السبت، 05 سبتمبر 2026

02:53 م

"مستر إكس" أذكى المضحكين.. كيف أعاد جمهور الزمالك عبقرية فؤاد المهندس إلى الواجهة؟

فؤاد المهندس

فؤاد المهندس

عندما دخل جمهور الزمالك إلى استاد القاهرة قبل مواجهة إيه إس بورت الجيبوتي، لم يكن المشهد مجرد احتفال بعودة الفريق إلى بطولة دوري أبطال أفريقيا بعد غياب استمر 1253 يومًا، وإنما كان استدعاءً لواحدة من أشهر الشخصيات في تاريخ السينما المصرية. 

وحقق النادي الأبيض فوزه الأول في البطولة بعد غياب استمر 3 سنوات ونص، بعدما تغلب على الفريق الجيبوتي بنتيجة 2-1، في المباراة التي جمعتهما ضمن منافسات ذهاب الدور التمهيدي الأول من البطولة.

ورفعت المدرجات صورة فؤاد المهندس في شخصية «مستر إكس»، إلى جانب عبارة «عودة أخطر نادي في إفريقيا»، في إشارة واضحة إلى فيلم «عودة أخطر رجل في العالم»، لتتحول شخصية سينمائية عمرها أكثر من نصف قرن إلى جزء من لغة التشجيع الكروي في واحدة من أهم ليالي الزمالك الإفريقية. 

وهكذا وجد اسم فؤاد المهندس نفسه من جديد في قلب حديث المصريين، بعدما اختار الجمهور أن يستعير شخصية من ذاكرة السينما ليحكي بها قصة عودة فريقه إلى القارة.

الاختيار لم يكن عابرًا، لأن «مستر إكس» واحدة من الشخصيات المرتبطة بشدة بصورة فؤاد المهندس في السينما المصرية.

وبعد أكثر من 50 عامًا، أعاد جمهور الزمالك استخدام الاسم والصورة ولكن في سياق مختلف تمامًا، ليصبح «مستر إكس» رمزًا لعودة الزمالك إلى دوري أبطال إفريقيا، وكأن الجمهور يقول إن «أخطر نادي» عاد من جديد إلى مسرح القارة.

فؤاد المهندس.. أكثر من مجرد نجم كوميدي

فؤاد المهندس لم يكن مجرد ممثل كوميدي حقق نجاحًا في السينما، وإنما كان واحدًا من أبرز الفنانين الذين تحركوا بين أكثر من وسيط فني وتركوا بصمتهم في كل واحد منها. 

وترك فؤاد المهندس بصمة كبيرة في تاريخ الفن المصري من خلال مجموعة ضخمة من الأعمال التي تنوعت بين السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون، ومن أبرز أفلامه «أرض النفاق»، و«أخطر رجل في العالم»، و«عودة أخطر رجل في العالم»، و«شنبو في المصيدة»، و«العتبة جزاز»، و«المليونير المزيف»، و«سفاح النساء»، و«أنا وهو وهي»، و«اعترافات زوج»، و«جناب السفير»، و«مطاردة غرامية»، و«هارب من الزواج»، و«مدرسة المراهقين»، و«فيفا زلاطا».

بينما قدم على خشبة المسرح أعمالًا خالدة مثل «سيدتي الجميلة»، و«السكرتير الفني»، و«أنا وهو وهي»، و«حواء الساعة 12»، و«إنها حقًا عائلة محترمة»، و«سك على بناتك»، إلى جانب حضوره الإذاعي المميز في «كلمتين وبس»، وارتباطه بذاكرة الأطفال من خلال شخصية «عمو فؤاد» وبرامجها الرمضانية. 

وتكشف هذه الأعمال عن تنوع موهبته وقدرته على الانتقال بين الكوميديا الاجتماعية والكوميديا الاستعراضية والمسرح الجماهيري، ليصبح واحدًا من أكثر الفنانين تأثيرًا واستمرارًا في ذاكرة المصريين.

ولذلك فإن الحديث عن المهندس باعتباره «كوميديان» فقط لا يمنح تجربته حقها الكامل، لأنه كان فنانًا متعدد الأدوات، استطاع أن يجعل صوته وشخصيته وطريقته في الأداء جزءًا من الحياة اليومية لأجيال متعاقبة.

الهروب من ظل “الريحاني”

وبدأت قصة فؤاد المهندس مع الكوميديا من تأثره بأحد أعمدة المسرح المصري، نجيب الريحاني. 

كان الريحاني بالنسبة إلى المهندس نموذجًا فنيًا كبيرًا، ومن الطبيعي أن يتأثر الفنان الشاب بمن سبقه ويحاول تقليده في بداياته، لكن الأهم في هذه الحكاية أن المهندس لم يتوقف عند مرحلة التقليد.

واحتاج "الأستاذ" إلى أن يجد صوته الخاص وشخصيته المستقلة، وأن يتحول من فنان متأثر بالريحاني إلى نجم له مدرسة أداء وملامح لا يمكن الخلط بينها وبين غيره.

وهذه النقطة تحديدًا كانت حاضرة بقوة في قراءة محمود السعدني لشخصية فؤاد المهندس في كتاب «المضحكون»، السعدني لم يتعامل مع المهندس باعتباره مجرد صاحب موهبة كوميدية، وإنما ركز بصورة أساسية على «الذكاء» الذي رأى أنه يميز تجربته عن كثير من أبناء جيله. 

وفي واحدة من أشهر عباراته عنه، كتب أن «ليس من بين المضحكين من هو أذكى من فؤاد المهندس»، ثم بنى على هذه الفكرة تحليلًا كاملًا لمسيرته وطريقته في صناعة مكانته داخل المسرح والسينما.

بالنسبة إلى السعدني، الذكاء كان مفتاح صعود فؤاد المهندس، فالمهندس لم يكتفِ بأن يكون نسخة جديدة من الريحاني، وإنما بدأ تدريجيًا في الابتعاد عن مدار أستاذه الرمزي، حتى أصبح له مدار خاص به. 

واستخدم السعدني صورة ساخرة شديدة البلاغة عندما شبّه الريحاني بـ«صاروخ دفع» انطلق به المهندس إلى الفضاء، ثم بعد أن وصل إلى الأعلى أصبح له مداره الخاص في الحياة الفنية.

نهاية أسطورة إسماعيل يس

وفي الوقت الذي كان فؤاد المهندس يثبت نفسه على المسرح، كانت السينما المصرية تشهد تحولات كبيرة، وهنا يدخل إسماعيل ياسين في القصة. 

إسماعيل ياسين كان لسنوات طويلة واحدًا من أكبر نجوم الكوميديا في مصر، وتحولت أفلامه إلى ظاهرة جماهيرية، لكن السينما نفسها بدأت تتغير، وظهر جيل جديد من النجوم والكوميديا والقوالب الفنية.

السعدني كان قاسيًا في تقييمه لهذه المرحلة، ورأى أن تكرار الصيغ الكوميدية ساهم في استنزاف تجربة إسماعيل ياسين. 

وفي المقابل، كان فؤاد المهندس واحدًا من الوجوه التي ظهرت بقوة مع الجيل الجديد، إلى جانب عبد المنعم مدبولي وشويكار وثلاثي أضواء المسرح وغيرهم. 

لكن من المهم هنا عدم اختزال تراجع إسماعيل ياسين في صعود فؤاد المهندس وحده، لأن المسألة كانت أوسع من منافسة بين فنانين، وارتبطت بتحولات الصناعة والجمهور وطبيعة السينما المصرية نفسها.

ولهذا فإن القول إن تألق فؤاد المهندس «تسبب» في اختفاء إسماعيل ياسين سيكون تبسيطًا للتاريخ، الأدق أن صعود جيل جديد من الكوميديا تزامن مع تراجع تدريجي في حضور إسماعيل ياسين، في وقت بدأت السينما تبحث عن أشكال وشخصيات جديدة. وكانت تجربة المهندس جزءًا من هذا التحول، لكنها لم تكن العامل الوحيد فيه.

ثنائي من ذهب

ومن أكثر أجزاء تجربة فؤاد المهندس التي توقف أمامها محمود السعدني علاقته بشويكار، فالثنائي لم يكن مجرد رجل وامرأة يجتمعان على المسرح، وإنما تحولت الشراكة بينهما إلى ظاهرة جماهيرية كاملة، وأصبح الجمع بين شخصية المهندس الكوميدية وحضور شويكار الأنثوي والكوميدي وصفة ناجحة للغاية على المسرح والشاشة.

السعدني قرأ هذه العلاقة في سياق تاريخي أوسع، وربطها بما فعله نجيب الريحاني في الماضي عندما جمع بين الكوميديا وحضور البطلة الجميلة، مشيرًا إلى نماذج مثل بديعة مصابني وميمي شكيب. 

ومن وجهة نظره، لم يكن وجود البطلة الجميلة بجوار الكوميديان تفصيلًا شكليًا، وإنما كان جزءًا من تركيبة مسرحية تعرف كيف تصنع التناقض وتستثمره في صناعة الضحك. 

وخلال مسيرته الطويلة، لم يكن فؤاد المهندس مجرد ممثل يؤدي أدوارًا مكتوبة، وإنما أصبح هو نفسه علامة فنية، صوته، وطريقة حديثه، وحركاته، ونظراته، وحتى أسلوبه في إلقاء الجملة الكوميدية، تحولت جميعها إلى عناصر مميزة لشخصيته الفنية.

ولذلك استطاعت أعماله أن تعيش بعد رحيله، وأصبحت أجيال جديدة تتعرف عليه من خلال الأفلام والمسرحيات التي ما زالت تعرض حتى اليوم.

"أخطر نادي في أفريقيا"

وفي 16 سبتمبر 2006، رحل فؤاد المهندس عن عمر ناهز 82 عامًا، بعد مسيرة امتدت لعقود ترك خلالها عددًا كبيرًا من الأعمال في السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون.

لكن رحيله لم ينهِ حضوره، فشخصياته وأعماله ظلت حاضرة في الذاكرة المصرية، وعادت صورته وشخصياته إلى الواجهة في مناسبات مختلفة، كان من أحدثها استعانة جمهور الزمالك بشخصية «مستر إكس» في تيفو احتفالًا بعودة الفريق إلى دوري أبطال إفريقيا بعد غياب 1253 يومًا.

بعد كل هذه السنوات، عاد فؤاد المهندس إلى المشهد من بوابة لم يكن أحد يتوقعها، لم يعد الحديث عنه بسبب فيلم جديد أو إعادة عرض مسرحية، وإنما بسبب جمهور كرة قدم قرر أن يستعير إحدى أشهر شخصياته ليصنع بها رسالة في المدرجات.

اختيار «مستر إكس» تحديدًا كان ذكيًا للغاية، لأن الشخصية تحمل في أصلها معنى «الأخطر» و«الغموض» و«العودة»، وهي معانٍ تتناسب تمامًا مع الرسالة التي أراد جمهور الزمالك توصيلها. 

عبارة «عودة أخطر نادي في إفريقيا» جاءت وكأنها نسخة كروية من عنوان «عودة أخطر رجل في العالم»، بينما تحولت صورة المهندس إلى جسر بين ذاكرة السينما المصرية وذاكرة جمهور الزمالك.

وهنا تصبح الحكاية أكبر من مجرد تيفو. فالجمهور الكروي في السنوات الأخيرة أصبح يستعير من السينما والمسرح والموسيقى والدراما رموزًا يعرفها الجميع، ويعيد توظيفها في سياق جديد. وفي حالة الزمالك، كان اختيار فؤاد المهندس مناسبًا بصورة استثنائية، لأن شخصيته نفسها مرتبطة بفكرة الذكاء والحيلة والكوميديا والقدرة على التحول من موقف إلى آخر.

والأجمل أن الصورة التي ظهرت في المدرجات لم تحتج إلى شرح طويل، يكفي أن يرى المصري صورة فؤاد المهندس في شخصية «مستر إكس» حتى يستدعي عشرات المشاهد والذكريات والأفلام.

اقرأ أيضا

اعتزال قائدين ورحيل زيزو.. كيف تغير الزمالك منذ آخر مشاركة في دوري الأبطال؟

search