محمد مازن يكتب: اعتياد الدم!!
اليوم استيقظت مفزوعا كالعادة على خبر جريمة، بعد أن أقدم مهندس على قتل أربعة من أفراد أسرة طليقته في 15 مايو.
الجريمة وحدها صادمة، لكن أكثر ما لفت انتباهي وأرهق تفكيري أننا بدأنا نراها كأنها حلقة جديدة في مسلسل لا نعرف متى ينتهي:
«اعتياد الدم».
أب يقتل زوجته وأبناءه.
صديق يقتل صديقه وزوجته وابنتيه.
ابن يقتل أباه وأمه.
أخ يقتل أخاه.
وسيارات تسقط بأطفال على الطرق، ومجتمع يسأل،
ومسؤولون يوزعون بعدها مكافأة الموت على أهالي الضحايا.
جرائم متشابهة، وأماكن مختلفة.
في مناطق راقية، وفي مناطق عشوائية.
وتعامل واحد.
لكن الدم واحد، والفاجعة واحدة، والفاتورة في ازدياد.
قبل سنوات ليست طويلة، كانت مثل هذه المشاهد في مصرنا ضربا من الخيال، أو أخبارا نادرة كنا نكتب عنها في الصحيفة على مضض، ثم نمضي في حياتنا.
أو هكذا كنا نظن.
أما الآن، فالمشهد يتكرر، ومن فرط التكرار بدأت الدهشة نفسها تتعب وتتبدد.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية:
أن يصبح الدم مألوفا.
أن نقرأ الجريمة، نحزن قليلا، نتبادل الأسئلة والغضب، ثم ننتظر خبر الجريمة التالية، وكأن كثرة المشاهد تجعل المشهد أقل قسوة.
لكن الدم لا يصبح عاديا لأنه تكرر.
لأن المستقبل لا يأتي دائما كحدث كبير نراه ونستعد له.
أحيانا يتسلل إلينا في التفاصيل الصغيرة.
في طريقة كلامنا.
في علاقتنا بالآخر.
في قدرتنا على الغضب.
وفي قدرتنا، قبل ذلك كله، على التعاطف.
وأخشى أن يكون أخطر ما يحدث لنا هو أن نتكيف مع القسوة بدل أن نقاومها.
أن يصبح قتل الأب لابنه، أو الابن لأمه، أو الصديق لصديقه، مشهدا اعتياديا.
أن يصبح السؤال بعد كل جريمة:
«إيه اللي حصل؟»
ثم ننسى أن نسأل السؤال الأهم:
كيف وصلنا إلى هنا؟
في السنوات التي عشتها مغتربا عن بلدي، تعلمت أن المستقبل لا يختار دائما الطريق الذي نتخيله.
لا يأتي بالضرورة كحدث مفاجئ، بل كعملية بطيئة تشبه التنفس.
يتسلل من الأبواب التي نعرفها، ومن التفاصيل الصغيرة التي تكبر وتتغير وتتحول، حتى تصبح مع الوقت جزءا من واقعنا، وربما أمرا مفروضا علينا.
وأحيانا لا نشعر أنه قادم.
بل نشعر أنه يركض نحونا.
تغيّرات صغيرة تتحول إلى عادات، وعادات تتحول إلى واقع، وواقع نكتشفه متأخرين بعد أن يكون قد غير شيئا فينا.
وهنا يكمن الخطر:
أن يصبح المستقبل طبيعيا جدا، إلى درجة أننا لا نعود نراه مستقبلًا أصلا.
وأن يصبح اعتياد الدم واحدا من تلك الأشياء التي تتسلل إلى حياتنا بهدوء، حتى نفقد قدرتنا على الدهشة، ثم قدرتنا على الرفض.
قبل أن ننتقل إلى المستقبل الذكي، علينا أن نستعد أيضا للمستقبل الإنساني.
أن نحافظ على الأسرة ونحن نتحدث عن المدن الذكية.
أن نحافظ على الصداقة ونحن نتحدث عن الذكاء الاصطناعي.
أن نحافظ على الرحمة والشجر ونحن نتحدث عن الساحل وسنينه والقادم فيه وكل ما نطمح إليه من تقدم.
لأن أسوأ مستقبل يمكن أن نصل إليه ليس المستقبل الذي تقود فيه الإنسانيات والتكنولوجيا معا الدفة، بل الذي يصبح فيه الإنسان قادرا على قتل الإنسان، وقادرا في الوقت نفسه على رؤية ذلك باعتباره مشهدا عاديا.
الأكثر قراءة
-
بث مباشر مباراة الأهلي ويوروبا الإسباني بشكل مجاني
-
"كان منهار".. عشماوي يكشف آخر كلمات قاتل نيرة أشرف على "الطبيلة"
-
حقيقة إذاعة مباراة الأهلي ويوروبا الإسباني اليوم
-
موعد مباراة الأهلي ويوروبا الإسباني اليوم والقنوات الناقلة
-
"كانوا رايحين المصيف".. إصابة 12 شخصا في انقلاب سيارة بكفر الشيخ
-
"الحب في الزنزانة".. فضيحة ضابطة إسرائيلية بإقامة علاقة مع مسجون
-
قرار يشعل الجدل داخل الزمالك.. ولاعب جديد يثير القلق
-
وظائف البنك العقاري المصري العربي 2026.. التخصصات المطلوبة وشروط التقديم
أكثر الكلمات انتشاراً