاضى جامع الياسمين؟

أشار إبراهيم إلى أن حصيلة جمع الفلاح في اليوم الواحد تتراوح بين كيلو إلى كيلو ونصف من الياسمين، وذلك نظير 115 جنيها فقط لا غير، أي أن الفلاح على مدار شهر من العمل الشاق والوقوف تحت أشعة الشمس وقطرات الندى لمدة 8 ساعات متواصلة تقريبًا يحصل على مقابل مادي يقدر بنحو 3450 جنيه شهريًا.

وأكد إبراهيم أن تسعيره كيلو الياسمين بيد أصحاب المصانع، وليس الفلاح الذي يزرع ويحصد بيديه، مشيرًا إلى أنهم المسؤولون عن وضع سعر لكيلو الياسمين كل عام، وفي العام الجاري كيلو الياسمين يقدر بـ115 جنيها.

وفوق الحصار المادي الذي يعيشه الفلاح لا توفر المصانع أي نوع من التأمينات لهم، وأكد إبراهيم أنه مع بداية موسم حصاد الياسمين يستمع الفلاح إلى وعود كبيرة بالتأمين الصحي ودراسة الأبناء وغيرها من المميزات التي يقدمها أصحاب المصانع ولا يجد منها الفلاح فعليًا سوى القشور.

WhatsApp Image 2026-08-06 at 1.50.46 PM
قطف الياسمين ليلًا

عطور عالمية وأجور لاتغني من جوع

تحتل مصر مكانة رائدة عالميًا في إنتاج زهور الياسمين والزيوت العطرية، إذ تُسهم بنحو 70% من إجمالي إنتاج الياسمين في العالم.

ويعد إنتاج زهرة الياسمين، أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة في البلاد، وذلك مقابل تصدير كميات كبيرة من معجون الياسمين الخام والزيت العطري، المستخدم في صناعة أرقة وأغلى العطور العالمية، بحسب ما ورد عبر قناة "brics".

ورغم ذلك لا يحصل الفلاح الذي يعد الركيزة الاساسية في منظومة الياسمين، على أجر يكفل له مواكبة التضخم الاقتصادي، وتقلبات أسعار الصرف العالمية.

في هذا السياق، أعرب إبراهيم عن حسرته، قائلًا: “مشكلتي إن إحنا بنتعب ومفيش تقدير لتعبنا، مع إننا بنصدر سلعة محترمة ومشرفة البلد، مشرفة مصر”.

وأضاف: “من 10 سنين كيلو الياسيمن كان بـ40 جنيها، والدولار كان بـ 8 جنيهات، يعني كنا بناخد 5 دولار، دلوقتي الدولار بـ50 والكيلو بـ115 جنيه يعني بناخد تقريبًا أقل من 3 دولار”.

WhatsApp Image 2026-08-06 at 1.43.09 PM (2)
موسم قطف الياسمين

تلاعبات تهدد بأزمة اقتصادية

أشار إبراهيم إلى أن هناك عدد من المصانع التي تتلاعب بمجهود الفلاح وحاصدي الياسمين، فبعد 15 يوما من العمل الشاق وجمع الياسمين، قد يرفض المورد أو المصنع دفع مقابل الياسمين كامل وتطبيق خصومات على المزارعين، بحجة “الزهر ماعجبش المصنع النهارده”.

وفي بعض الأحيان وكما حدث في الموسم الجاري، ترفض المصانع، استلام الياسمين تمامًا من الفلاحين، بزعم أنه مخلوط بالماء، وعلى الرغم من وجود مصانع تتسلم الياسمين وهو جاف، فإنهم اتحدوا ضد الفلاح وقرروا عدم استلام الياسمين هذا الموسم من الفلاحين، دون أسباب واضحة ومقنعة، بحسب ما قاله إبراهيم.

وأضاف: "الكلام ده هيعمل مشكلة اليومين دول، وهيسبب أزمة في منظومة الياسمين، وممكن تسبب أزمة للدولة كأزمة اقتصادية لأن السلعة دي مش سلعة تافهة دي سلعة كبيرة وسلعة مهمة وعالمية”.

جمع الياسمين.. عمل بالوراثة

وفي شهادة أخرى، قالت شيرين حجاج مرسي وهي أم بالغة من العمر 34 عامًا، إنها عملت في قطف الياسمين اضطرارًا لأنه كان المصدر الوحيد لرزق عائلتها، مشيرة إلى أنها كانت تطمح في العمل كمدربة لياقة بدنية، إلا أن العادات والتقاليد دفعت عائلتها لقتل طموحها من أجل جمع الياسمين.

وأشارت إلى أن العمل في قطف الياسمين مُهلك لصحة السيدات، اللاتي يقفن على أرجلهن، على مدار 8 ساعات لجمع كيلو واحد من الياسمين، في ظل هطول الندى، موضحة أن ملابسهن تتشرب الندى وتصبح رطبة، ومع طلوع الشمس تجف الملابس على أجسادهن، ما يسبب تغيرات في طبيعة بشرتهن.

وأكدت شيرين أن جمع الياسمين لا يأتي بثمارة، مشيرة إلى أن أبسط السلبيات وهو تغير لون البشرة، لا يمكن أن يغطي العمل في جمع الياسمين علاجه. 

واستطردت بنبرة متحسرة: “لو فكرت اشتري منتج مستخرج من زيت الياسمين علشان أرجع لون بشرتي طبيعي شوف هدفع كام”.

WhatsApp Image 2026-08-06 at 1.48.09 PM
موسم قطف الياسمين

جامعات الياسمين وأعباء الأمومة

لا تقف معاناة جامعات الياسمين عند حدود التغيرات والآلام الجسدية، بل امتدت لتلامس مشاعر الأمومة، إذ سلطت شيرين الضوء على مأساة الأمهات اللاتي يضطررن لترك أطفالهن الرضع لعدة ساعات متواصلة، وما يترتب عليه من حرمان الطفل من الرضاعة وحنان الأم في هذه السن الصغيرة من آثار نفسية عميقة، تُسجل في عقله الباطن كهجر ورفض من الأم.

شراكة الكفاح ودوافع العمل

واختتمت شيرين حديثها بأن الدافع الأول لنزول المرأة لجمع الياسمين وغيرها من المهن الشاقة، هو الضغوط المادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكدة أن المرأة المصرية بوعيها لا تخرج للعمل تحت وطأة الإجبار، بل تختار بدافع الحب مشاركة زوجها أعباء الحياة.

مطالب جامعي الياسمين

ويأمل جامعو الياسمين، في تحقيق مطالبهم التي تتمثل في شراء كيلو الياسمين بسعر عادل، يتراوح بين 200 إلى 300 جنيه، بدلًا من 115 جنيها للكليو، وتوفير تأمين صحي يحميهم من مخاطر الحياة وتقلباتها، وليس وعودًا واهية بدون وثائق ملموسة.

اقرأ أيضًا:

بالهدايا والأحضان.. لقطات مؤثرة لياسمين عبدالعزيز في عرض “خلي بالك من نفسك” 

search