السبت، 29 أغسطس 2026

07:28 ص

عبدالحى عطوان

عبدالحى عطوان يكتب: «صفحة الداخلية».. السوشيال ميديا تتحول إلى عين أمنية.. واستغاثة المواطن تجد طريقها إلى الاستجابة

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للشكوى أو رواية ما يحدث في الشارع، ولم تعد صفحة وزارة الداخلية الرسمية مجرد نافذة لنشر البيانات والأخبار الأمنية.. فقد فرضت منصات التواصل خلال السنوات الأخيرة واقعًا جديدًا على منظومة العمل الأمني، جعل من متابعة ما يكتبه المواطنون ويرصدونه على صفحاتهم وسيلة إضافية للتعرف على الوقائع، وفحصها، والتعامل معها وفقًا للقانون.

وهنا تحديدًا برز الدور المتنامي للصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، التي أصبحت بالنسبة لكثير من المواطنين مساحة لعرض ما يؤرقهم، ونافذة للوصول إلى الجهات الأمنية، ومتنفسًا لمن يشعر أن شكواه تحتاج إلى من يسمعها ويتابعها.

فاليوم تغيرت المعادلة تماما من "بوست" على فيسبوك إلى تحرك أمني بينما في السابق كان المواطن الذي يتعرض لمشكلة يبحث عن أقرب قسم شرطة أو جهة مختصة لتقديم بلاغه، أما اليوم فقد أصبح الهاتف المحمول جزءًا من المشهد.

واللافت للانتباه أن صفحة الوزارة ترصد كل شئ وبدقة سواء صورة لواقعة، مقطع فيديو، استغاثة، منشور يتضمن شكوى أو واقعة مثيرة للقلق.. كلها مواد يمكن أن تلفت الانتباه وتدفع إلى الفحص والتحقق، خصوصًا عندما تكون الواقعة قابلة للتحديد وتتوفر بشأنها معلومات تساعد الأجهزة المختصة على الوصول إلى أطرافها.

وتكشف منشورات الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية بصورة متكررة عن هذا النمط؛ إذ تتعامل الوزارة مع وقائع جرى تداولها على مواقع التواصل، ثم تعلن نتائج الفحص أو ما تم اتخاذه من إجراءات قانونية عند ثبوت الواقعة. وفي إحدى الوقائع الحديثة، أعلنت الصفحة فحص منشور متداول وتحديد وضبط الشخص الظاهر في الصور بعد التحقق من الواقعة.

والمتابع للصفحة يجد أن الوزارة تأخذ كل ما ينشر فعلى سبيل المثال في واقعة أعلنت الوزارة كشف ملابسات بلاغات تقدم بها عشرات المواطنين بشأن منصة إلكترونية، بعد أن بدأت الأجهزة المختصة في فحص ما ورد إليها من معلومات.

والأهم من مجرد نشر البيانات هو أن المواطن أصبح يرى أمامه نموذجًا مختلفًا في التواصل.فقد يكتب أحدهم عن واقعة تعرض لها، أو ينشر مقطعًا يعتقد أنه يكشف مخالفة أو اعتداء أو تجاوزًا، ثم يجد بعد فترة ردًا رسميًا يوضح أن الأجهزة المعنية قامت بالفحص، أو أن الواقعة محل بحث، أو أن الإجراءات القانونية اتخذت بالفعل.

هذه الاستجابة، حتى عندما تنتهي إلى نفي صحة ما تم تداوله، تحمل قيمة مهمة؛ لأنها تقدم للمواطن معلومة رسمية بدلًا من تركه أسيرًا للشائعات والتكهنات.

فالرد الأمني لا يعني دائمًا ضبط متهم، وإنما قد يعني أيضًا كشف حقيقة فيديو، أو تصحيح معلومة، أو توضيح عدم ورود بلاغ بشأن واقعة، أو مطالبة صاحب الشكوى بتقديم بيانات تساعد على اتخاذ الإجراءات.
وقد ظهرت بالفعل منشورات رسمية للوزارة توضح أن الفحص أحيانًا ينتهي إلى عدم وجود بلاغات بشأن الواقعة المتداولة، مع اتخاذ إجراءات أخرى بناءً على نتائج التحريات والفحص.

المعادلة الجديدة يمكن اختصارها في جملة واحدة:المواطن يصور.. ينشر.. والجهة المختصة تفحص.لكن المسألة لا تتوقف عند المشاهدة أو التفاعل، وإنما تكمن القيمة الحقيقية في قدرة الأجهزة المختصة على فرز ما يتم تداوله، والتفرقة بين الشكوى الجادة والمعلومة غير الدقيقة، ثم التعامل مع كل واقعة وفق طبيعتها.

وهذا الدور يتكامل مع منظومة أوسع داخل وزارة الداخلية؛ فقطاع حقوق الإنسان بالوزارة يعلن رسميًا عن تلقي شكاوى المواطنين من مصادر مختلفة، وفحصها وتصنيفها وتوجيهها إلى الجهات المعنية ومتابعة نتائجها والرد على أصحابها وفق الضوابط.

وبذلك أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من مشهد أوسع للتواصل بين المواطن والمؤسسة الأمنية، وليس بديلًا عن القنوات الرسمية لتقديم البلاغات. فهناك وقائع لا تحتمل الانتظار؛ مشاجرة، اعتداء، بلطجة، تحرش، سرقة، تهديد، اختفاء شخص، أو مقطع يصور سلوكًا يمثل خطرًا على الآخرين.

وفي مثل هذه الحالات، قد يكون انتشار المعلومة على مواقع التواصل سببًا في لفت الانتباه سريعًا إلى الواقعة، لكن يظل البلاغ الرسمي والإجراءات القانونية هما الأساس في التعامل معها.

ومن هنا تكتسب الاستجابة أهمية مضاعفة؛ فكلما شعر المواطن أن ما يكتبه أو يبلغه يصل إلى جهة تتابعه، زادت رغبته في الإبلاغ بدلًا من الصمت.

وبالتالى أصبحت صفحة الداخلية «متنفس للناس».. ولكن بضوابط وربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في المشهد كله.
فصفحة وزارة الداخلية لم تعد بالنسبة لبعض المواطنين مجرد صفحة أخبار أمنية، وإنما تحولت إلى مساحة يلجأ إليها المواطن لعرض مخاوفه أو الاستفسار أو لفت الانتباه إلى واقعة يعتقد أنها تستوجب الفحص.

لكن هذا المتنفس لا يعني أن كل منشور يمثل بلاغًا قانونيًا، ولا أن كل فيديو متداول يمثل حقيقة مكتملة؛ فمواقع التواصل تظل مساحة مفتوحة قد تحمل معلومات صحيحة وأخرى غير دقيقة. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأمني في التحقق قبل الحكم، والفحص قبل الإعلان، والإجراء القانوني قبل إطلاق الاتهامات.

في النهاية.. لا تقاس قوة التواصل الأمني بعدد المنشورات التي يتم نشرها، وإنما بقدرة هذا التواصل على بناء علاقة أكثر وضوحًا بين المواطن ورجل الشرطة. فالمواطن يريد أن يشعر أن هناك من يسمعه.والأجهزة الأمنية تريد معلومات تساعدها في الوصول إلى الحقيقة..وبين الطرفين جاءت السوشيال ميديا لتفتح طريقًا جديدًا للتواصل، أصبحت فيه المعلومة تنتقل بسرعة غير مسبوقة، وأصبح التعامل معها يحتاج إلى سرعة مماثلة في الفحص والتحقق والاستجابة.

وهكذا لم تعد صفحة وزارة الداخلية مجرد «صفحة رسمية» على موقع للتواصل الاجتماعي، بل أصبحت جزءًا من منظومة إعلام أمني حديثة، تراقب ما يدور في الفضاء الرقمي، وترد على ما يستحق الرد، وتكشف الحقائق، وتعلن نتائج الفحص، وتدعم جسور الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.

والخلاصة ..في زمن أصبحت فيه الكاميرا في يد كل مواطن، لم يعد الشارع وحده هو مسرح الأحداث.. فقد أصبح الفضاء الإلكتروني أيضًا مرآة لما يحدث على الأرض، وعينًا إضافية تحتاجها الأجهزة الأمنية لرؤية التفاصيل، والاستماع إلى صوت المواطن، والوصول إلى الحقيقة.ش