الطفل الغزاوي أحمد الدرة بين ذراعي أبيه
قبل ربع قرن، كان محمد الدرة طفلًا في الثانية عشرة من عمره، يحاول الاحتماء بوالده خلف حاجز إسمنتي في غزة، في الوقت الذي كانت توثّق كاميرا تلفزيونية لحظاته الأخيرة.
واليوم، لم تعد صورة الطفل الذي سقط بين ذراعي أبيه حاضرة فقط في ذاكرة من عايشوا المشهد؛ إذ انتقلت إلى صفحات كتاب مدرسي يقرأه ملايين الطلاب في مصر من الأجيال الجديدة.
من شاشة هزّت العالم إلى كتاب التاريخ
تظهر صورة محمد الدرة في منهج الباكلوريا المصري الجديد، تحت عنوان "الانتفاضة الفلسطينية الثانية 2000" يعقبها شرح توضيحي بنص: “لحظة إطلاق النار على الطفل محمد الدرة”.

وأتت هذه الصورة المؤثرة في الكتب، ضمن سياق تاريخي تناول تطورات القضية الفلسطينية، في إطار سرد تاريخي واسع يبدأ من حرب أكتوبر الأول 1973، ويمر بمسارات السلام والتفاوض، والانتفاضة الفلسطينية الأولى، ومؤتمر مدريد واتفاق أوسلو، وصولًا إلى الانتفاضة الثانية والتطورات اللاحقة في قطاع غزة.
وامتد السرد كذلك إلى التطورات الأحدث المتعلقة بالقطاع، والدور المصري في جهود الوساطة ووقف الحرب والتوصل إلى تسويات، وصولًا إلى قمة شرم الشيخ للسلام التي استضافتها مصر في أكتوبر الأول 2025.
طفل في الثانية عشرة.. ومشهد لم ينسه العالم
كان محمد جمال الدرة يبلغ من العمر 12 عامًا عندما خرج مع والده جمال في قطاع غزة يوم 30 سبتمبر 2000، بالتزامن مع الأيام الأولى للانتفاضة الفلسطينية الثانية.
وأثناء وجودهما في شارع صلاح الدين، اندلعت مواجهات وإطلاق نار، فسعى الأب إلى الاحتماء بابنه خلف حاجز إسمنتي، قبل أن تصيبهما الأعيرة النارية.
ووثقت كاميرا الصحفي شارل أندرلان، مراسل قناة "فرانس 2" الفرنسية، المشهد الذي استمر لأكثر من دقيقة، وأظهر الأب وهو يحاول حماية ابنه ويناشد مطلقي النار التوقف، قبل أن يسقط محمد قتيلًا بين ذراعي والده.
وخلال ساعات، انتقلت صور الطفل ووالده إلى شاشات العالم، وتحولت إلى واحدة من أشهر الصور المرتبطة بالانتفاضة الفلسطينية الثانية، وبات محمد الدرة رمزًا بصريًا للبعد الإنساني للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
من هو محمد الدرة؟
ولد محمد جمال الدرة في 22 نوفمبر 1988 بمخيم البريج في قطاع غزة، وتنحدر أصول أسرته من مدينة الرملة التي هُجّر منها الفلسطينيون عام 1948.
وُلد لأبٍ يعمل نجارًا، وأم ربة منزل، ودرس محمد حتى الصف الخامس الابتدائي، حتى أغلقت مدرسته أبوابها بسبب الاحتجاجات التي اندلعت في تلك الفترة.
لم يطل عمر محمد كثيراً، إذ انتهت حياته القصيرة، وبذلك قد تحول يوم عادي خرج فيه برفقة والده إلى واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ الانتفاضة.
روايات متضاربة حول مقتل الدرة
أثارت حادثة مقتل محمد الدرة جدلًا واسعًا، وسرعان ما حاولت جهات إسرائيلية التشكيك في الرواية المتداولة حول مصدر إطلاق النار، لدرجة ذهابها إلى اتهام الفلسطينيين بالمسؤولية عن مقتل الطفل.
لكن على الجانب الآخر، وثّق الصحفي شارل أندرلان الواقعة لاحقًا في كتابه "موت طفل"، كما نقلت تقارير عن تصريحات لمسؤول عسكري إسرائيلي آنذاك، جيورا آيلاند، قال فيها إن الطلقات جاءت على ما يبدو من الجنود الإسرائيليين.
وبغض النظر عن الجدل الذي أحاط بتفاصيل الواقعة، بقيت الصور التي التقطتها كاميرا "فرانس 2" واحدة من أكثر الصور حضورًا في الذاكرة العالمية عن الانتفاضة الثانية.
لماذا بقيت صورة محمد الدرة معلقة في الذاكرة؟
ربما تكمن قوة صورة محمد الدرة في أنها اختزلت في لحظة واحدة ما يصعب أن تنقله صفحات طويلة من التقارير والتواريخ؛ طفل يحتمي بوالده، وأب يحاول إنقاذ ابنه، وكاميرا تسجل المشهد لحظة بلحظة.
ولهذا لم تبقَ صورة الدرة مجرد لقطة من أحداث الانتفاضة الثانية، وإنما تحولت إلى جزء من ذاكرتها الإنسانية.
وبعد 25 عامًا، تعود الصورة مرة أخرى إلى مكان مختلف؛ من شاشات التلفزيون التي شاهدها العالم عام 2000، إلى الكتب الدراسية التي يفتحها الطلاب في مصر عام 2026، لتبقى صفحات التاريخ شاهدة على مأساة هذا الطفل الغزاويّ بعد ربع قرن.
اقرأ أيضًا..