السبت، 05 سبتمبر 2026

10:11 ص

2 قهوة فرنساوي

1- كيفك إنت

كان يجلس وحده في ركن هادئ من المقهى، أمامه فنجان قهوة لم يعد ساخنًا، وحاسوبه المحمول الفضي مفتوح على طاولة خشبية صغيرة.

كان منهمكًا في الكتابة، يرفع نظارته بين الحين والآخر بطرف إصبعه، ثم يعود إلى الشاشة كأن العالم كله قد اختُصر في السطور التي أمامه.

 "لم يعد شابًا"

بعض الشعر الأبيض بدأ يظهر على جانبي رأسه، هادئًا مثل علامات صغيرة تركتها السنوات دون أن تستأذن، ومع ذلك، ظل محتفظًا بجاذبيته، تلك الجاذبية التي لا علاقة لها بملامح الوجه وحدها، وإنما بشيء آخر تمنحه التجارب للرجال حين تمر عليهم السنوات وتتركهم أكثر هدوءًا وأقل احتياجًا لإثبات أنفسهم.

كان في أواخر الثلاثينات، وربما بدا أكبر قليلًا حين يصمت، وأصغر كثيرًا حين يبتسم.

في الخارج، توقفت سيارة أمام المقهى.

لم يرفع عينيه.

انفتح الباب، وترجلت منه امرأة بهدوء.

أغلقت سيارتها، وعدّلت حقيبتها على كتفها، ثم دخلت.

كانت في أواخر الثلاثينات هي الأخرى.

امرأة ناضجة، أنيقة دون مبالغة، هادئة في خطواتها، تحمل في ملامحها شيئًا لا يمكن للسنوات أن تخفيه تمامًا.

شيء من الفتاة التي كانتها يومًا.

دخلت المقهى، ألقت نظرة سريعة على المكان، ثم اتجهت إلى إحدى الطاولات.

وقبل أن تجلس، قالت للنادل:

- لو سمحت، قهوة فرنساوي... لبن كتير، وبن خفيف، وسكر مظبوط.

تجمّدت أصابع الرجل فوق لوحة المفاتيح.

لم يرفع رأسه. ظل ينظر إلى الشاشة أمامه، لكن عينيه لم تعودا تقرآن شيئًا.

كان الصوت قد وصل إليه قبل أن تصل صاحبته.

ذلك الصوت...

نفس النبرة الهادئة.

نفس الطريقة التي كانت تمد بها آخر كلمة في الجملة.

لكن الكلمات الثلاث تحديدًا كانت كافية لأن تفتح بابًا أغلقه منذ سنوات.

"قهوة فرنساوي... لبن كتير، بن خفيف، سكر مظبوط".

ابتلع ريقه ببطء.

ثم رفع عينيه عن الشاشة. نظر إليها. لثوانٍ طويلة لم يفهم ما يحدث.

كانت تقف هناك، منشغلة بإخراج هاتفها من حقيبتها، وكأنها لم تكن تعرف أن شخصًا في الطرف الآخر من المكان قد عاد فجأة عشرين عامًا إلى الوراء.

حدّق فيها. لم تتغير كثيرًا. أو ربما تغيرت كثيرًا، لكنه كان يعرف جيدًا أين يبحث عن الفتاة القديمة داخل المرأة التي أمامه.

في عينيها. في الطريقة التي تميل بها رأسها قليلًا وهي تنتظر قهوتها.

وفي تلك الابتسامة الصغيرة التي ظهرت حين قال لها النادل:

- حاضر.

جلست. أما هو، فظل واقفًا في مكانه، لا يعرف لماذا بدا له أن كل أصوات المقهى قد اختفت فجأة.

وفجأة، انساب من مكبرات الصوت في الخلفية لحن هادئ، ثم جاء صوت فيروز يغني «كيفك إنت».

توقفت أنفاسه للحظة.

لم تكن الأغنية مجرد موسيقى عابرة؛ كانت جزءًا من زمن آخر، من صباحات بعيدة ومكالمات طويلة ووعود لم تجد طريقها إلى النهاية.

ثم تذكر. كانت هذه القهوة اختياره هو. هو من عرّفها عليها.

في أول مرة خرجا فيها معًا، طلب لها قهوة مختلفة تمامًا.

اعترضت. قالت إنها لا تحب القهوة.

ضحك يومها وقال:

- إنتِ مش بتحبي القهوة عشان محدش علمك تشربيها صح.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت تشربها بالطريقة التي علّمها إياها.

"لبن كثير.. بن خفيف.. وسكر مظبوط"

أغنية «كيفك إنت» لفيروز كانت كذلك تُسمع في الخلفية يوم أخبرته، للمرة الأولى، أنها بدأت تحب القهوة.

كان قد نسي تفاصيل كثيرة. نسي تاريخ أول لقاء. نسي ماذا كان يرتدي يومها.

نسي حتى الكلمات التي قالها. لكنه لم ينسَ قهوتها. ولا نسي تلك الأغنية.

والأغرب… أنها هي أيضًا لم تنسَ.

خفّض عينيه إلى حاسوبه مرة أخرى، وحاول أن يبدو طبيعيًا.

حاول أن يقنع نفسه أنها مجرد مصادفة. امرأة تشبه امرأة عرفها ذات يوم.

صوت يشبه صوتًا قديمًا. وطلب قهوة لا يعني شيئًا.

لكن قلبه كان يعرف الحقيقة قبل عقله.

""هي""

هي نفسها.

بعد كل هذه السنوات.

رفع يده إلى نظارته وعدلها، كأنه يحاول أن يرى الماضي بوضوح أكبر.

وفي اللحظة التي رفع فيها عينيه من جديد...

كانت تنظر إليه.

تلاقت عيناهما.

لم تبتسم.

ولم يبتسم.

فقط ظلا ينظران إلى بعضهما. 

ثوانٍ قليلة...

لكنها كانت كافية ليعرف كل منهما أن بعض الحكايات لا تنتهي حين نفترق.

هي فقط...

تنتظر الصدفة المناسبة لتبدأ من جديد.

وبعد لحظات، حمل النادل فنجان القهوة واتجه نحو طاولتها، لكنه تعثر قليلًا حين اصطدمت به إحدى الزبائن. مال الفنجان، وانسكبت منه قطرات على طرف الطاولة، فسارع ياسين إلى الوقوف.

- استنى، أنا هجيب لك منديل.

قالها يس دون أن يفكر.

توقفت هي، ورفعت عينيها إليه.

كان صوته مختلفًا عن صوت الشاب الذي عرفته قديمًا، أكثر هدوءًا، لكنه ظل يحمل النبرة نفسها التي لم تستطع السنوات محوها.

قالت بهدوء:

— لسه بتتدخل في كل حاجة؟

تجمد في مكانه.

ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة، مترددة، كأنها خرجت رغمًا عنه.

- ولسه إنتِ بتطلبي نفس القهوة؟

نظرت إلى الفنجان، ثم عادت بعينيها إليه.

-بعض الحاجات ما بتتغيرش.

- وبعض الناس؟

سألها، قبل أن يتمكّن من التراجع. ساد بينهما صمت قصير.

وضعت هاتفها على الطاولة، وأسندت ظهرها إلى الكرسي.

- الناس بتتغير يا ياسين.

للمرة الأولى، نطقت اسمه.

شعر بأن الاسم، رغم بساطته، أعاد إليه سنوات كاملة دفعة واحدة.

قال بصوت خافت:

— بس إنتِ عرفتي إني أنا.

— عرفت صوتك.

— بعد عشرين سنة؟

— في أصوات بتفضل عالقة، حتى لو أصحابها اختفوا.

لم يعرف ماذا يقول.

أما هي، فكانت تنظر إليه بثبات، وكأنها تحاول أن تعرف إن كان الرجل الجالس أمامها هو نفسه الذي تركته ذات يوم، أم أن السنوات صنعت منه شخصًا آخر تمامًا.

أشار إلى الكرسي المقابل لها.

- ممكن أقعد؟

ترددت لحظة، ثم قالت:

- لو هتطلب قهوة لنفسك الأول.

ضحك للمرة الأولى.

— لسه فاكرة إني ما كنتش بشرب قهوة؟

— إنت اللي علمتني أشربها.

— وإنتِ اللي علمتيني إن الواحد ممكن يفتكر شخصًا من طلب بسيط.

خفّضت عينيها إلى فنجانها، وحرّكت الملعقة ببطء.

— يمكن إحنا ما اتقابلناش صدفة.

نظر إليها طويلًا:

— أمال إيه؟

رفعت عينيها إليه، وفيهما شيء بين الخوف والحنين.

— يمكن في حاجات اتأخرت... بس ما انتهتش.

جلس أمامها.

وللمرة الأولى منذ عشرين عامًا، أصبحا في المكان نفسه، على الطاولة نفسها تقريبًا، وبينهما قهوة وأغنية وذكريات لم تجد طريقها إلى النسيان.

2- حوار لم يكتمل

— عاملة إيه يا ياسمين؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن خالية من الوجع.

— دلوقتي بس بتسأل؟

لم تكن جملة عتاب بقدر ما كانت سؤالًا يحمل وراءه عشرين عامًا كاملة.

ظل ياسين ينظر إليها.

كان يعرف أن السؤال لا يحتاج إلى إجابة مباشرة، وأن أي إجابة سيقولها الآن ستبدو ناقصة، مهما كانت صادقة.

قال بعد لحظة:

— كنت خايف أسأل.

— خايف مني؟

— خايف من الإجابة.

سكتت. رفع فنجان القهوة الذي وصل إليه، لكنه لم يشرب.

ظل ممسكًا به بين يديه، يتأمل البخار المتصاعد منه.

— إنتِ اتجوزتي؟

نظرت إليه للحظة، ثم قالت:

— آه.

لم يتغير وجهه.

أو حاول ألا يتغير.

— وأنا كمان.

قالتها بهدوء، وكأنها كانت تنتظر أن تسمع الجملة منه قبل أن تقولها.

رفع عينيه إليها.

— عندك أولاد؟

— ولد وبنت.

ابتسم.

— ربنا يخليهم لك.

— ولك كمان.

ثم سكتا.

كان من الغريب أن يتحدثا عن أولادهما قبل أن يتحدثا عن أنفسهما.

كأن السنوات الطويلة التي مرت بينهما صنعت جدارًا لا يمكن عبوره دفعة واحدة.

أخذت ياسمين رشفة صغيرة من قهوتها.

أغمضت عينيها للحظة.

— لسه طعمها زي زمان.

ابتسم ياسين.

— عشان أنا اللي اخترتها لك.

— لأ.

— لأ إيه؟

— عشان أنا اللي فضلت أطلبها بالطريقة دي كل السنين دي.

لم يرد.

كانت هناك أشياء كثيرة يمكن أن تُقال، لكن بعض الكلمات حين تتأخر عشرين سنة تفقد قدرتها على الخروج.

في الخارج، كانت السيارات تمر أمام المقهى، وأصوات الناس تأتي من بعيد، بينما بقيت طاولتهما وكأنها منفصلة عن كل شيء.

قالت ياسمين:

— كنت بتيجي هنا كتير؟

— أول مرة.

— غريبة.

— ليه؟

— مش عارفة... حاسة إن المكان شبهك.

ضحك.

— يعني إيه؟

— هادي من بره، ومليان دوشة من جوه.

ضحك للمرة الثانية وبدت تجاعيد وجهه.

— لسه بتعرفي توصفي الناس.

— ولسه بتضحك بنفس الطريقة.

توقفت ابتسامتها.

ثم أضافت:

— بس شكلك اتغير.

نظر إليها فوق إطار نظارته.

— للوحش؟

— لأ.

سكتت لحظة.

— للراجل الكامل مش الشاب المندفع المغرور.

لم يعرف يس ماذا يفعل بهذه الجملة.

وضع فنجانه على الطاولة.

— ياسمين…

قاطعت كلامه:

— فاكر أول مرة اتخانقنا؟

ابتسم.

— أول مرة؟

— أول خناقة كبيرة.

— لما اتأخرت عليكِ ساعتين؟

— ساعة ونص.

— ساعتين.

— ساعة ونص يا يس.

ضحك.

— لسه بتعديها؟

— أنا ما بنساش.

ثم سكتت، وكأنها انتبهت لما قالت.

نظرت إليه.

— يمكن دي المشكلة.

— إيه؟

— إننا ما بننساش.

خفض عينيه.

كان يعرف تمامًا ما تعنيه.

بعض الناس ينسون.

بعضهم يتجاوز.

أما هما، فقد عاش كل واحد منهما حياته كاملة، لكنه ترك جزءًا منها معلّقًا عند لحظة الفراق.

قال ياسين:

— عمرك فكرتي لو…

توقف.

— لو إيه؟

— لو إحنا ما افترقناش؟

لم تجبه فورًا.

وضعت الملعقة بجوار الفنجان.

ثم قالت:

— كتير.

— وأنا أكتر.

ابتسمت.

— طيب قول.

— أقول إيه؟

ولم يكن يعرف وقتها أن هذه الجملة بالذات ستفتح أمامهما عشرات النهايات.

نهايات لم يعيشاها.

حيوات لم تبدأ.

وطرقًا أخرى كان يمكن أن يسلكاها.

نظرت إليه طويلًا.

ثم ابتسمت.

— وإيه اللي يضمن إننا كنا هنفضل لبعض؟

— ولا حاجة.

كان كل واحد منهما يضع احتمالًا، والآخر يكمل الحكاية.

لم يكونا يعرفان أنهما لم يكونا يستعيدان الماضي...

بل كانا يدفنان للمرة الأخيرة كل حياة لم يعيشاها.

3- كل الطرق تؤدي إلى الفراق

نظرت إلى عقارب ساعتها وفحصت هاتفها على عجلة وقالت:

— أنا لازم أمشي

تنهد ياسين.

— يعني إحنا هنفترق للمرة التانية؟

نظرت إليه.

— إحنا ما رجعناش أصلًا.

ابتسم ابتسامة موجعة.

— عندك حق.

مد يده فوق الطاولة.

ترددت لحظة، ثم وضعت يدها في يده.

كانت يدًا مختلفة عن يد الفتاة التي عرفها.

لكنها ما زالت دافئة.

 ثم قال: 

— لسة فاكرة شعارنا في الحياة 

هزت رأسها.

— أيوه.. الحاجات الصح في الوقت الغلط.

خارج المقهى، بدأت الشمس تميل نحو الغروب.

ومياه نهر النيل أمامهما ظل كما هو.

موجة تصل.

وموجة ترجع.

اقترب ياسين من النافذة، ثم قال:

— عمرك بصيتي للنيل وفكرتي ليه عمره ما الشاطئين مش بيقربوا أكتر من بعض؟

ابتسمت وقالت:

— يمكن عشان دي طبيعتهم أو نصيبهم أو سنة الحياة.

— يمكن.

ثم عاد وجلس أمامها.

قالت:

— أو يمكن عشان مش محتاجين يلتقوا.

— ليه؟

— كفاية إن كل واحد فيهم يعرف إن التاني موجود.

صمت.

كانت تلك الجملة أشبه بخاتمة لم يكتباها.

أخرج ياسين هاتفه ونظر إلى الساعة.

— لازم أمشي.

هزّت رأسها.

— وأنا كمان.

وقفا. لم يعرف أيهما كان ينتظر من الآخر أن يقول: "خليك."

لكن أحدًا لم يقلها.

أخذت ياسمين حقيبتها.

قال ياسين:

— هتفضلي تطلبي القهوة دي؟

ابتسمت.

— طول ما هي بتفكرني بحاجة حلوة.

— وأنا؟

نظرت إليه.

— إنت مش حاجة حلوة يا ياسين.

ضحك.

— أمال إيه؟

قالت وهي تهم بالخروج:

— إنت أحلى حاجة حلوة حصلتلي في حياتي.

توقفت عند الباب لحظة.

ثم أضافت:

— وخلينا نخليها حلوة.

خرجت.

ظل ياسين واقفًا مكانه يراقبها من خلف الزجاج وهي تتجه إلى سيارتها.

فتحت الباب.

ثم التفتت.

كانت المسافة بينهما قصيرة جدًا.

لكنها بدت هذه المرة أطول من عشرين عامًا.

رفع يده.

رفعت يدها.

ثم دخلت سيارتها.

تحركت ببطء.

وظل هو واقفًا حتى اختفت السيارة من عينيه.

عاد إلى طاولته.

جلس أمام حاسوبه المحمول الفضي.

فتح الصفحة التي كان يكتب فيها قبل أن تدخل.

كانت هناك جملة واحدة فقط على الشاشة.

قرأها.

ثم حذفها.

وكتب بدلًا منها:

"بعض قصص الحب لا تنتهي لأن أصحابها توقفوا عن الحب، بل لأنها وصلت متأخرة إلى المكان الذي كان ينبغي أن تصل إليه في الوقت الصحيح.. لسبب واحد “متلازمة الحاجات الصح في الوقت الغلط”

ثم توقف.

نظر إلى النافذة. إلى النيل.

وابتسم ابتسامة صغيرة.

ربما كان ياسين وياسمين قد التقيا أخيرًا.

لكن اللقاء لم يكن دائمًا يعني الوصول.

أحيانًا...

يكون اللقاء مجرد فرصة أخيرة لنعرف لماذا لم نصل.

ولماذا، رغم كل الطرق التي كان يمكن أن تجمعنا، كانت هناك دائمًا خطوة واحدة تفصلنا.

وكأن الكون كله كان يروي حكايتهما في مشهد واحد:

""كالشاطئين لا يلتقيان""..

رابط مختصر

تابعونا على

title

مقالات ذات صلة

السيو واللي جابوه

14 أغسطس 2025 09:55 ص

search