الجمعة، 07 أغسطس 2026

10:34 م

مدينة تبحث عن نجم.. كيف باع صلاح وميسي ورونالدو مدنًا للعالم قبل بيع القمصان؟

محمد صلاح

محمد صلاح

لم تعد صفقات كرة القدم الكبرى تقتصر على الأهداف والبطولات، بل أصبحت أداة تسويقية قادرة على تغيير صورة مدن بأكملها، فانتقال نجم عالمي لم يعد ينعكس فقط على مبيعات القمصان أو نتائج الفريق، وإنما يمتد تأثيره إلى السياحة والاستثمار والعقارات وحتى مكانة المدينة على خريطة العالم. 

ولهذا باتت الحكومات والبلديات تنظر إلى نجوم الكرة باعتبارهم سفراء اقتصاديين وثقافيين، وليس مجرد لاعبين داخل المستطيل الأخضر.

وتُعد قصص محمد صلاح مع طرابزون، وليونيل ميسي مع ميامي، وكريستيانو رونالدو مع السعودية، أبرز الأمثلة على كيفية تحول لاعب واحد إلى حملة دعائية عالمية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، وفقًا لتقارير اقتصادية وإعلامية دولية.

هدية محمد صلاح

منذ الإعلان عن انتقال محمد صلاح إلى طرابزون سبور، تصدر اسم المدينة محركات البحث ووسائل الإعلام العالمية، وأصبح النادي والدوري التركي محط اهتمام جماهير من الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا، بعدما تحولت الصفقة إلى واحدة من أكثر الأحداث تداولًا في سوق الانتقالات.

ولم يعد الحديث يدور فقط حول ما سيقدمه النجم المصري داخل الملعب، بل امتد إلى المدينة نفسها التي وجدت في وجود أحد أشهر لاعبي العالم فرصة نادرة للتعريف بمقوماتها السياحية والاقتصادية والثقافية أمام ملايين المتابعين، كما شهدت منصات التواصل الاجتماعي تفاعلًا واسعًا مع صور المدينة ومعالمها.

 وارتفعت معدلات البحث عن طرابزون بوصفها وجهة سياحية تقع على ساحل البحر الأسود وتتميز بطبيعتها الخضراء ومناخها المعتدل.

ولم يقتصر الأمر على كرة القدم، بل استغلت السلطات المحلية الحدث للترويج للمدينة باعتبارها وجهة مناسبة للاستثمار والسياحة والإقامة، في إطار استراتيجية تستهدف الاستفادة من الشعبية العالمية لمحمد صلاح. 

وجاءت تصريحات عمدة طرابزون، الذي أعلن عرضه قطعة أرض على النجم المصري، لتضيف بعدًا مختلفًا للقصة، بعدما ربط الهدية بقضية الاحتباس الحراري، مؤكدًا أن المدينة قد تكون من أقل المناطق تأثرًا بالتغيرات المناخية خلال العقود المقبلة. وبذلك لم تعد الرسالة موجهة إلى صلاح وحده، بل إلى ملايين المتابعين حول العالم، في محاولة لتقديم طرابزون كمدينة تمتلك مستقبلًا واعدًا، ليس فقط بفضل كرة القدم، وإنما أيضًا بفضل طبيعتها وجودة الحياة فيها وإمكاناتها الاستثمارية على المدى الطويل.

صناعة نادي من الصفر

عندما وقع ليونيل ميسي مع إنتر ميامي في صيف 2023، لم يكن التأثير مقتصرًا على الدوري الأمريكي، بل امتد إلى اقتصاد مدينة ميامي بالكامل، فقد أكدت BBC وCNBC وForbes أن أسعار تذاكر مباريات الفريق ارتفعت بشكل غير مسبوق، كما تضاعف الطلب على الفنادق والمطاعم والخدمات السياحية خلال أيام المباريات.

وأشارت تقارير Financial Times إلى أن وصول ميسي أسهم في رفع القيمة السوقية لنادي إنتر ميامي بشكل كبير، كما زادت مبيعات القمصان والمنتجات الرسمية بصورة قياسية. 

ووصفت آبل المالكة لحقوق بث الدوري الأمريكي عبر منصة Apple TV، تأثير ميسي بأنه أحد أهم أسباب ارتفاع الاشتراكات العالمية في خدمة MLS Season Pass.

وأحدث انتقال ليونيل ميسي إلى إنتر ميامي تحولًا اقتصاديًا كبيرًا داخل المدينة، فبحسب التقارير تضاعفت القيمة السوقية للنادي مقارنة بما كانت عليه قبل وصوله، كما أصبحت ميامي واحدة من أكثر المدن حضورًا في الأخبار الرياضية العالمية، واستفادت قطاعات الفنادق والمطاعم والتجزئة من التدفق المتزايد للجماهير والسياح.

كما أشارت تقديرات Greater Miami Convention & Visitors Bureau إلى أن تأثير ميسي قد يرفع السياحة في المدينة بنحو 10%، بما يعادل نحو 400 مليون دولار من الإنفاق الإضافي، إلى جانب ارتفاع الطلب على العقارات الفاخرة والمنازل القريبة من الملاعب، وهو ما يؤكد أن الصفقة تجاوزت حدود كرة القدم إلى الاقتصاد المحلي بأكمله.

رونالدو والسعودية.. كرة القدم كجزء من رؤية اقتصادية

شكّل انتقال كريستيانو رونالدو إلى النصر السعودي في نهاية عام 2022 نقطة تحول في استراتيجية المملكة للتسويق الرياضي. 

وارتبطت الصفقة برؤية السعودية 2030 التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وزيادة أعداد السياح والاستثمارات الأجنبية من خلال الرياضة.

ولم يتوقف التأثير عند رونالدو، إذ تبعه عدد كبير من نجوم أوروبا إلى الدوري السعودي، وهو ما دفع وسائل الإعلام العالمية إلى تخصيص تغطيات واسعة للمملكة، كما ارتفع عدد الزوار لحضور المباريات، وزادت معدلات البحث عن السياحة في السعودية، وأصبحت المدن المستضيفة للمباريات تحظى بتغطية إعلامية لم تكن تحظى بها سابقًا.

وأكد مسؤولون في قطاع السياحة السعودي أن استضافة النجوم والأحداث الرياضية الكبرى أصبحت عنصرًا أساسيًا في الترويج للمملكة عالميًا، مع استهداف أكثر من 100 مليون زيارة سنويًا ورفع مساهمة السياحة إلى أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي ضمن مستهدفات رؤية 2030.

كيف يستفيد قطاع السياحة من انتقال النجوم؟

تشير دراسة صادرة عن UN Tourism إلى أن الأحداث الرياضية الكبرى والنجوم العالميين أصبحوا عنصرًا أساسيًا في الترويج للوجهات السياحية، حيث تدفع شهرة الرياضيين الجماهير إلى زيارة المدن التي يلعبون فيها، سواء لحضور المباريات أو لاكتشاف المعالم التي يشاهدونها عبر وسائل الإعلام.

كما توضح تقارير Deloitte Sports Business Group أن انتقال لاعب عالمي يؤدي إلى زيادة الإشغال الفندقي، وتحسين إيرادات المطاعم والمتاجر، وارتفاع الطلب على وسائل النقل، إلى جانب تنشيط تجارة المنتجات الرياضية. وتؤكد الدراسة أن التأثير الاقتصادي يمتد إلى قطاعات لا ترتبط مباشرة بكرة القدم.

في الماضي كانت شهرة اللاعب مرتبطة بشاشات التلفزيون، أما اليوم فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تضاعف التأثير الاقتصادي لأي انتقال كبير، فعندما ينشر لاعب بحجم محمد صلاح أو ميسي أو رونالدو صورة من مدينة جديدة، فإنها تصل إلى مئات الملايين من المتابعين خلال ساعات، وهو ما يعادل حملة دعائية يصعب تقدير قيمتها المالية.

وأصبحت الأندية والمدن تعتمد بشكل متزايد على القوة الرقمية للنجوم، لأن قيمة اللاعب التسويقية أصبحت تقاس أيضًا بعدد المتابعين، وحجم التفاعل، وقدرته على جذب الرعاة والسياح والمستثمرين، وليس فقط بعدد أهدافه أو ألقابه.

مدينة تبحث عن نجم.. ونجم يصنع اقتصادًا

وترى Harvard Business Review أن الاستثمار في الرياضة تحول إلى أداة لتنمية المدن، حيث تستخدم الحكومات استضافة البطولات أو التعاقد مع النجوم لتعزيز صورتها عالميًا، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين مكانتها الاقتصادية. ولهذا أصبحت المنافسة على النجوم جزءًا من المنافسة بين المدن والدول، وليس فقط بين الأندية.

وتظهر هذه الفكرة بوضوح في تجربة ميامي مع ميسي، والسعودية مع رونالدو، وطرابزون مع محمد صلاح، حيث أصبح اللاعب محورًا لحملة ترويجية تشمل السياحة، والاستثمار، والإعلام، والاقتصاد، والثقافة، في وقت واحد.

أثبتت التجارب الحديثة أن قيمة النجم العالمي لم تعد تقاس فقط بما يقدمه داخل الملعب، بل بما يستطيع تحقيقه خارجه. فمحمد صلاح منح طرابزون حضورًا عالميًا، وميسي أعاد رسم المشهد الرياضي والسياحي في ميامي، بينما ساهم رونالدو في تسريع التحول الذي تستهدفه السعودية ضمن رؤيتها الاقتصادية.

وفي عصر الاقتصاد الرياضي، أصبح انتقال لاعب واحد قادرًا على تغيير صورة مدينة كاملة، وجذب ملايين الزوار، وخلق فرص استثمارية جديدة، وتحويل كرة القدم من لعبة شعبية إلى واحدة من أقوى أدوات التسويق والتنمية الاقتصادية في العالم.

اقرأ أيضًا:

رد ناري من والد بيزيرا على أزمة نجله مع الزمالك (خاص)


 

search