السبت، 03 أكتوبر 2026
11:39 م
شوارع سكنية تحولت إلى مناطق نفوذ للكلاب الضالة
في الشوارع التي يُفترض أن تكون أكثر الأماكن أمانًا للأطفال، قد يتحول مشهد عابر إلى خطر “لا يُرى بالعين المجردة” بعضة لا تبدو خطيرة من كلب ضال، جُرح صغير يُنسى سريعًا، بينما يتحرك في صمت فيروس لا يمنح ضحيته فُرصة النجاة حال ظهور أعراضه.

عضّة كلب قد تبدو في لحظتها حادثًا عابرًا، لكن مع مرض السعار، قد تتحول دقائق الإهمال أو أسابيع الانتظار إلى الفاصل بين النجاة والموت، فبينما يُفترض أن تكون لحظة العقر بداية للتحرك السريع والوقاية، تكشف وقائع مؤلمة أن النهاية قد تأتي بعد أسابيع، حين يكون الفيروس قد بلغ مرحلة لا تترك مجالًا للإنقاذ.
لم تعد هذه المخاوف مُجرد تحذيرات نظرية، فقد انتهت واقعتا عقر لطفلتين إلى مصير واحد “الموت بعد الإصابة بالسعار”، الأولى كانت الطفلة مكة السيد عوض، التي تبلغ من العمر سبع سنوات، في بورسعيد، والثانية الطفلة الفلسطينية جوري محمد أبو عواد، صاحبة العشر سنوات، التي لجأت إلى مصر هربًا من الحرب في غزة، لتلقى حتفها على أرضها.


السعار ليس مجرد مرض ينتقل عبر عضة حيوان، إنه سباق مع الزمن، تبدأ فيه فُرص النجاة من اللحظة الأولى للإصابة، وما يبدو في الظاهر مواجهة بسيطة يكشف في العمق شبكة معقدة من الأسئلة حول التحصين، وتوافر الأمصال واللقاحات، وسرعة الاستجابة، وكيفية السيطرة على الكلاب الضالة في المناطق السكنية.
"لا يُمكن الجزم بالوفاة نتيجة السعار في غياب تقرير طبي رسمي يحسم الأمر" بهذه العبارة، يرسم الدكتور محمد عفيفي سيف، الأمين العام الأسبق للنقابة العامة للأطباء البيطريين، الخط الفاصل للعلاقة بين السعار والوفاة.
يصف سيف الكلاب الضالة بأنها "مستودعات متنقلة" للأمراض المعدية والخطيرة، التي لا تقل فتكًا عن السعار نفسه، مُحذرًا من أن عضة الكلب قد تنقل إلى الإنسان ميكروبات أو مسببات مرضية أخرى، تدفع الحالة إلى التدهور السريع وصولًا إلى الموت.
ويُفسر أن الخطر الحقيقي يكمن في انتشار الكلاب الضالة بأعداد مليونية، تتجاوز أي مستويات آمنة، ما يُسهم في تسجيل أكثر من 1.5 مليون حالة عقر سنويًا، موضحًا أن تداعيات هذه الحالات لا تقتصر على الإصابة المباشرة، بل قد تخلّف تشوهات جسدية وآثارًا نفسية عميقة لدى الأطفال والبالغين على حد سواء، فضلًا عن حالات الوفاة.

"مليون ونصف إنسان في عام واحد"، هذا ليس رقمًا في البيانات الرسمية، بل وجوه بشرية تعرضت لعقر الكلاب الضالة، ودفعت منظومة الصحة لدفع 1.7 مليار جنيه ثمنًا للوقاية من السعار في عام 2025.
بهذه الأرقام، يضع الدكتور سيف يده على جرح مفتوح، حيث لم تعد الكلاب الضالة مجرد مشهد مزعج في الشوارع، بل تحولت إلى أزمة صحية واقتصادية تُلاحق المواطن في كل خطوة، واصفا الجهود المبذولة بأنها "متواضعة جدًا"، تشخيصًا لواقع يفتقر إلى المنهج العلمي والمنظومة المتكاملة.
تطعيم 70% من الكلاب الضالة سنويًا هو الحد الأدنى لكسر سلسلة انتقال السعار، لكن الأرقام تشير إلى أن ما يتم تطعيمه لا يتجاوز 5% من هذه النسبة المستهدفة، بحسب الأمين العام الأسبق للنقابة العامة للأطباء البيطريين.
أما إدارة التكاثر، فتتطلب معادلة أصعب عبر تعقيم 85% من الكلاب دُفعة واحدة، وانتظار نحو 8 سنوات حتى تظهر النتائج بوضوح، لكن الواقع، وفق تقديرات سيف، لا يتجاوز 1% من هذه النسبة.
يكشف سيف الجانب المظلم من الأزمة قائلًا إن “السلوكيات الخاطئة في حملات الإطعام العشوائية، ومخلفات الذبح من الدواجن، والحيوانات النافقة أو المريضة التي تُلقى من المزارع كلها ليست مُجرد نفايات، بل وقود يُحرك أزمة الكلاب الضالة، فكل قطعة لحم تُلقى في الشارع، وكل جيفة تُترك بلا رقابة، تصنع فرصة جديدة للكلاب لتكبر، وتتكاثر، وتستقر”.

ويُضيف إن توفر الغذاء المُستمر لا يزيد أعداد الكلاب وأحجامها فحسب، بل يمنحها سببًا للبقاء، ومع الوقت، تتحول إلى حُراس لمناطق نفوذها، تدافع عن مصادر طعامها بشراسة، وتُهاجم أي غريب يقترب حتى لو كان مجرد عابر سبيل.
ويصف سيف الجهود المبذولة حاليًا للتعامل مع الكلاب الضالة كـ "تحلية مياه البحر بملعقة سكر.. أو حرث البحر بإبرة خياطة"، حيث فشلت الاستراتيجية الحالية في تحقيق مُستهدفاتها.
الحل، وفق رؤية سيف، يكمن في تطبيق إجراءات أكثر حسمًا، على غرار ما طُبق في الولايات المتحدة وأستراليا عبر جمع الكلاب الضالة، ونقلها فورًا بعيدًا عن المناطق السكنية والمدارس والمتنزهات، بنسبة تتراوح بين 85% و90% من الأعداد الحالية.
خارج المدن، يجب أن تخضع الكلاب لفحوصات بيطرية شاملة، السليم منها يُهيأ للتبني أو الاقتناء الشخصي، عبر تراخيص رسمية وبطاقات صحية تضمن مُتابعة حالتها، سواء داخل مصر أو عبر نقلها إلى الخارج، أما الكلاب الشرسة أو الحاملة لأمراض مُعدية، وكذلك الأعداد التي تتجاوز القدرة الفعلية على التبني، وفق تقدير سيف، فيتم التخلص منها بشكل رحيم وفق بروتوكولات بيطرية وطبية مُعتمدة.
بهذا المنهج المتكامل يُمكن معالجة الأزمة بصورة فاعلة، ويأمن الناس على أنفسهم وأطفالهم من مطاردة الكلاب وحوادث العقر المتكررة، بحسب الأمين العام الأسبق للنقابة العامة للأطباء البيطريين.
"من 60 إلى 70 حالة عقر يوميًا".. هذا ليس رقمًا في ملف، بل ضحايا حقيقيين داخل مُستشفى الهرم التخصصي بالجيزة، يحملون آثارًا لعقر كلب قد تتحول إلى مأساة، بهذه الأرقام ينقل مصدر طبي من داخل المستشفى واقع المعاناة اليومية، ليبقى الشارع المصري محاصرًا بين فكي أزمة الكلاب الضالة.
من جانبه، كشف رئيس جمعية الرفق بالحيوان، الدكتور شهاب عبدالحميد، مفاجأة تؤكد تضاعف الأزمة، موضحًا أن "عدد الكلاب الضالة في مصر كان يبلغ 15 مليون كلب عام 2014 وفق دراسة أجريت بالتعاون مع منظمة "ويسبا" العالمية، بينما تُشير التقديرات الحالية إلى احتمال تجاوزه حاجز 40 مليون كلب".

ويرى عبدالحميد، حسب تصريحات لـ"تليجراف مصر"، أن إزالة القمامة كفيلة بحل نصف الأزمة، مطالبًا بوقف الإطعام العشوائي في الشوارع لما يُسببه من تلوث، مع فرض رقابة صارمة على الملاجئ الخاصة.
عضو مجلس النواب، أميرة فؤاد، ذكرت أنها تقدمت بسؤال برلماني موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير الصحة والسكان، ووزيرة التنمية المحلية والبيئة، بشأن ظاهرة انتشار الكلاب الضالة وحالات العقر المتزايدة، لكن السؤال بقي معلقًا في أدراج الصمت، بلا تحرك.
وترى فؤاد أن تكرار الحوادث والإصابات والوفيات يستوجب تعاملًا جادًا، فالأمر لم يعد مُجرد إحصائيات أو شكاوى، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بسلامة المواطنين، وخاصة الأطفال وكبار السن الأكثر عُرضة للخطر، والأقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم.
"الحل ليس في إيذاء الكلاب.. بل في منظومة واضحة للتعامل مع الظاهرة" بهذه الرؤية، تطرح النائبة أميرة فؤاد حلًا متوازنًا لأزمة الكلاب الضالة عبر حصر أعدادها، والسيطرة على تكاثرها من خلال برامج التعقيم، ثم تجميعها في أماكن مخصصة وآمنة بعيدًا عن المدارس والمناطق السكنية والقمامة، مع توفير الغذاء والمياه والرعاية البيطرية اللازمة، للحد من تكاثرها المستمر.

ترد فؤاد على من يبرر انتشار الكلاب الضالة بدعوى مواجهة حيوانات أخرى للحفاظ على التوازن البيئي، مؤكدة أن جدوى وجود الكلاب لا يُمكن أن يكون مبررًا لتركها تنتشر عشوائيًا، أو تُهاجم المواطنين والأطفال وكبار السن، أو تتجمع حول صناديق القمامة وفي مُحيط المدارس والشوارع.
وأشارت إلى أنه في حالة وجود مُشكلة مثل الثعابين، يجب مواجهتها هي الأخرى بحلول علمية، وليس ترك ظاهرة تواجه ظاهرة أخرى، حيث إن الهدف ليس استبدال خطر بخطر، بل محاربة الظاهرتين معًا دون معالجة مشكلة بمشكلة أخرى.
عضو مجلس النواب تُشدد على ضرورة توعية المواطنين، وخاصة الأطفال، بكيفية التعامل الآمن مع الكلاب، وعدم الاقتراب منها واستفزازها، بجانب التوجه فورًا في حالة التعرض للعقر أو حتى الخدش من كلب، إلى أقرب جهة طبية متخصصة لتقييم الحالة، والحصول على التطعيمات أو المصل المضاد للسعار وفقًا لتقييم الطبيب، حيث إن التعامل السريع مع مثل هذه الحالات ليس مجرد إجراء احترازي، بل قد يكون طوق النجاة.

وطالبت فؤاد الجهات المعنية برفع كفاءة منظومة الوقاية، والتعامل السريع مع حالات العقر والخدوش، والتوعية المستمرة بها، إذ إن حماية المواطنين والحفاظ على الحيوان هدفان يمكن تحقيقهما عبر منظومة حقيقية ومسؤولة للتعامل مع المشكلة.
اقرأ أيضًا:
مَن يملك مفاتيح بيانات المصريين؟.. تحقيق يكشف كيف تُباع حياتك في سوق لا يراها أحد
03 أكتوبر 2026 11:01 م
03 أكتوبر 2026 10:44 م
03 أكتوبر 2026 09:27 م
03 أكتوبر 2026 08:29 م
03 أكتوبر 2026 08:00 م
03 أكتوبر 2026 06:50 م
03 أكتوبر 2026 05:06 م
أكثر الكلمات انتشاراً