الإثنين، 10 أغسطس 2026

10:30 ص

"كيس ورقي" غيّر تاريخ الموضة.. صدفة على متن طائرة صنعت أسطورة حقيبة بيركين الأيقونية

حقائب بيركين الأيقونية

حقائب بيركين الأيقونية

بينما كانت تجمع أغراضها التي انسكبت من سلتها الخيزران الشهيرة وتناثرت في ممر الطائرة، دار بين الممثلة چين بيركين وبين الرجل الجالس بجوارها حديث صار من أشهر قصص الموضة في العالم، ‏حيث أفضى إلى ميلاد الحقيبة التي تتجاوز الذهب كاستثمار بل وتباع في مزاد علني بأكثر من 10 ملايين دولار.

حديث عابر  غير تاريخ الموضة إلى الأبد

أعربت بيركين للراكب الجالس في المقعد المجاور على طائرة الخطوط الفرنسية عن إحباطها لعدم عثورها على حقيبة جلدية تجمع بين الأناقة والعملية وتستوعب احتياجاتها اليومية كأم عاملة، فاقترح عليها أن تجد ضالتها في إحدى حقائب ايرميس.

وعلى كيس ورقي رسمت بيركين تصورها للحقيبة المثالية، وقرر الراكب الذي لم يكن سوى جان-لوي دوما، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة ايرميس في ذلك الوقت، تنفيذ التصميم من أجل الممثلة.

أولى حقائب بيركين تبصر النور

وبعد عام من اللقاء، تحديدًا في 1984، أطلقت الشركة رسميًا مجموعة الحقائب وقدم دوما لبيركين الحقيبة الأصلية عام 1985، وطلب منها السماح له بإطلاق اسمها عليها.

ولم يكن أي منهما يتوقع أن يتحول ذلك الرسم العفوي الذي خطته بيركين إلى واحدة من أشهر القطع الفاخرة في العالم.

بيركين عبر العقود

لم تحقق بيركين شهرتها فور إطلاقها في الثمانينيات، إذ كانت شانيل تهيمن على السوق آنذاك. وخلال انشغال دور الأزياء الأخرى بمواكبة الصيحات، ركزت ايرميس على تثبيت معايير الحرفية التي ما زالت تميز الحقيبة حتى اليوم، حيث تصنع كل حقيبة يدويا على يد حرفي واحد و يستغرق ذلك نحو 20 ساعة من العمل المتقن.

1cec86ea-f08b-462f-9bc7-acfa27af226c
حقائب بيركين

ومع دخول التسعينيات، بدأت بيركين تخرج تدريجيًا من دائرة النخبة الضيقة، وطرحت جلد التوجو الذي أصبح من أكثر الخامات شعبية بفضل متانته، وسر عان ما تحولت إلى رمز للمكانة الاجتماعية مع ازدياد إقبال المشاهير عليها وظهور قوائم الانتظار.

وجاءت الألفية الجديدة لتمنح بيركين دفعتها الأكبر نحو الشهرة العالمية بعدما ظهرت في مسلسل شهير، في الوقت الذي بدأ سوق إعادة البيع بالنمو نتيجة الطلب الذي تجاوز المعروض.

وخلال العقد التالي، لم تعد بيركين مجرد حقيبة فاخرة، بل أصبحت قطعة استثمارية أيضًا، مع ارتفاع قيمتها في المزادات رغم الجدل الذي أثير حول استخدام الجلود النادرة، وفي تلك الفترة، استبدلت ايرميس قوائم الانتظار التقليدية بنظام التخصيص المعتمد على سجل مشتريات العميل، فيما عرف بين محبي العلامة بـ"لعبة ايرميس".

35ef3cba-7258-4436-b98e-e1630a54b851
 

أيقونات بيركين الأصليات

چين بيركين: صاحبة الإلهام الأصلي وراء الحقيبة والتي ساهمت في تصميمها، وكانت تتعامل معها كحقيبة عملية للاستخدام اليومي وليس كقطعة ثمينة يجب الحفاظ عليها. 

قدمت ايرميس لها أربع نسخ من الحقيبة على مدار حياتها، كما منحتها عوائد مالية مقابل استخدام اسمها، والتي يقال إنها كانت تتبرع بها سنويا للجمعيات الخيرية.

فيكتوريا بيكام: ملكة بيركين في العصر الحديث بلا منازع حيث تتجاوز مجموعتها المائة حقيبة.

كيت موس: تعد الوجه "لأسلوب الإندي الفوضوي" الشهير في التسعينيات وكانت تتعامل مع حقائب بيركين السوداء والفيروزية بعدم اكتراث شديد، وكذلك الأختان أولسان، وقد كانتا من أوائل من أطلقوا ترند "بيركين المستهلكة" واشتهرتا بالاستخدام العفوي وترك الجلد يتعرض للخدوش والبهتان والترهل، ليمنحاها مظهرًا عفويًا.

جينيفر لوبيز: جعلت بيركين رمزًا للأناقة والفخامة في هوليوود، وإن اشتهرت أيضًا بحمل بيركين النادرة ذات الجلد المميز في طريقها إلى الچيم.

كيم كارداشيان: رسخت مكانة الحقيبة في ثقافة الپوپ الحديثة وتعرف بشغفها بكسر قواعد الموضة، مثل حملها بيركين مرسومة يدويًا من تصميم چورچ كوندو، واختيارها ألوانًا نادرة وجريئة.

وغيرهن من المشاهير أمثال كريس چينر المعروفة بمجموعتها الضخمة وليدي جاجا التي قدمت الحقيبة بأسلوب أكثر جرأة وغرابة.

e3dccce4-432b-47d1-a220-11bf06944d7d
 

من البيع الرسمي إلى سوق إعادة البيع

جاء أول إصدار من الحقيبة مصنوعًا من جلد أسود ناعم ومرن، وكان سعر البيع الأصلي في المتاجر حوالي 2000 دولار.

أما اليوم، فتتراوح أسعار الشراء مباشرة من دار ايرميس لبعض المقاسات الأساسية مثل بيركين 25 وبيركن 30 وبيركين 35 في نطاق يقارب 13500 إلى 15500 دولار، مع اختلاف الأسعار حسب الخامة والسوق والإصدار.

وفي المقابل، يمكن أن ترتفع قيمة الحقيبة بشكل ملحوظ في سوق إعادة البيع. فالحقيبة العادية بحالة ممتازة قد تباع تقريبًا بين 15000 و35000 دولار، بينما يمكن أن تصل بعض ألوان ومقاسات الحقيبة الأكثر طلبًا إلى حوالي 25000–40000 دولار.

في حين أن القطع النادرة جدًا، مثل الإصدارات المحدودة أو المصنوعة من أنواع نادرة من الجلود، قد تتجاوز قيمتها 50000 دولار أو أكثر في بعض الحالات الاستثنائية.

وشهدت بيركين في العقد الحالي ازدهارًا كبيرًا مع ازدياد المعروض في سوق إعادة البيع، وأصبحت الحقائب المستعملة أكثر سهولة في الوصول للمشترين حول العالم.

فهل أفقدها هذا الانتشار في الآونة الأخيرة هالتها؟!

هناك قاعدة في عالم الموضة صمدت قرابة مائتي عام، ما إن تكتشف الطبقة الراقية أن رمز المكانة قد أصبح متاحا للجميع، حتى تتخلى عنه. حدث ذلك مع الفراء وأيضًا مع الشعارات الضخمة، ويبدو أن الدور قد حان الآن على حقيبة بيركين.

في هذا الصدد، يوجد سببان رئيسيان جعلا الحقيبة الأيقونية تفقد شيئا من قوتها.

أولا فإن رمز المكانة الاجتماعية يحتاج إلى أمرين: الندرة، و امتلاك الحق في ارتدائه، و كلاهما فقدته الحقيبة الشهيرة .

فقدان الإحساس بالندرة

رغم أن ايرميس لا تزال تتحكم في إنتاج بيركين، فإن الحقيبة أصبحت موجودة في كل مكان بفضل سوق إعادة البيع ووسائل التواصل الاجتماعي. وإذا كنت تملك المال، يمكنك الحصول عليها بسهولة نسبيا، بل ويمكن شراء نسخ مقلدة شديدة الإتقان. وهكذا اختفت أهم عناصر سحرها و هي أن تكون نادرة وأن يعرف القليلون فقط كيفية الحصول عليها.

f14dc745-b320-43b9-b3db-c804c7fb1b38
 

تغير هوية من يحملها

كانت بيركين في السابق مرتبطة بنساء ”المال القديم” لإظهار الذوق و المكانة، أما اليوم فأصبحت مرتبطة بدرجة كبيرة بالمؤثرين وثقافة الاستعراض على إنستجرام.

وهنا تكمن مشكلة ايرميس، حيث لم تعد قادرة على التحكم في من يحمل الحقيبة، ففي الماضي، كانت الشركة تستطيع اختيار عملائها وحماية الصورة التي تمثلها بيركين، أما اليوم، فسوق إعادة البيع يسمح لأي شخص يملك المال بالحصول عليها.

السبب الآخر الذي جعل بيركين تفقد بعضًا من قوتها وجاذبيتها لدى الطبقات التي تتمتع بالذوق هو طاقة اليأس المحيطة بالحصول عليها.

اختفاء هالة الفخامة بسبب الهوس بالحصول عليها

أصبحت الإنترنت مليئة بالنصائح حول كيفية الحصول على بيركين وتجاوز قوائم الانتظار وبناء علاقة مع ايرميس، هذا السعي المحموم يتناقض مع جوهر الفخامة، فالترف الحقيقي لا يحمل طاقة اليأس تلك ولا يحتاج إلى إثبات الذات.

وبالطبع، لم تعد هذه الصورة تليق بنساء الطبقات الراقية اللواتي لا يرغبن في أن يربطن أنفسهن بهذا القدر من اليأس والضيق.

والنتيجة هي أن المزيد والمزيد من مالكات حقائب بيركين لم يعدن يشعرن بالراحة عند ارتدائها.

حيث بدأت النساء من الطبقة العليا في الاتجاه إلى البحث عن المواد والحرفية الاستثنائية، لكن لدى علامات تجارية أقل شهرة، أو لدى علامات تجارية غير معروفة أصلا يستحيل تقليدها.

لم تفقد بيركين بعض بريقها لأنها صارت أقل جودة، ولا لأنها لم تعد استثنائية من حيث الحرفية، لكن ما تبدل فعلا هو المعنى اللي تحمله. فكلما يصبح رمز المكانة مألوفا، يبدأ الباحثون عن التميز في البحث عن رمز آخر.

وربما نحن بصدد عالم يتغير لم يعد فيه الشعار وحده أو القدرة على إنفاق المال كافية لمنح المكانة، بل أصبح الذوق والمعرفة والقدرة على اكتشاف الحرفية الحقيقية والجودة هي العملة الأهم.

search