السبت، 15 أغسطس 2026

02:53 م

سليمان الجوسقي.. الشيخ الكفيف الذي تحدى الحملة الفرنسية وارتبط اسمه بـ "صفعة نابليون"

الشيخ الجوسقي

الشيخ الجوسقي

في الوقت الذي كان فيه نابليون بونابرت، أو "بونابارتا" كما أطلق عليه المصريون، يخطط لتثبيت أقدام الحملة الفرنسية في مصر، لم تكن مقاومة المصريين تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت إلى الأزهر والأسواق والحارات، وبرزت خلالها شخصيات امتلكت نفوذًا اجتماعيًا جعلها في مرمى مراقبة الاحتلال.

ومن بين هذه الشخصيات برز الشيخ سليمان الجوسقي، الذي تولى مشيخة طائفة العميان في القاهرة، وتمكن من بناء نفوذ اقتصادي واجتماعي جعل طائفته حاضرة بقوة في المجتمع. ومع اندلاع ثورة القاهرة الأولى، خرج الجوسقي من نطاق طائفته إلى قلب المواجهة مع الفرنسيين، لينتهي به الأمر معتقلًا ثم مقتولًا بعد قمع الثورة.

لكن سيرة الجوسقي لم تتوقف عند ما حفظته كتب التاريخ، إذ نسج الأدب والدراما حول شخصيته روايات شعبية جعلته أحد رموز المقاومة المصرية، وعلى رأسها قصة المواجهة الشهيرة مع نابليون وصفعه.

وفي مثل هذا اليوم 15 أغسطس 1769، وُلد نابليون بونابرت، القائد الفرنسي الذي أصبح لاحقًا إمبراطورًا، وترك أثرًا بالغًا في تاريخ أوروبا والشرق الأوسط.

وبعد نحو 29 عامًا، وصل نابليون إلى مصر على رأس الحملة الفرنسية عام 1798، ليجد مجتمعًا لم يكن مستعدًا للاستسلام بسهولة، وكان سليمان الجوسقي أحد أبرز الشخصيات التي ظهرت في تلك المرحلة.

"سلطان العميان".. شيخ كفيف صاحب نفوذ واسع

لم يكن الجوسقي شيخًا عاديًا، إذ تولى مشيخة طائفة العميان في القاهرة، وتمتع بنفوذ واسع بين أفرادها.

وتشير الروايات التاريخية إلى أنه كان شديد الحزم في إدارة شؤون الطائفة، ونجح في تنمية مواردها وحماية مصالح أفرادها، حتى أصبح للعميان في عهده حضور اقتصادي واجتماعي لافت.

كما تولى إدارة أموال الطائفة واستثمارها في العقارات والتجارة، ولم يقتصر دوره على جمع الموارد، بل اهتم أيضًا بتوفير احتياجات أفرادها ومساعدة الفقراء منهم، ما جعل مكانته تتجاوز حدود طائفة المكفوفين إلى دوائر أوسع داخل المجتمع القاهري.

من جوسق إلى الأزهر

وتذكر الروايات أن سليمان الجوسقي وُلد في منطقة «جوسق» بمحافظة الشرقية، ونشأ في أسرة اهتمت بتعليمه، قبل أن يلتحق بالأزهر الشريف، حيث برز بين طلابه رغم فقدانه البصر، ثم أصبح لاحقًا شيخًا لطائفة العميان في القاهرة.

ولم يمثل فقدان البصر عائقًا أمام الجوسقي، بل أصبح جزءًا من الصورة التي ارتبطت به لاحقًا في الذاكرة الشعبية بوصفه أحد رموز المقاومة للحملة الفرنسية.

«يد الشعب».. الجوسقي في مواجهة الحملة الفرنسية

عندما وطئت الحملة الفرنسية أرض مصر عام 1798، لم يبق الجوسقي بعيدًا عن الأحداث. ومع اندلاع ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر من العام نفسه، وجد المصريون أنفسهم في مواجهة قوات فرنسية متفوقة في التسليح والتنظيم.

وتروي الروايات أن الجوسقي كان من الأصوات التي حثت الأهالي على مقاومة الفرنسيين وعدم الاستسلام، ومن العبارات المنسوبة إليه: "إنكم بشر مثلهم، فاخرجوا إليهم، فإما أن تبيدوهم أو يبيدوكم".

كما تذكر بعض الروايات أنه استفاد من مكانته بين أفراد طائفة العميان في نقل الأخبار ومتابعة تحركات القوات الفرنسية داخل القاهرة، والمساعدة في إيصال المعلومات إلى المقاومين.

وتصور روايات أخرى الجوسقي وهو يتنقل في شوارع القاهرة على دابته، ويتفقد مواقع المقاومة، ويسأل عن احتياجات المشاركين فيها، ويوجه بتوفير الأسلحة والمؤن للمواقع التي تحتاج إليها.

هل صفع الجوسقي نابليون بالفعل؟

تُعد قصة مواجهة الجوسقي لنابليون وصفعه من أشهر الحكايات المرتبطة بشخصيته، إلا أنها تقع ضمن الروايات الشعبية والدرامية التي يصعب تثبيت تفاصيلها تاريخيًا بالقدر نفسه الذي يمكن معه إثبات مشاركته في أحداث الثورة.

وتروي الحكاية أن نابليون أدرك خطورة نفوذ الجوسقي، فحاول استمالته وعرض عليه أن يحكم مصر باسمه، فتظاهر الشيخ بالموافقة، ثم مد يده اليمنى لمصافحة القائد الفرنسي، قبل أن يباغته بصفعة بيده اليسرى، قائلًا: «معذرة يا بونابرت، هذه ليست يدي، وإنما هي يد الشعب».

وتظل هذه القصة واحدة من أشهر الروايات التي التصقت باسم الجوسقي، رغم ضرورة التمييز بين ما ترويه الذاكرة الشعبية وما يمكن توثيقه تاريخيًا.

ثورة القاهرة الأولى.. النهاية في القلعة

في أكتوبر 1798، اندلعت ثورة القاهرة الأولى، وكان الجامع الأزهر ومحيطه من أبرز مراكز الحركة الشعبية المناهضة للفرنسيين.

وشارك عدد من العلماء والأعيان في أحداث الثورة، وبعد نجاح الحملة الفرنسية في إخمادها، أصبح المشاركون فيها والمشتبه في تحريضهم عليها هدفًا للاعتقال.

وكان سليمان الجوسقي من بين الشخصيات التي ألقت السلطات الفرنسية القبض عليها، إلى جانب عدد من شيوخ الأزهر ووجهاء القاهرة.

ورغم مكانته الاجتماعية والاقتصادية، لم يتمكن الجوسقي من الإفلات من مصير المعتقلين، إذ اقتيد مع عدد من الشيوخ إلى أماكن الاحتجاز، ثم نُقلوا إلى القلعة.

وبعد فشل محاولات التوسط للإفراج عن المعتقلين، انتهت حياة الجوسقي في القلعة، حيث أُعدم مع عدد من الشيوخ الذين اعتبرتهم الحملة الفرنسية من أبرز خصومها عقب ثورة القاهرة الأولى.

وهنا تنتهي أبرز الوقائع التي يمكن نسبتها إلى الروايات التاريخية، لتبدأ طبقة أخرى من الحكاية صنعتها الذاكرة الشعبية والأدب والدراما.

أحمد خليل يعيد الجوسقي إلى الشاشة

لم تتوقف حكاية سليمان الجوسقي عند كتب التاريخ، بل انتقلت إلى الدراما المصرية، حيث قدم الفنان الراحل أحمد خليل شخصية الشيخ الجوسقي في مسلسل "الأبطال"، الذي تناول فترة الحملة الفرنسية والمقاومة المصرية.

وكشف أحمد خليل في أحد لقاءاته أنه شعر بالرهبة عندما عُرض عليه الدور، واعتذر عنه أكثر من مرة، بعدما رأى أن الشخصية تتطلب أداءً بالغ الدقة، خاصة أنها لرجل كفيف.

الفنان الراحل أحمد خليل في دور سليمان الجوسقي

وأوضح أن التحدي الأكبر لم يكن في حفظ الحوار أو تقديم المشاهد التاريخية، وإنما في إقناع المشاهد بأن الشخصية فاقدة للبصر من خلال الحركة وطريقة السير والتعامل مع الأشياء والأشخاص، دون أن يبدو الأداء مصطنعًا.

وكان خليل يرى أن تفاصيل صغيرة، مثل حركة العين واتجاه الوجه وطريقة الالتفات، يمكن أن تكشف للمشاهد أن الممثل لا يقدم شخصية كفيف بصورة طبيعية.

ورغم مخاوفه، تمسك فريق العمل باختياره، ليخوض أحمد خليل التجربة ويقدم شخصية سليمان الجوسقي في مسلسل «الأبطال»، فتعود واحدة من شخصيات المقاومة المصرية إلى الشاشة، بعد أن ظلت لسنوات حاضرة في كتب التاريخ والذاكرة الشعبية.

اقرأ أيضا:

متى يغلق القيد الصيفي وبداية الدوري المصري 2026؟.. المواعيد كاملة

search