الأحد، 30 أغسطس 2026

10:41 م

"ادفعوا ثمن مياه النيل".. هل تملك إثيوبيا حق مقايضة مصر على النهر؟

نهر النيل

نهر النيل

أعاد تصريح منسوب إلى وزير المياه الإثيوبي السابق شيفيروا جارسو بشأن مطالبة مصر بتعويضات مالية مقابل مياه النيل، ملف المياه بين القاهرة وأديس أبابا إلى واجهة الأحداث، وفتح الباب أمام سؤال يتجاوز التصريح نفسه، هل يسمح القانون الدولي أو اتفاقيات مياه النيل بفرض مقابل مالي على مصر نظير حصولها على مياه النهر؟

ادفعوا ثمن مياه النيل

التصريح الذي نشرته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية “إينا” في 27 أغسطس 2026، دعا الحكومة الإثيوبية إلى الضغط من أجل حصول إثيوبيا على تعويضات من مصر عن استخدام موارد مياه نهر أباي، أو النيل الأزرق، مستندا إلى القول بأن إثيوبيا تسهم بنحو 86% من تدفقات النهر. 

كما تحدث “جارسو” عن خطط لبناء سدود إضافية على النيل الأزرق، معتبرا أن الاعتراضات المصرية على مشروعات إثيوبيا المائية ليست جديدة ولن توقف خططها.

هل يوجد في اتفاقيات النيل نص يلزم مصر بدفع ثمن للمياه؟

لا توجد في الاتفاقيات الدولية التي تحكم العلاقات المائية المصرية السودانية أو المبادئ الخاصة بسد النهضة قاعدة تنص على أن مصر تدفع لإثيوبيا ثمنا مقابل مياه النيل باعتبارها سلعة، حيث تناولت اتفاقيات النيل حقوق الانتفاع، وتنظيم المشروعات، والتعاون، وتقاسم المنافع والمياه، وعدم الإضرار، لكنها لا تضع نظاما تجاريا لبيع مياه النهر بين دول الحوض.

ونصت اتفاقية 1902، التي أبرمت بين بريطانيا وإثيوبيا، في مادتها الثالثة على تعهد الإمبراطور منليك الثاني بعدم إقامة أو السماح بإقامة منشآت على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها إعاقة تدفق المياه، إلا بالاتفاق مع الحكومة البريطانية والسودانية. 

وتتمسك إثيوبيا بأن الاتفاقيات المرتبطة بالحقبة الاستعمارية لا تقيدها بالصورة التي تراها مصر والسودان.

فيما جاءت اتفاقية 1929، في صورة تبادل مذكرات بين مصر وبريطانيا، وتضمنت عدم إقامة مشروعات على النيل وفروعه أو البحيرات التي ينبع منها، من شأنها تقليل المياه التي تصل إلى مصر أو تأخير وصولها أو خفض منسوبها بما يضر بالمصالح المصرية، ولا تتضمن الاتفاقية نصا بشأن بيع مياه النيل أو دفع مقابل مالي عن كل متر مكعب.

ووقعت مصر والسودان اتفاقية 1959، لتنظيم الانتفاع الكامل بمياه النيل، وحددت بعد اكتمال مشروعات التخزين حصة مصر بـ55.5 مليار متر مكعب سنويًا والسودان بـ18.5 مليار متر مكعب، كما نصت على التعاون في زيادة إيراد النهر وإنشاء هيئة فنية مشتركة.

التصريحات غير مسؤولة وعدوانية

من جانبه، قال وزير الموارد المائية والري الأسبق الدكتور محمد نصر الدين علام، إن التصريحات الإثيوبية “غير مسؤولة وعدوانية ولا تستحق الرد”، معتبرا أنها تكشف عن تجاهل لقواعد الأنهار الدولية.

وأضاف “علام”، في تصريحاته لشبكة “روسيا اليوم”، أن محاولة إلزام مصر والسودان بدفع تعويضات تمثل محاولة لنقل الحوار من أطر التعاون والقانون الدولي إلى منطلق جديد لتسعير المياه الدولية وبيعها رسميا.

وأشار وزير الري الأسبق إلى أن اتفاقية 1902 تضمنت قيودا على إقامة منشآت تعيق تدفق مياه النيل الأزرق، رافضا اختزال القضية في كون إثيوبيا دولة منبع لها حرية مطلقة في التعامل مع المياه.

وربط “علام” التصعيد الحالي بالتطورات الجارية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، معتبرًا أن ملف المياه يأتي ضمن مشهد إقليمي أوسع يشهد تحولات متسارعة.

إثيوبيا لا تمنح مصر مياه النيل

فيما قال أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي إن الحديث عن مطالبة مصر بمقابل مالي مقابل مياه النيل “لا يرقى إلى درجة الطرح العلمي”.

وأوضح “شراقي”، لـ"تليجراف مصر"، أن طبيعة سد النهضة التشغيلية تفرض تصريف المياه من خلال التوربينات أو بوابات التصريف والمفيض، وبالتالي لا يمكن لإثيوبيا احتجاز المياه إلى ما لا نهاية.

وشدد على أن استمرار تدفق المياه لا يعني أن مصر تحصل عليها باعتبارها سلعة يتم بيعها، مؤكدا أن إثيوبيا لا تمنح مصر مياه النيل، وإنما تتعامل الدول مع نهر دولي تتشارك في مياهه ومصالحه.

كما شكك شراقي في جدوى الخطط الإثيوبية المتعلقة بإنشاء سدود ضخمة إضافية على النيل الأزرق، مشيرا إلى ما تفرضه هذه المشروعات من تحديات اقتصادية وهندسية.

إدارة الصراع

ويرى كبير خبراء المياه الدوليين بالأمم المتحدة، الدكتور أحمد فوزي، أن طرح مطالبة مصر بدفع مقابل مالي عن مياه النيل يدخل في إطار ما يمكن وصفه بـ"إدارة الصراع"، متسائلا عن الأساس الذي تستند إليه إثيوبيا في المطالبة بمقابل مالي عن المياه التي تتدفق من أراضيها إلى دول المصب.

وقال فوزي في تصريحاته لـ"تليجراف مصر"، إن نهر النيل يمر عبر أكثر من دولة، وله قوانين ولوائح تحكمه، سواء على مستوى الاتفاقيات التاريخية أو قواعد القانون الدولي، مؤكدا أن التعامل مع المياه باعتبارها ملكية منفردة لدولة واحدة يتجاهل طبيعة الأنهار الدولية.

تحويل نهر النيل من نهر دولي إلى مورد 

وأضاف أن إثيوبيا، تحاول فرض أمر واقع وتحويل نهر النيل من نهر دولي إلى مورد تتحكم فيه دولة المنبع، وصولا إلى التعامل مع المياه باعتبارها سلعة يمكن الحصول على مقابل مالي نظير استخدامها.

وأشار فوزي إلى أن إثيوبيا تستند في رفضها للاتفاقيات التاريخية إلى ارتباط بعضها بالحقبة الاستعمارية، إلا أنه يرى أن هذا الطرح لا يلغي وجود قواعد واتفاقيات تنظم استخدام مياه الأنهار المشتركة.

وتطرق إلى اتفاقية 1902، مشيرا إلى أن هناك نصوصا تتعلق بعدم إقامة منشآت من شأنها التأثير على تدفق المياه، معتبرا أن تجاهل هذه النصوص والتركيز فقط على كون إثيوبيا دولة منبع لا يعكس الصورة الكاملة للملف.

لماذا ظهر هذا الطرح الآن؟

ويرى فوزي أن توقيت التصريحات الإثيوبية يطرح تساؤلات حول دوافعها، خاصة في ظل وجود أزمات وصراعات داخل إثيوبيا وفي محيطها الإقليمي، حيث تشهد صراعات داخلية وتوترات مع دول الجوار، معتبرا أن بعض الخطابات السياسية قد تلجأ إلى تصدير الأزمات إلى الخارج في محاولة لخلق حالة من التماسك الداخلي.

وأضاف أن استمرار التصعيد في ملف المياه بهذه الطريقة قد لا يخدم إثيوبيا نفسها، موضحا أن تكرار مثل هذه الطروحات يمكن أن يدفع المنطقة إلى مزيد من التوتر، خاصة أن أي اضطراب كبير في إثيوبيا ستكون له انعكاسات على دول الجوار.

مصر لا تملك رفاهية التنازل عن مياه النيل

وشدد فوزي على أن موقف مصر من مياه النيل يرتبط بواقع مائي شديد الحساسية، موضحا أن القاهرة لا تملك رفاهية التنازل عن أي كميات من مياه النهر، في ظل وجود عجز مائي وارتفاع الاحتياجات نتيجة الزيادة السكانية.

وأشار إلى أن مصر تعتمد بدرجة كبيرة على مياه النيل، وبالتالي فإن أي محاولة لفرض ترتيبات جديدة تؤثر في تدفقات المياه أو تجعلها مقابلًا ماليًا ستواجه برفض مصري، باعتبار أن القضية ترتبط بالأمن المائي للدولة.

وشدد أن طرح ثمن مياه النيل لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مطالبة مالية، وإنما باعتباره محاولة، من وجهة نظره، لإعادة صياغة طبيعة العلاقة بين دول المنبع والمصب، وهو ما يجعل التعامل معه مرتبطًا بالقانون الدولي للأنهار وبالتوازنات السياسية في منطقة حوض النيل والقرن الأفريقي.

اقرأ أيضا:

"جيشنا للدفاع عن حدودنا ومصالحنا".. رسائل نارية من وزير الخارجية بشأن مياه النيل

النائبة وفاء رشاد: مصر لن تقبل سياسة الأمر الواقع أو إخضاع حقوقها المائية لإرادة طرف آخر