نزع السلاح مقابل الانسحاب والإعمار.. مأزق يهدد المرحلة الثانية من اتفاق غزة
الدمار في غزة بسبب الحرب الإسرائيلية
لم يعد ملف إعادة إعمار قطاع غزة منفصلًا عن الترتيبات الأمنية والسياسية للمرحلة المقبلة، بعدما أصبح نزع سلاح الفصائل أحد الشروط المطروحة للمضي قدمًا في الإعمار وإدخال المعدات الطبية إلى القطاع.
وبينما تؤكد الفصائل موافقتها على نزع السلاح، يبرز الخلاف حول كيفية تنفيذ ذلك، والجهة التي ستتولى تسلمه، والتوقيت الذي يجب أن يتم فيه، وما إذا كان سيتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي أم يسبقه.
كوشنر يضغط على حماس لاتخاذ خطوات ملموسة
وتكشف تصريحات قادة حماس خلال اجتماعهم الأخير مع جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، في مصر، جانبًا من هذه المعضلة، في وقت يرى فيه خبراء أن نجاح المرحلة الثانية من اتفاق غزة يتوقف بدرجة كبيرة على حسم هذه التفاصيل.
كشف موقع "أكسيوس" الأمريكي تفاصيل الاجتماع الذي عقده جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، مع قادة حركة حماس في مصر، أمس الأحد، مشيرًا إلى أن قادة الحركة أكدوا مجددًا التزامهم بنزع سلاحهم وتجريد قطاع غزة من السلاح.
وبحسب الموقع، استغل كوشنر اللقاء المباشر والنادر مع قادة حماس للضغط عليهم من أجل اتخاذ خطوات ملموسة في ملف نزع السلاح، محذرًا من أن إسرائيل لا تثق في قدرة الحركة على الوفاء بالتزاماتها في هذا الشأن.
وقال مصدر مطلع لـ"أكسيوس" إن كوشنر أبلغ قادة حماس بضرورة اتخاذ إجراءات عملية في مجال نزع السلاح إذا كانوا يريدون من إسرائيل اتخاذ خطوات مماثلة.
وفي الوقت نفسه، يطالب "مجلس السلام" إسرائيل باتخاذ "خطوات مماثلة" في غزة إذا بدأت حماس عملية نزع السلاح، إلى جانب تسريع وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
المرحلة الثانية.. العقدة التي لم تُحسم
ويرى اللواء أركان حرب الدكتور محمد قشقوش، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية ومستشار المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن جوهر الإشكالية الحالية يتعلق بالمرحلة الثانية من اتفاق غزة، الذي أُقر في مؤتمر شرم الشيخ بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس عبد الفتاح السيسي وعدد من رؤساء الدول المشاركين.
وأوضح قشقوش في تصريحات لـ "تليجراف مصر" أن المرحلة الأولى من الاتفاق تضمنت وقف إطلاق النار وتوزيع المساعدات الإنسانية والبدء في التفكير في إعادة الإعمار، إلى جانب إخلاء المصابين، مع انسحاب إسرائيل إلى "الخط الأصفر"، وهي المرحلة التي تم تنفيذها.
أما المرحلة الثانية، فتتضمن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة من "الخط الأصفر" إلى "الخط الأحمر"، وصولًا إلى الحدود السياسية للقطاع، بالتزامن مع التزام حماس وباقي الفصائل، ومن بينها حركة الجهاد الإسلامي، بتسليم أسلحتها.
وأضاف قشقوش أن مصطلح "تسليم الأسلحة" نفسه، يحمل تفاصيل لم تحسم حتى الآن، خصوصًا أن الأسلحة تنقسم إلى أسلحة ثقيلة، مثل الصواريخ والهاونات، وأسلحة خفيفة، مثل البنادق والمسدسات.
موافقة الفصائل تضع الكرة في ملعب إسرائيل
ويعتبر قشقوش أن النجاح الذي تحقق في مؤتمر القاهرة تمثل في موافقة فصائل المقاومة مجتمعة على تسليم السلاح، معتبرًا أن ذلك "نجاح كبير جدًا"، لكنه يرى أن الخطوة التالية تضع الكرة في ملعب إسرائيل، التي أصبح مطلوبًا منها الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالانسحاب الكامل من القطاع.
ويقول إن الإشكالية الأساسية التي ستظهر عند بدء التنفيذ تتمثل في السؤال: من يبدأ أولًا؟
ويطرح الخلاف عددًا من الأسئلة المتعلقة بمصير الأسلحة بعد نزعها، من بينها ما إذا كان سيتم تسليمها إلى طرف ثالث أو تدميرها.
وأشار قشقوش إلى إمكانية الاستفادة من نماذج سابقة في التعامل مع عمليات تسليم الأسلحة، مستشهدًا بما جرى في بعض اتفاقات خفض الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث تم تدمير بعض الأسلحة بحضور لجان وممثلين عن الطرفين.
وأكد في الوقت نفسه أن هذا مجرد احتمال، وأنه لا توجد حتى الآن إجابة واضحة بشأن الآلية التي سيتم من خلالها التعامل مع أسلحة الفصائل في غزة.
"العناوين الرئيسية" لا تكفي لحسم التفاصيل
ويرى قشقوش أن المشكلة الأساسية في المفاوضات تكمن في الاكتفاء بوضع العناوين الرئيسية دون الاتفاق على التفاصيل الدقيقة، وهو ما يؤدي إلى ظهور الخلافات عند الانتقال من المبادئ العامة إلى مرحلة التنفيذ.
ويستشهد في هذا السياق بمفاوضات السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، مشيرًا إلى أن الاتفاقات آنذاك اتسمت بدرجة كبيرة من الدقة، فعندما كان يتم الاتفاق على الانسحاب إلى خط معين، كانت تحدد النقاط التي يمر بها هذا الخط والإجراءات التي سيتم تنفيذها، وما سيقوم به كل طرف، وكذلك دور الطرف الضامن.
وبحسب قشقوش، فإن حسم تفاصيل كل خطوة قبل الانتقال إلى الخطوة التالية يمثل عاملًا أساسيًا لتجنب عودة الخلافات.
وأشار كذلك إلى أن الأمر نفسه ظهر في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تم الاتفاق على عناوين رئيسية، لكن الخلافات ظهرت سريعًا عند الدخول في التفاصيل.
جدول زمني وضمانات للتنفيذ
ويرى قشقوش أن المفاوضات الحالية بين إسرائيل وحماس، بمشاركة الأطراف المساعدة، ومنها مصر وقطر وتركيا، وبإشراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وممثليه، تحتاج إلى وضع التفاصيل الدقيقة وجدول زمني واضح للتنفيذ.
وحذر من أن عدم التوصل إلى مثل هذه التفاصيل قد يؤدي إلى عودة المشكلات مرة أخرى، خصوصًا في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر، معتبرًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يكون راغبًا في الوصول إلى موعد الانتخابات دون اتخاذ قرار حاسم.
ويعتبر أن موافقة حماس وباقي الفصائل على تسليم الأسلحة قطعت الطريق على إسرائيل في هذا الملف، وأصبحت الكرة في ملعبها، مع ضرورة ممارسة الرئيس الأمريكي ضغوطًا من أجل تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
وبالتالي، يرى قشقوش أن المطلوب في المرحلة الحالية هو "وضع النقاط على الحروف" قبل الدخول في التفاصيل التنفيذية، بما يضمن معرفة ما سيقوم به كل طرف ومتى وكيف سيتم تنفيذ ذلك.
نزع السلاح قبل إعادة الإعمار
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس الدكتور أيمن الرقب أن القضية لم تعد تقتصر على إعادة إعمار غزة، موضحًا أن القطاع الصحي أيضًا أصبح مرتبطًا بملف نزع السلاح.
وأوضح الرقب ل"تليجراف مصر" أن الترتيبات المطروحة ضمن مشروع مجلس الأمن الذي تقدمت به إدارة ترامب تضع نزع السلاح قبل عملية الإعمار، مشيرًا إلى أن الفصائل وافقت على هذا الطرح.
وبحسب الرقب، فإن عملية نزع السلاح يفترض أن تتم بصورة متدرجة، يعقبها البدء في إعادة إعمار قطاع غزة، معتبرًا أن هذا الترتيب أصبح أمرًا واقعًا في ظل إصرار الجانب الإسرائيلي على عدم بدء الإعمار قبل نزع السلاح.
مخاوف من تدمير غزة مجددًا
ويشير الرقب إلى أن هناك من يقتنع بالربط بين نزع السلاح والإعمار، خشية أن يتم تنفيذ عملية الإعمار ثم تستخدم إسرائيل وجود السلاح أو إطلاق رصاصة واحدة كذريعة لتدمير القطاع مجددًا، لكن الخلاف لا يتعلق فقط بمبدأ نزع السلاح، وإنما بترتيب الخطوات وآلية التنفيذ.
وأوضح الرقب أن الجانب الإسرائيلي يريد تجريد غزة من السلاح قبل أي عملية انسحاب، في حين أن موقف حماس في الاتفاقات السابقة كان يقوم على الوصول إلى صيغة يكون فيها تسليم السلاح متزامنًا مع الانسحاب الإسرائيلي.
لمن ستسلم أسلحة الفصائل الفلسطينية؟
وتبرز أيضًا خلافات حول الجهة التي ستتسلم الأسلحة بعد نزعها، ويقول الرقب إن حماس لا تتصور أن يتم تسليم السلاح إلى الجانب الإسرائيلي، بينما يطالب الإسرائيليون بأن يكون التسليم إلى الأمريكيين، في حين توجد مقترحات بأن يتم تسليم الأسلحة إلى الشرطة الفلسطينية.
وأشار إلى أن خارطة الطريق التي قدمها نيكولاي ملادينوف تتضمن بدورها مقاربات في هذا الملف، إلا أنه يرى أن هذه المقاربات لا تلقى قبولًا إسرائيليًا، ما يدفع الوسطاء إلى البحث عن صيغ تحول دون انهيار الاتفاق، وفي الوقت نفسه تضمن الوصول إلى ترتيبات تجعل تسليم السلاح متزامنًا مع الانسحابات الإسرائيلية من قطاع غزة.
الانتخابات الإسرائيلية تعقد المشهد
ويرى الرقب أن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في نهاية أكتوبر تمثل عاملًا إضافيًا في تعقيد تنفيذ الاتفاق، معتبرًا أن الجانب الإسرائيلي ليس متفرغًا لتنفيذ هذه الترتيبات، كما أنه ليس متشجعًا بالضرورة على إتمام هذه الصفقات في ظل اقتراب موعد الانتخابات.
وأشار إلى أن "المراوغة" من جانب نتنياهو ترتبط بخشيته من فقدان مزيد من المقاعد، لكنه في الوقت نفسه معني بالحصول على صورة لتسليم السلاح في غزة، باعتبار أن هذه الصورة قد تكون مهمة بالنسبة إليه في التعامل مع الناخب الإسرائيلي.
السلاح الخفيف.. هل يصبح نقطة الحسم؟
وبحسب الرقب، لم يعد قطاع غزة يحتوي على أسلحة ثقيلة، وإنما يتركز ما تبقى من السلاح في الأسلحة الخفيفة، وبالتالي فإن عملية نزعها ليست صعبة من الناحية الإسرائيلية.
لكن المشكلة، كما يوضح، لا تتعلق فقط بعملية نزع السلاح ذاتها، وإنما بإصرار إسرائيل على الحصول على صورة واضحة لعملية تسليم السلاح، بما يسمح لها بتقديمها إلى الجمهور والناخب الإسرائيلي.
واشنطن تملك مفتاح الضغط
وفي ظل استمرار الخلاف حول ترتيب الخطوات، يرى الرقب أن الولايات المتحدة تظل الجهة الوحيدة القادرة على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل من أجل تنفيذ التزاماتها.
وأكد أن الجهة الوحيدة القادرة على الضغط على الإسرائيليين هي الولايات المتحدة، معتبرًا أنه دون واشنطن لا توجد جهة أخرى تستطيع ممارسة الضغط اللازم على إسرائيل في هذا الملف.
اقرأ أيضًا:
"أرض أمريكية جديدة".. ترامب يستفز طهران بنشر خريطة لمضيق هرمز
الأكثر قراءة
-
هل نتيجة تنسيق المرحلة الثانية 2026 ظهرت؟
-
مدافع الزمالك يعلن رحيله رسميا قبل مواجهة الاتحاد السكندري
-
بعد 11 عاما من المعاناة والصبر.. وفاة التوأم السيامي منة ومي بالبحيرة (خاص)
-
هل اعتنق الإسلام؟.. روبرتو كارلوس يتزوج سهيلة الطاهري
-
بمرتب 284 ألف جنيه.. الشروط ورابط التقديم على وظائف بالسفارة الأمريكية
-
نتيجة تنسيق المرحلة الثانية 2026 خلال ساعات.. الرابط ومؤشرات القبول
-
عيار 21 بكام؟.. أسعار الذهب اليوم الثلاثاء 18 أغسطس في الصاغة
-
مزاعم أمريكية حول مخالفات في “الضبعة النووية”.. كيف دحضتها مصر وروسيا؟
أخبار ذات صلة
ترامب يناقض نفسه: مضيق هرمز مفتوح ولا مفاوضات مع إيران
18 أغسطس 2026 06:35 م
سر القنبلة B61-11.. إدارة ترامب تدرس استخدام النووي ضد إيران
18 أغسطس 2026 06:20 م
"أرض أمريكية جديدة".. ترامب يستفز طهران بنشر خريطة لمضيق هرمز
18 أغسطس 2026 03:46 م
بعد سحب التراخيص.. ديزني تفتح النار على إدارة ترامب
18 أغسطس 2026 05:59 م
أكثر الكلمات انتشاراً