من "روضة التدبر" إلى "مذبحة 15 مايو"
قبل أيام قليلة من تصدر اسمه عناوين الأخبار متهماً بارتكاب واحدة من أبشع الجرائم الأسرية، ظهر الرجل في مقطع مصور يدعو إلى جلسة لتدبر آيات من القرآن الكريم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويروج لكتابه الديني الجديد "روضة التدبر"!
كان يتحدث بصوت هادئ، وكلمات رقيقة، وملامح يغلب عليها الخشوع، حتى إن من يشاهد المقطع للمرة الأولى يستحيل عليه تخيل أن صاحبه سيقف لاحقاً في قلب اتهام جنائي بهذه البشاعة.
ولم يكن المشهد أكثر قسوة لأن الرجل ظهر بوجه الواعظ فحسب، بل لأن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الواقعة حدثت خلال جلسة صلح كان يفترض أن تكون مناسبة لإنهاء خلافات أسرية ولمّ شمل أسرة مزقتها النزاعات، جلسة اجتمع فيها الحاضرون بحسن نية وهم يظنون أنهم مقبلون على مصالحة، فإذا بها تتحول إلى مسرح للدماء، ويسقط أربعة قتلى، بينهم ابنته..
وبين ذلك المقطع، وما انتهت إليه التحقيقات الأولية، مسافة زمنية قصيرة، لكنها كانت كافية لتعيد طرح سؤال قديم يتكرر مع كل حادثة مشابهة: كم مرة خدعتنا المظاهر؟
ليس المقصود من هذا السياق التشكيك في التدين، فالدين بريء من كل جريمة، ولا يجوز أن تُحمل النصوص أو الشعائر أوزار من يسيئون إليها بأفعالهم، لكن جريمة 15 مايو تعيد التذكير بخطأ يقع فيه كثيرون، حين يربطون بين المظهر والتقوى، أو بين حسن الحديث وحسن الخلق، أو يمنحون ثقة مطلقة لمن يجيد الوعظ، قبل أن يعرفوا حقيقة سلوكه.
الإنسان لا يُعرف بما يقوله أمام الناس، وإنما بما يفعله عندما يغضب، وعندما يختلف، وعندما تتعارض رغباته مع حقوق الآخرين، وتأكد أن هناك من يتقن اختيار الكلمات، لكنه يعجز عن تهذيب نفسه، وهناك من يحسن الظهور أمام الكاميرا، بينما يخفي وراءها شخصية لا تمت بصلة إلى الصورة التي رسمها لنفسه.
ولعل أخطر ما في بعض الشخصيات أنها لا ترتدي وجه الشر، بل تتقن ارتداء وجه الفضيلة، فهي تعرف كيف تتحدث عن الأخلاق، وكيف تستشهد بالنصوص، وكيف تكسب ثقة من حولها، بينما تضمر في داخلها من الغل أو الانتقام أو القسوة ما لا تكشفه الكلمات.
ولهذا، فإن الحكم على الناس من خلال المظاهر أو الخطاب العاطفي أو المظهر الديني يظل حكماً ناقصاً، لأن الأخلاق لا تُختبر في المقاطع المصورة، وإنما في المواقف التي تكشف حقيقة الإنسان.
قضية 15 مايو، أياً كانت تفاصيلها النهائية التي ستقول فيها العدالة كلمتها، تحمل درساً يتجاوز حدودها، فليس كل من تحدث عن الفضيلة فاضلاً، وليس كل من أكثر من المواعظ قد انتصر على نفسه، كما أن التدين الحقيقي لا يُقاس بنبرة الصوت، أو بطول اللحية، أو بعدد الآيات التي يتلوها الإنسان، وإنما ينعكس في الرحمة، وضبط النفس، والعدل، والوفاء بالعهد، وصون الدماء.
لقد علمتنا الحياة أن أخطر الناس ليس من يبدو شريراً، فذلك يسهل الحذر منه، وإنما من ينجح في إقناع الجميع بأنه نموذج للخير، بينما يضمر في داخله أسوأ خصال البشر.
وما يجعل جريمة 15 مايو أكثر إيلاماً ليس عدد ضحاياها فحسب، بل المفارقة الصادمة بين الصورة التي قدمها المتهم عن نفسه قبل أيام كواعظ زاهد متدين وقور، وبين الاتهامات التي يواجهها اليوم نتاج غدره وخسته ووحشيته!
لكل ما سبق، فإن الرسالة التي ينبغي أن نتوقف عندها ليست أن نشك في الناس، ولا أن نسيء الظن بأحد، وإنما ألا نجعل المظاهر وحدها معياراً للحكم، خصوصاً في زمن السوشيال ميديا والفلاتر!
الثقة يجب أن تُبنى على المواقف، وحسن الخلق يُعرف بالفعل، أما الكلمات، مهما كانت جميلة، فقد تكون أحياناً أسهل ما يمكن أن يتقنه الإنسان، والجوهر لا يكشفه حديث عن الفضيلة، وإنما يكشفه موقف الإنسان منها عندما تُختبر نفسه، وكم من أشخاص يرفعون لواء الدين، ويحركون ملايين بألسنتهم فيما تخفي قلوبهم أسوأ الشرور!
الأكثر قراءة
-
بعد ثبوت قطع عضو حساس لمصور الفيديو.. النيابة تأمر بتشريح جثامين مذبحة الشوش في سوهاج
-
مشاهدة حمزة عبدالكريم.. بث مباشر مباراة برشلونة وبازل مجانا
-
خرجت من المستشفى على بيت والدها.. شقيق عروس حادث منوف يكشف كواليس الواقعة
-
مصطفى شوبير ينتقل إلى يوفنتوس؟.. النادي الإيطالي يحسم الجدل "خاص"
-
سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الأحد 16 أغسطس 2026.. هل انخفض؟
-
براتب يصل إلى 945 ألف جنيه سنويًا.. السفارة الأمريكية تعلن عن وظيفة شاغرة للمصريين
-
بعد ظهوره الأول في الدوري التركي.. ماذا قالت الصحف التركية عن محمد صلاح؟
-
ماذا قدم محمد صلاح في الظهور الأول مع طرابزون سبور أمام قاسم باشا؟
مقالات ذات صلة
المستشار محمد نجيب يكتب: مصر التي اختفت بين عالمين!
12 أغسطس 2026 11:41 م
عندما يصبح الحسد قاتلاً!
11 أغسطس 2026 07:06 م
من حق جماهير مصر أن تحلم لمحمد صلاح
06 أغسطس 2026 09:00 م
ادفع ملايين.. وذل نفسك في الساحل الشرير!
18 يوليو 2026 06:30 م
أكثر الكلمات انتشاراً