الأربعاء، 02 سبتمبر 2026

08:42 ص

يا سادة.. قناة السويس ليست "ماسبيرو"!

هناك فرق كبير بين أن نناقش أزمة اقتصادية، وبين أن نضع أمامنا أصولًا تمثل جزءًا من تاريخ الدولة وسيادتها، ثم نتعامل معها وكأنها مجرد أرقام في ميزانية أو أوراق يمكن نقل ملكيتها من جهة حكومية إلى أخرى.

ومن هنا تحديدًا يبدأ الحديث عن قناة السويس.

فقد أثار رجل الأعمال والخبير الاقتصادي حسن هيكل جدلًا واسعًا خلال الساعات الماضية بعد إعادة طرح فكرة «المقايضة الكبرى»، والتي تقوم على استخدام أصول مملوكة للدولة في تسوية جانب من المديونية المحلية، مع نقل الملكية إلى البنك المركزي. وذُكرت قناة السويس ضمن الأصول التي يمكن أن تدخل في هذا التصور.

هيكل عاد وأوضح أن المقصود ليس بيع أصول الدولة أو خصخصتها، وأنه إذا كانت هناك حساسية تجاه قناة السويس فمن الممكن استخدام أصول أخرى، كما أوضح أنه ليس مستشارًا لرئيس الوزراء.

وهنا أنا لا أطالب بمحاكمة الرجل على فكرة اقتصادية.

بل أطالب بشيء أبسط:

أن نعرف أين ينتهي الاقتصاد وأين تبدأ السيادة.

قناة السويس ليست شركة عادية

هناك أصول تستطيع الدولة أن تبيعها أو تعيد هيكلتها أو تنقل ملكيتها إذا كان ذلك يحقق مصلحة اقتصادية واضحة.

وهناك أصول أخرى لا ينبغي أن تُقاس بهذه الطريقة.

قناة السويس ليست مجرد أرض.

وليست شركة استثمارية.

وليست فندقًا أو مصنعًا أو شركة قابضة.

قناة السويس ممر ملاحي عالمي، وشريان اقتصادي، ومرفق استراتيجي، ورمز للسيادة المصرية.

والأهم من كل ذلك أنها مرتبطة بواحدة من أشهر معارك الاستقلال الوطني في التاريخ المصري الحديث.

تذكروا 26 يوليو 1956

في 26 يوليو 1956 وقف جمال عبدالناصر في الإسكندرية وأعلن قرار تأميم شركة قناة السويس.

كان يعلم أن القرار سيضع مصر في مواجهة مباشرة مع بريطانيا وفرنسا.

وبالفعل جاء العدوان الثلاثي.

كانت الرسالة واضحة:

مصر تريد أن تمتلك قرارها، والقوى الاستعمارية تريد أن تبقي يدها على القناة.

وانتهت المواجهة.

وبقيت قناة السويس مصرية.

وهنا لا أتحدث عن جمال عبدالناصر باعتباره شخصية فوق النقد.

فالرجل وتجربته السياسية والاقتصادية لهما ما لهما وعليهما ما عليهما.

لكن هناك قرارات تاريخية يجب أن نضعها في سياقها.

وتأميم قناة السويس كان واحدًا من القرارات التي أصبحت رمزًا لاستقلال القرار الوطني المصري.

فما الذي تغير اليوم؟

اليوم لدينا أزمة اقتصادية حقيقية.

لدينا ديون.

ولدينا فوائد مرتفعة.

ولدينا ضغط على الموازنة.

ولدينا احتياجات ضخمة للمواطن المصري في التعليم والصحة والدعم والحماية الاجتماعية.

وهذا كله يحتاج إلى حلول.

بل يحتاج إلى حلول جريئة وغير تقليدية.

لكن الجرأة الاقتصادية لا تعني أن نضع كل أصول الدولة على الطاولة.

هناك فرق بين أن تقول:

كيف ننقذ الاقتصاد؟

وبين أن تقول:

ماذا لدينا لنستخدمه في سداد الدين؟

لأن السؤال الثاني قد يقودنا إلى طريق خطير إذا لم نضع خطوطًا حمراء واضحة.

«المقايضة» ليست مجرد نقل ملكية على الورق

قد يقول البعض:

"لكن الملكية ستظل ملكًا للدولة، ولن يتم بيع القناة."

وهذا يحتاج إلى نقاش قانوني واقتصادي دقيق.

لأن القضية ليست فقط: من يملك الأصل؟

القضية أيضًا:

من يديره؟

ما طبيعة الملكية الجديدة؟

ما الحقوق التي تترتب عليها؟

ما حدود التصرف فيها مستقبلًا؟

وما الضمانات التي تمنع أن تتحول عملية نقل الملكية اليوم إلى خطوة في سلسلة أكبر غدًا؟

ولهذا فإن التعامل مع أصل استراتيجي بهذا الحجم يحتاج إلى أعلى درجات الحذر والشفافية.

والتاريخ هنا ليس رفاهية

تخيلوا أن المصريين في عام 1956 قالوا:

"لدينا أزمة اقتصادية، فلنبحث عن أصل نستخدمه في حل الأزمة."

كان من الممكن أن تكون الإجابة:

قناة السويس أصل ثمين جدًا.. فلنتركها.

لكن الذي حدث كان العكس.

مصر تمسكت بها رغم المخاطر.

ولم تكن تعرف وقتها أن القرار سيصبح بعد عقود أحد أهم رموز السيادة الوطنية المصرية.

وهذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه:

الأصل الاستراتيجي لا تُقاس قيمته بسعره الحالي فقط.

قد يكون ما يدره اليوم أقل من قيمته الحقيقية.

وقد تكون قيمته بعد خمسين عامًا أكبر بكثير.

الحكومة قالتها بوضوح

المهم هنا أن نكون دقيقين.

مجلس الوزراء أعلن اليوم أن ما يتم تداوله حول نقل ملكية بعض أصول الدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي مقابل تسوية جانب من المديونية، يمثل رؤية شخصية لصاحبها وليس توجهًا أو مقترحًا تتبناه الحكومة المصرية.

كما أكدت الحكومة أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل المديونيات، باعتبارها مرفقًا استراتيجيًا يرتبط بالسيادة والأمن القومي والاقتصاد الوطني.

وهذا موقف يجب احترامه.

لكن السؤال الأهم يبقى

لماذا وصلنا أصلًا إلى مرحلة أصبح فيها الحديث عن استخدام أصول الدولة في علاج أزمة الدين أمرًا مطروحًا بهذه القوة؟

هنا يجب أن يكون النقاش أعمق من حسن هيكل.

القضية ليست شخصًا.

وليست حكومة بعينها.

وليست معارضة أو مؤيدين.

القضية:

كيف نبني اقتصادًا لا نضطر فيه كل فترة للبحث عن أصل جديد لتغطية تكلفة أخطاء الماضي؟

هذا هو السؤال الحقيقي.

الوطنية ليست هتافًا

الوطنية ليست أن نشتم من يختلف معنا.

وليست أن نصف كل فكرة اقتصادية بالخيانة.

وليست أيضًا أن نقبل أي فكرة لأنها جاءت من خبير اقتصادي.

الوطنية الحقيقية أن نستطيع أن نقول:

نعم، لدينا أزمة.

ونقول:

نعم، نحتاج إلى حلول جديدة.

وفي الوقت نفسه نقول:

هناك أصول لا يجوز أن نتعامل معها بمنطق "نبيع دي ولا نقايض دي".

لأنها ليست ملك حكومة.

وليست ملك رئيس.

وليست ملك وزير.

إنها ملك للأجيال المصرية المتعاقبة.

يا سادة.. قناة السويس ليست «ماسبيرو»

تسوية مديونية تاريخية بين جهات حكومية، مثل التسويات التي تمت مؤخرًا في ملفات معينة، شيء.

ووضع قناة السويس في معادلة الدين العام شيء آخر تمامًا.

حتى حسن هيكل نفسه قال اليوم إنه إذا كانت هناك حساسية تجاه الأصول المرتبطة بقناة السويس، فيمكن استخدام أصول أخرى.

وهنا أعتقد أن هذه هي النقطة التي يجب أن نتفق عليها جميعًا:

ابحثوا عن ألف حل للدين.. لكن لا تجعلوا قناة السويس أحد هذه الحلول.

ابحثوا عن إصلاح الإنفاق.

وعن زيادة الإنتاج.

وعن تعظيم الصادرات.

وعن الاستثمار.

وعن السياحة.

وعن الصناعة.

وعن زيادة إيرادات الدولة الحقيقية.

وعن إدارة أصول الدولة بكفاءة.

وعن تقليل تكلفة الاقتراض.

وعن حلول هيكلية تمنع تراكم الدين من الأساس.

لكن لا تجعلوا أصلًا استراتيجيًا مثل قناة السويس جزءًا من فاتورة أخطاء اقتصادية يمكن إصلاحها بطرق أخرى.

وفي النهاية...

من حق حسن هيكل أن يطرح أفكاره.

ومن حق الاقتصاديين أن يناقشوا الفكرة ويؤيدوها أو يرفضوها.

ومن حق الحكومة أن تدرس وترفض.

لكن من حق المصريين أيضًا أن يقولوا:

قناة السويس ليست مجرد أصل اقتصادي.

إنها قصة وطن.

هي القناة التي حُفرت بعرق المصريين.

والقناة التي أممها المصريون.

والقناة التي دافع المصريون عنها.

والقناة التي أصبحت أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والاستراتيجية لمصر.

ولذلك فإن الدفاع عن بقائها تحت السيادة المصرية الكاملة ليس موقفًا ضد الاقتصاد.

بل هو في حد ذاته:

موقف اقتصادي.. وسيادي.. ووطني.

حلوا أزمة الدين كما تشاءون، ولكن لا تبحثوا عن الحل في قناة السويس.

فبعض الأشياء لا ينبغي أن تدخل أصلًا في جدول المقايضة.

رابط مختصر

تابعونا على