بين الصين وأمريكا.. مصر الجائزة الكبرى
لا يمكن قراءة زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة باعتبارها زيارة بروتوكولية أو محطة عادية في العلاقات المصرية الصينية، فالزيارات الكبرى لا تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بالرسائل التي تحملها، وبالتحولات التي تعكسها في موازين القوى الدولية.
ومن هذه الزاوية، تبدو القاهرة اليوم أكثر من مجرد عاصمة عربية ذات ثقل سياسي؛ إنها إحدى أهم الساحات التي تتقاطع فيها مصالح القوتين الأكبر في العالم، الولايات المتحدة والصين.
ولعل اللافت أن البيان المشترك الصادر عقب المباحثات لم يركز فقط على التجارة أو الاستثمار التقليدي، بل تحدث عن مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي.
وهذه ليست مجرد مصطلحات تقنية، وإنما مفردات الصراع العالمي الجديد، حيث لم تعد السيطرة تُقاس فقط بالقواعد العسكرية أو حاملات الطائرات، وإنما أيضًا بمن يمتلك الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، والمنصات الرقمية التي ستدير اقتصاد المستقبل.
ومن هنا، فإن ما يدور خلف الكواليس ربما يكون أكثر أهمية مما ظهر في البيانات الرسمية، فالتقارير الدولية تحدثت عن اهتمام صيني واسع بتعزيز وجودها في البنية التحتية الرقمية المصرية، بالتزامن مع تحركات أمريكية لتقديم بدائل تكنولوجية منافسة.
وقد لا تكون كل هذه المشروعات قد وصلت إلى مرحلة الإعلان النهائي، لكن مجرد وجود هذا التنافس يكشف حجم القيمة الاستراتيجية التي باتت تمثلها مصر في الحسابات الدولية.
السؤال إذن لم يعد: لماذا تريد الصين تعزيز وجودها في مصر؟ لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة أن تترك هذه الساحة للصين؟
والإجابة تبدأ من الجغرافيا، لكنها لا تنتهي عندها.. الإجابة أن مصر تسيطر على قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وتمر عبر أراضيها نسبة كبيرة من كابلات الاتصالات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وتملك منطقة اقتصادية أصبحت مقصدًا لكبرى الشركات الصناعية، وسوقًا ضخمة تتجاوز مئة مليون نسمة، وموقعًا يجعلها بوابة طبيعية إلى أفريقيا والشرق الأوسط.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد هذه المزايا مجرد عناصر قوة تقليدية، بل أصبحت مكونات أساسية لأي مشروع عالمي يستهدف بناء بنية تحتية رقمية عابرة للحدود، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذا الموقع لم يتشكل بالصدفة، ولم يكن وليد زيارة رئاسية أو اتفاقية بعينها.
فمنذ سنوات، انتهج الرئيس عبد الفتاح السيسي سياسة خارجية تقوم على تنويع دوائر الشراكة الدولية، بعيدًا عن منطق الارتهان لمحور واحد، وحافظت مصر على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وعززت تعاونها مع أوروبا، ووسعت شراكتها مع الصين، وعمقت علاقاتها مع دول الخليج وأفريقيا وغيرها من القوى الدولية والإقليمية.
ولم يكن الهدف استبدال شريك بآخر، وإنما توسيع هامش الحركة المصرية، بحيث تصبح القاهرة قادرة على التعامل مع الجميع وفقًا لمصالحها الوطنية، واليوم، تبدو نتائج هذه السياسة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
فبينما تتنافس واشنطن وبكين على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، تجد كل منهما أن مصر شريك لا يمكن تجاوزه، وهذه في حد ذاتها قيمة استراتيجية كبرى. ففي السياسة، قد يكون الإنجاز الأكبر ليس أن تختار حليفًا قويًا، وإنما أن تجعل القوى الكبرى تتنافس على كسبك.
وفي المقابل أرى أن هذه اللحظة التاريخية تفرض على مصر تحديًا لا يقل أهمية عن الفرصة نفسها، فليست القضية أن تستضيف القاهرة استثمارات صينية أو أمريكية في مراكز البيانات أو الذكاء الاصطناعي، وإنما أن تنجح في تحويل هذه الاستثمارات إلى قاعدة لبناء قدرات مصرية حقيقية، فالدول لا تصبح قوى رقمية لأن الخوادم أُقيمت على أراضيها، بل لأنها تمتلك العقول التي تطورها، والجامعات التي تؤهل كوادرها، والشركات الوطنية التي تبني عليها صناعات جديدة.
ومن هنا، يجب أن يكون السؤال المطروح على صانع القرار: ماذا نريد من هذا التنافس الدولي، هل نكتفي بجذب الاستثمارات؟ أم نستغل اللحظة لبناء صناعة مصرية في الذكاء الاصطناعي، وتوطين التكنولوجيا، ونقل المعرفة، وتأهيل جيل جديد من المهندسين والباحثين ورواد الأعمال؟ والفارق بين الإجابتين هو الفارق بين دولة تستضيف المستقبل، ودولة تصنعه.
قد يتوقف كثيرون عند الصور الرسمية، والاستقبالات، والاتفاقيات التي صاحبت زيارة الرئيس الصيني، لكن التاريخ غالبًا لا يتذكر تفاصيل المراسم، بل يتذكر اللحظات التي تغير فيها اتجاه الأحداث، وربما تكون هذه إحدى تلك اللحظات، فالعالم لم يعد يتنافس على مصر لأنها تملك قناة السويس فقط، أو لأنها أكبر دولة عربية سكانًا، وإنما لأنها أصبحت تمثل بوابة محتملة للاقتصاد الرقمي في الشرق الأوسط وأفريقيا، وهذا هو التحول الحقيقي.
لقد أصبحت مصر تمتلك ما هو أثمن من موقعها الجغرافي، تمتلك حرية الحركة، وهذه ليست ميزة فرضها الموقع وحده، بل نتيجة سياسة سعت خلال السنوات الماضية إلى تنويع الشراكات، وتوسيع خيارات الدولة، وعدم حصر مصالحها في اتجاه واحد.
وبينما تتنافس واشنطن وبكين على رسم ملامح النظام العالمي الجديد، تجد القاهرة نفسها في موقع نادر؛ ليست لاعبًا هامشيًا على رقعة الشطرنج، ولا ساحة نفوذ تتصارع عليها القوى الكبرى كما كان يحدث في الماضي، بل شريكًا يدرك الجميع أن كسبه أصبح ضرورة.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الدولة المصرية: أن تحوّل هذا التنافس إلى مكاسب دائمة، وأن تجعل من اهتمام القوى الكبرى بمصر نقطة انطلاق لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا، لا مجرد محطة لاستقبال الاستثمارات.
فالتاريخ قد لا يتذكر عدد الاتفاقيات التي وُقعت خلال زيارة شي جين بينغ، لكنه سيتذكر ما إذا كانت مصر قد أحسنت استثمار لحظة نادرة، وحولت التنافس بين الشرق والغرب إلى رافعة لمشروعها الوطني، وعندها فقط، لن تكون مصر الجائزة الكبرى في صراع الآخرين... بل ستكون صاحبة أكبر مكسب فيه، خصوصاً وأننا في مرحلة نحتاج فيها إلى حلفاء حقيقيين لمواجهة أعداء اقتربت ساعة حسابهم.
اقرأ أيضًا:
قمة السيسي وشي جين بينج.. توافق حول دعم حقوق مصر المائية والتمسك بمبدأ الصين الواحدة
الأكثر قراءة
-
بعد مكة وكيان.. محمد صلاح يرزق بمولود جديد (تفاصيل)
-
6 نقاط لم تنقذ المدرب.. لماذا رحل عماد النحاس عن تدريب المصري؟
-
"كل ما نسأله يقول معرفش حاجة".. شيكو بانزا يكشف مفاجأة بشأن بيزيرا
-
بعد إعلان قدومه.. شقيقة محمد صلاح تكشف اسم نجله الجديد برسالة مؤثرة
-
من الأهلي إلى البرتغال.. لاعب الأحمر يطرق أبواب الاحتراف الأوروبي
-
مستند.. الزمالك يرفض بيع لاعبه إلى فاماليكاو البرتغالي (خاص)
-
"هات الطقم بتاعك نديه للاعب تاني".. أزمة بين محمود جهاد والزمالك
-
وظائف السفارة الأمريكية 2026.. مفاجأة للمهندسين براتب يتجاوز 42 ألف جنيه
مقالات ذات صلة
قناة السويس.. ناقوس الخطر!
30 أغسطس 2026 04:03 م
من "روضة التدبر" إلى "مذبحة 15 مايو"
16 أغسطس 2026 02:22 م
المستشار محمد نجيب يكتب: مصر التي اختفت بين عالمين!
12 أغسطس 2026 11:41 م
عندما يصبح الحسد قاتلاً!
11 أغسطس 2026 07:06 م
أكثر الكلمات انتشاراً