الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026
10:11 م
سيارة إسعاف- أرشيفية
لم يكن أحد من سكان شارع فاطمة رشدي بمنطقة الهرم في الجيزة، يتخيل أن الشقة الهادئة ستتحول في ساعات قليلة إلى مسرح لجريمة تهز المنطقة بأكملها في أواخر الثمانينيات وبالتحديد 1986.
في الداخل، كانت “مايسة” غارقة في دمــائها بعد أن تلقت 15 طعنة متفرقة، وعلى مقربة منها كان طفلها الصغير “كريم”، صاحب السنوات الخمس، قد فارق الحياة بعدما أصيب في رقبته، بينما بقيت لعبته الصغيرة، “قرد صغير”، بين يديه وكأن الطفل لم يستوعب حتى اللحظة الأخيرة ما الذي حدث داخل منزله.
انتشر خبر الجريمة سريعًا بين سكان المنطقة، وتحولت الشقة إلى لغز كبير أمام أجهزة الأمن، المعاينة الأولى زادت الغموض أكثر، بعدما تبين وجود حديد إحدى النوافذ مثنيًا إلى الداخل، وهو ما رسم أمام الجميع سيناريو يبدو واضحًا للوهلة الأولى، عصابة اقتحمت الشقة، قتــلت الأم وصغيرها، ثم هربت.
الخوف سيطر على سكان الشارع، وانتشرت الشائعات عن عصابة ملثمة تتسلل إلى الشقق، حتى إن بعض الأهالي بدأوا يفكرون في ترك منازلهم خوفًا من أن يكونوا الضحية التالية.
لكن الحقيقة كانت موجودة في مكان آخر تمامًا، لم تكن على النافذة، ولا على الباب، كانت فوق صينية إفطار.
خلال المعاينة الفنية الدقيقة لمسرح الجريمة، توقف اللواء محمد نور الدين الذي كان وقتها برتبة مقدم ويعمل مفتشًا لمباحث قسمي بولاق الدكرور والهرم، أمام تفصيلة بدت عادية في البداية، لكنها كانت المفتاح الحقيقي لكشف القــاتل.
صينية فوقها طبق فول، وجبنة، وبيض، وكوبايتان من الشاي باللبن، سؤال بسيط بدأ يفرض نفسه: لمن أعدت مايسة وجبة الإفطار؟
وجود كوبين لم يكن تفصيلة عابرة، بل كان رسالة واضحة للمحققين، القــاتل لم يكن شخصًا غريبًا اقتحم الشقة، بل شخص تعرفه مايسة، استقبلته داخل منزلها، وأعدت له الإفطار، وجلس معها قبل أن تتحول الجلسة إلى واحدة من أبشع الجرائم، من هنا، تغير اتجاه التحقيق بالكامل.
بدأت أجهزة البحث في فحص المقربين من الضحية، وكان شقيقها في مقدمة المشتبه بهم، فبحسب المعلومات، كانت هناك خلافات متكررة بينهما، وكان شقيقها يرفض إقامتها بمفردها في شقة الهرم بعد وفاة زوجها، ويرغب في أن تعيش بالقرب من الأسرة في شبرا، خوفًا عليها وعلى سمعتها باعتبارها أرملة شابة تعيش وحدها مع طفلها.
خلافات ومشادات جعلت اسمه حاضرًا في دائرة الاشتباه، لكن التحقيقات والفحص الفني انتهيا إلى براءته، ثم اتجهت الأنظار إلى أهل الزوج، خاصة مع وجود خلافات مرتبطة بالميراث والشقة، وتم فحص الدائرة كاملة، لكن القاتل لم يكن هناك أيضًا، كان أقرب مما تصور الجميع.
وسط الدمــاء التي ملأت الشقة، ظهرت آثار دمــاء مختلفة، نقطة في الحوض، وأخرى على السلم، لم تكن من د م مايسة أو طفلها.
بدأ المحققون في بناء فرضية جديدة، القاتل أصيب أثناء ارتكاب الجريمة، ربما خلال مقاومة الضحية له، وهنا بدأت عملية البحث عن شخص قريب من مايسة، لديه إصابة، ولم يكن حضوره طبيعيًا بعد وقوع الجريمة.
وبين قائمة الأقارب، ظهر اسم “أحمد صلاح الدين”، ابن خالتها، طالب فاشل، يحمل في داخله قصة قديمة مع مايسة.
كشفت التحريات، أن أحمد كان يحب مايسة قبل زواجها، لكنه لم يتمكن من الارتباط بها بعدما رفضه أهلها بسبب سلوكه.
مرت السنوات وتزوجت مايسة من شخص آخر، ثم توفي زوجها فجأة، وبقيت وحيدة مع طفلها الصغير، بالنسبة لأحمد، بدا الأمر وكأنه فرصة جديدة، لكنه لم يكن يعلم أن مايسة لم تر فيه يومًا سوى قريب من العائلة، ومع تضييق الخناق عليه ومواجهته بالأدلة، بدأت الحقيقة تظهر.
واعترف المتهم بأنه ذهب إلى شقة مايسة، واستقبلته بشكل طبيعي، وأعدت له الإفطار، جلسا معًا، تحدثا وشربا الشاي باللبن، لكن داخل رأسه كان سيناريو آخر يتشكل.
بحسب اعترافاته، حاول التودد إليها، لكنها صدته ورفضت محاولاته، شعرت مايسة بأن نواياه لم تعد طبيعية، فدخلت غرفة نومها وارتدت بنطالًا في محاولة لستر نفسها منه، لكن المتهم لحق بها.
حاول الاعتداء عليها، قاومته مايسة بكل قوتها، كانت تقاوم من أجل نفسها، ومن أجل طفلها الموجود داخل المنزل، وخلال المقاومة، استل المتهم سكـــينًا وانهال عليها بالطــعنات، 15 طعــنة، 15 مرة حاول فيها إسكات مقاومتها، حتى سقطت غارقة في دمائــها.
لم تكن مايسة وحدها داخل الشقة، كان كريم موجودًا، الطفل الصغير شاهد المشهد، رأى أمه تسقط أمامه، وبدأ في الصراخ، في تلك اللحظة، لم ير المتهم أمامه طفلًا في الخامسة من عمره، رأى شاهدًا يمكن أن يكشف جريمته، فاتخذ قراره الأكثر وحشية، إنهاء حياة الصغير بدم بارد، وبقي كريم بجوار أمه، ممسكًا بلعبته الصغيرة، القرد الذي لم يكن يعرف أن صاحبه لن يعود للعب به مرة أخرى.
بقي لغز واحد أمام المحققين، لماذا كان حديد النافذة مثنيًا إلى الداخل؟، ذلك المشهد الذي جعل الجميع يعتقد في البداية أن هناك اقتحامًا من الخارج، وعندما واجه اللواء محمد نور الدين المتهم بهذه التفصيلة، جاءت الإجابة أكثر غرابة.
بعد ارتكاب الجريمة، أصيب المتهم بحالة من الارتباك، وحاول الهروب من الشقة، لكنه لم يتمكن في البداية من العثور على مفتاح “الكالون” الإضافي للباب، ظن أنه أصبح محبوسًا داخل الشقة.
فاتجه إلى النافذة وحاول الهروب منها، وشد الحديد بقوة حتى انثنى إلى الداخل، وبعد لحظات، تمكن من فتح الباب والخروج.
محاولة الهروب تلك صنعت أهم خدعة في مسرح الجريمة، وأعطت انطباعًا خاطئًا بأن قاتـــلًا مجهولًا اقتحم الشقة من الخارج، لكن “صينية الإفطار” كانت أذكى من الخدعة.
لم تتوقف القضية عند الاعتراف الشفهي، كتب المتهم اعترافًا تفصيليًا بيده في 6 صفحات، روى خلالها قصته مع مايسة، وحبه المزعوم لها، وكيف تحول ذلك الحب إلى رغبة مريضة انتهت بجريمة قتـــل.
وانتهت القضية أمام المحكمة بالحكم على المتهم بالإعــدام شنـــقًا، وفي لحظة النطق بالحكم، كان والد مايسة يعيش واحدة من أصعب لحظات حياته، رجل فقد ابنته وحفيده في يوم واحد.
وبحسب ما رواه اللواء محمد نور الدين، كان الأب في حالة انهيار تام، مؤكدًا أمام المحكمة أن ابنته لم تكن سوى ضحية، وأنها قاومت قاتــلها حتى النهاية دفاعًا عن نفسها.
اقرأ أيضًا:
27 أكتوبر 2026 10:10 م
27 أكتوبر 2026 09:59 م
27 أكتوبر 2026 09:02 م
27 أكتوبر 2026 08:47 م
27 أكتوبر 2026 08:37 م
27 أكتوبر 2026 08:14 م
27 أكتوبر 2026 07:42 م
27 أكتوبر 2026 07:25 م
أكثر الكلمات انتشاراً