الوساطة المصرية لوقف الحرب
في خضم تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية وتزايد المخاوف من اتساع نطاق الحرب وانعكاساتها على أمن المنطقة وحركة التجارة والطاقة عالميًا، تتحرك القاهرة عبر شبكة اتصالات دبلوماسية واسعة لتطويق التصعيد وفتح مسارات للحوار بين الأطراف.
التحركات المصرية لوقت التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران
وبين اتصالات الخارجية المصرية، سواء مع الأطراف المباشرة للأزمة أو مع الدول الأخرى المؤثرة إقليميا وعالميا، تتبلور ملامح تحرك مصري يقوم على خفض التصعيد، وبناء جسور الثقة، وحشد المواقف الدولية، وطرح حلول عملية للملفات الخلافية، بالتوازي مع حماية المصالح المصرية وفي مقدمتها استقرار المنطقة وعودة حركة الملاحة عبر قناة السويس إلى طبيعتها.
أكد الخبير والمفكر الاستراتيجي اللواء سمير فرج أن مصر تضطلع بدور مهم في الجهود الرامية إلى تطويق تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، مشيرًا إلى أن القاهرة كانت من أوائل الدول التي أعلنت ضرورة الوقف الفوري للقتال، نظرًا لما تسببه الحرب من تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي.
وأوضح سمير فرج، في تصريحات لـ “تليجراف مصر”، أن استمرار القتال تتعدد تداعياته حيث يؤدي إلى ارتفاع أسعار البترول، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على مختلف دول العالم، لافتًا إلى أن أي زيادة في أسعار النفط تؤدي إلى ارتفاع تكاليف ونفقات الحياة بصورة عامة.
مصر ضمن الدول التي تقوم بدور الوساطة
وأشار الخبير والمفكر الاستراتيجي إلى أن مصر تعد إحدى الدول التي تقوم بدور الوساطة في الأزمة، إلى جانب باكستان وقطر وتركيا، فيما انضمت سلطنة عمان مؤخرًا إلى هذه الجهود بغرض حل أزمة الملاحة في مضيق هرمز، لتصبح الدولة الخامسة المشاركة في التحركات الرامية إلى التعامل مع تداعيات الأزمة.
وأوضح أن الدور العماني كان يتركز في الأساس على تنظيم الملاحة في مضيق هرمز، وليس العمل على وقف القتال، مشيرًا إلى أهمية المضيق بالنسبة لحركة الملاحة الدولية وتدفقات الطاقة.
وأكد سمير فرج أن مصر تتواصل مع جميع أطراف الأزمة، ولا تقتصر اتصالاتها على طرف بعينه، موضحًا أن هناك اتصالات ومباحثات مع الجانب الإيراني على مستوى وزراء الخارجية.
وأضاف أن القاهرة تدخلت من خلال تقديم عدد من الأفكار والمقترحات التي لا يتم طرحها على وسائل الإعلام، في إطار مساعيها للمساهمة في التوصل إلى حلول للأزمة واحتواء تداعياتها.
كما أشار إلى أن مصر أجرت اتصالات عديدة مع وزير الخارجية الأمريكي، وكذلك مع ممثل الرئيس الأمريكي المعني بجهود حل مشكلة السلام في المنطقة ستيف ويتكوف، وذلك بالتوازي مع اتصالاتها مع الجانب الإيراني.
دور مصر في حل النقاط الخلافين بين أمريكا وإيران
وقال اللواء سمير فرج إن الدور المصري يقوم على التواصل مع الطرفين الأمريكي والإيراني بهدف التوصل إلى حلول للمشكلات العالقة بينهما، موضحًا أن من بين الملفات التي تعمل مصر على بحثها آلية المرور في مضيق هرمز.
وأوضح أن هناك خلافًا بين الجانبين بشأن هذا الملف، إذ تتمسك إيران بفرض رسوم على حركة المرور في المضيق، بينما ترفض الولايات المتحدة هذا الأمر.
وأشار إلى أن مصر تسعى إلى تقريب وجهات النظر بشأن هذه المسألة، مع التأكيد على أن مضيق هرمز ممر دولي، وأنه لا ينبغي اتخاذ إجراءات من شأنها التأثير على حرية الملاحة الدولية أو عرقلة حركة السفن.
وأضاف أن التحرك المصري يشمل أيضًا ملف الودائع الإيرانية، في ظل وجود مطالب من الجانب الإيراني ورفض أمريكي لهذه المطالب، موضحًا أن القاهرة تعمل على فتح باب النقاش بين الطرفين، وطرح مقترحات وأفكار يمكن أن تساعد في تقريب المواقف.
وأكد أن جميع هذه الملفات تطرحها مصر في صورة مقترحات أمام الطرفين، بهدف المساعدة في معالجة نقاط الخلاف والتوصل إلى حلول للأزمة.
دوافع مصر للتحرك نحو وقف الحرب الإيرانية الأمريكية
وأوضح فرج أن التحرك المصري لتطويق الحرب الأمريكية الإيرانية ينطلق من ثلاثة محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها تأثر مصر المباشر بتداعيات الحرب وضرورة وقفها بشكل فوري، بما يسمح بعودة حركة الملاحة عبر قناة السويس واستعادة إيراداتها، خاصة في ظل تأثير الحرب على حركة التجارة العالمية وارتفاع أسعار البترول.
ويتمثل المحور الثاني في حرص مصر على العمل من أجل وقف الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، والسعي إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي ومنع اتساع دائرة النزاعات بما يهدد أمن المنطقة ومصالح شعوبها.
أما المحور الثالث، فيرتبط بالمكانة التي تتمتع بها مصر باعتبارها واحدة من أهم الدول ذات الثقل السياسي والاستراتيجي في المنطقة، وهو ما يؤهلها للقيام بدور فاعل في التواصل مع مختلف الأطراف والمساهمة في جهود الوساطة وطرح الحلول.
وأكد أستاذ العلوم السياسية حسن سلامة أن الموقف المصري من التوتر بين إيران والولايات المتحدة اتسم، حتى قبل اندلاع الحرب بين الطرفين، برؤية استباقية استندت إلى إدراك مبكر لاحتمالات نشوب مواجهة عسكرية وتداعياتها السلبية على المنطقة.
وأوضح سلامة، في تصريحات لـ “تليجراف مصر”، أن القيادة السياسية المصرية سبق أن حذرت من احتمالات اندلاع مواجهات بين إيران والولايات المتحدة، كما نبهت إلى التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تترتب على مثل هذا التصعيد، وهو ما يعكس، بحسب رؤيته، قراءة مصرية مبكرة لطبيعة التوتر بين الطرفين وما يمكن أن يترتب عليه من آثار إقليمية ودولية.
جهود مصرية لخفض التصعيد وبناء جسور الثقة
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن مصر واصلت جهودها الرامية إلى خفض التصعيد بين الطرفين، والعمل على بناء جسور للثقة يمكن أن تمهد الطريق أمام استئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
ولفت إلى أن القاهرة تحركت بالتعاون مع عدد من الدول، من بينها باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية، في إطار جهود مشتركة تستهدف تقريب وجهات النظر وبناء جسور الثقة بين الطرفين، وصولًا إلى تهيئة الأجواء المناسبة لإجراء مفاوضات مباشرة.
وأضاف أن جهود الوساطة أسهمت في وصول الطرفين إلى مذكرة تفاهم، مشيرًا إلى أن الدور المصري في هذا المسار كان واضحًا، وأن وسائل الإعلام الغربية نفسها أشارت إلى وجود دور مؤثر للدولة المصرية في التوصل إلى مذكرة التفاهم، التي اعتبرها أساسًا مهمًا لبناء جسور الثقة بين الجانبين.
اتصالات مصرية مستمرة مع الأطراف المؤثرة
وأوضح حسن سلامة أن الدور المصري يتجلى كذلك في الاتصالات المستمرة مع مختلف الأطراف المؤثرة، سواء الطرفين الأساسيين في الأزمة، أو الدول المحيطة والمؤثرة في الإقليم.
وأشار إلى أن الاتصالات الأخيرة التي أجراها وزير الخارجية المصري مع نظرائه في المنطقة، ومن بينهم وزيرا خارجية تركيا والكويت، تأتي في إطار متابعة تطورات الموقف، والتنسيق بشأن التحركات والجهود الرامية إلى احتواء التصعيد.
وأكد أن تواصل وزير الخارجية المصري مع نظرائه في المنطقة يمثل جزءًا من عملية مستمرة لتنسيق وترتيب الأدوار، بهدف تقديم حلول أقرب إلى الواقعية وقابلة للتنفيذ، مستندة إلى الخبرات المتراكمة للدولة المصرية ومؤسساتها في التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية.
وأضاف أن التحرك المصري يستند كذلك إلى ما تتمتع به القاهرة من مصداقية وثقل سياسي في المنطقة، موضحًا أن مختلف الأطراف تنظر إلى مصر باعتبارها قوة وازنة وقادرة على الاضطلاع بدور فاعل في جهود تسوية الأزمات.
حشد دولي للضغط من أجل وقف الحرب
وقال سلامة إن تواصل مصر، على مستوى وزارة الخارجية، مع الدول الأخرى، لا يقتصر على تبادل وجهات النظر، وإنما يستهدف أيضًا حشد موقف دولي يمكن أن يمارس ضغوطًا على جميع الأطراف من أجل وقف الحرب.
وأوضح أن التحرك المصري يهدف كذلك إلى كسر حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وتهيئة الظروف الملائمة للعودة إلى مسار الحوار والتفاوض، بما يساعد على خفض التصعيد واحتواء تداعيات المواجهة.
التحرك المصري يجمع بين المصلحة الوطنية والاستقرار الإقليمي
وأكد أستاذ العلوم السياسية أن التحرك المصري يأتي في المقام الأول من منطلق وطني، في ضوء التداعيات المباشرة التي يمكن أن تترتب على الحرب بالنسبة إلى مصر، لكنه في الوقت نفسه لا يغفل المصالح الإقليمية وضرورة الحفاظ على استقرار المنطقة.
وأشار إلى أن مصر تنطلق في تحركاتها من قناعة راسخة بأن بؤر التوتر والصراعات في المنطقة يجب أن تجد طريقها إلى التسوية وإنهاء المواجهات، مؤكدًا أن القاهرة تتمسك بخيار السلام والدبلوماسية والانخراط المباشر في الأزمات، مع تقديم مختلف أشكال النصح والدعم التي يمكن أن تسهم في تحقيق الاستقرار.
وشدد حسن سلامة على أن هذا النهج يمثل أحد الثوابت الراسخة في السياسة المصرية، موضحًا أن مصر تواصل التعامل مع الأزمات الإقليمية من خلال أدوات الدبلوماسية والحوار، والعمل على تقريب وجهات النظر، ودعم الحلول السياسية التي تضمن خفض التصعيد وتحقيق الاستقرار في المنطقة.
اقرأ أيضًا:
ترامب يوجه رسالة نارية لإيران: القوة لن تنقذكم.. استسلموا وتفاوضوا