الجمعة، 25 سبتمبر 2026
10:30 م
وممّا طال عُجبي له، أن يستولي عليهم سحرُ المظهر؛ فيرغبون في الدنوّ من صاحب الوجه الفاتن أو الهيئة الجذّابة، ويتّخذون من صورته مدخلًا إليه، دون أن يعرفوا عنه شيئًا، أو يختبروا منه قولًا أو فعلًا..
ثم يفعلون الأمر نفسه في الاتجاه المعاكس؛ فينصرفون عن إنسانٍ لمجرّد أن صورته لا توافق مقاييسهم المزعومة للجمال، وكأنّ الصورة صكُّ عقلٍ وروحٍ وخُلقٍ! أليس عجيبًا أن نعطي إنسانًا قيمةً ونسلبها، لمجرّد أن أعيننا استحسنت صورته أو لم توافق ذوقنا؟
أنا شخصياً.. ما استوقفني جمالُ وجهٍ قطّ، ولا أغراني حسنُ هيئة؛ وإن كنتُ أدرك أنّي بذلك أضرب بعرض الحائط شيئًا ممّا يقوله علم النفس التطوّريّ من أنّ الإنسان ينجذب إلى الصورة قبل الجوهر، وإلى المظهر قبل أن يعرف صاحبه أو يختبر معدنه..
ولعلّكم تتساءلون: أَمَا يلفتني المظهر؟ بلى؛ تراه عيني فتلتفت إليه، ثم تمضي؛ فلا تحتفظ به الذاكرة، ولا ينطبع به القلب، ولا أبني عليه حكمًا، فالمظهر عندي لفتةُ عينٍ، لا حكمُ نفسٍ؛ يعبر بالبصر، ولا يبلغ العقل.
غير أنّي -فيما أظنّ- لا أستطيع أن أُمرّر أحدًا إلى عقلي لمجرّد الاستحسان الظاهري؛ فأنا لا أهضم إنسانًا لا أعرفه، ولا أمنحه مكانًا لمجرّد أنّ العين استحسنت صورته..
أحتاج إلى صحبته، وإلى شيءٍ من الحديث معه، إلى أن أرى كيف يفكّر، وكيف ينظر إلى الأشياء، وكيف يصوغ أفكاره، ويزن كلماته؛ والأهمّ من ذلك: كيف يتعامل مع من يختلف عنه اختلافًا جذريًّا.
وأراقب من بعيد.. كيف ينظر إلى من يخالفه في دينه أو معتقده أو لونه وعرقه؟ وكيف يتعامل مع من لا يشاركه رأيه، ويكره ما يحبّ؟ وهل يتّسع صدره لأن يكون للآخر رأيٌ آخر، وذوقٌ آخر، وطريقةٌ أخرى في النظر إلى الحياة؟ أم يرى في اختلافه عنه ما يبرّر السخرية منه، والانتقاص من قدره وإنسانيته؟
في رأيي، هناك يظهر معدن الإنسان حقًّا؛ لا حين يتعامل مع من يشبهه، بل حين يقف أمام من لا يشبهه على الإطلاق.. وبهذه الطريقة تعوّدتُ أن أختبر الوجوه..
ولعلّ اللحظة الأولى التي ألتفت فيها حقًّا إلى إنسان -رجلًا كان أو امرأةً- ليست اللحظة التي تقع فيها عيناي على صورته، وإنّما اللحظة التي يقنعني فيها عقله بأنّه جديرٌ بانتباهي وإصغائي.
فالجمال هو ليس ما تراه عيني، بل ما يُدركه عقلي، ثم ما يطمئنّ إليه وعيي..
وثمّة وجوهٌ تراها العين فتلتفت إليها، ثم تنساها؛ وثمّة عقولٌ إذا مرّت بك، تركت فيك أثرًا لا تمحوه الأيام، وذلك، في ظنّي، هو السّحر الذي يستوقفني.
اقرأ أيضاً:
صوت يهمس للجمال والقضية.. كيف أعاد زياد عبدالله صياغة التراث برؤية حداثية؟
25 سبتمبر 2026 03:30 م
25 سبتمبر 2026 02:14 م
25 سبتمبر 2026 12:43 م
25 سبتمبر 2026 11:41 ص
أكثر الكلمات انتشاراً