الأربعاء، 09 سبتمبر 2026

07:57 م

حين يصبح التنظير على الصغار أسهل من مواجهة الكبار !

واقعة محافظ القليوبية مع مديرة المدرسة لم تكن، في تقديري، مجرد مشادة عابرة داخل مدرسة، ولا مجرد مشهد من مشاهد الجولات المفاجئة للمحافظين أمام الكاميرات، وإنما كشفت عن سؤال أكبر يتعلق بفلسفة الإدارة نفسها: هل وظيفة المسؤول أن يصطاد الأخطاء، أم أن يفهم أسبابها ويملك القدرة على علاجها؟

المشهد بدا وكأن المحافظ جاء يبحث عن التقصير لدى المسؤول الأصغر، ويضعه تحت الاختبار أمام الكاميرات وركوب التريند. لكن عندما تحدثت مديرة المدرسة، وقدمت ما لديها من مستندات، وكشفت أنها والوكيلة أنفقتا من مالهما الخاص لتوفير احتياجات داخل المدرسة ما يتخطى ١٨ الف جنيه، كان المنتظر أن ينتقل الأمر من مساحة العتاب إلى مساحة القرار: تحقيق يحدد المسؤوليات، ومراجعة تكشف أين تعثرت المنظومة، وإجراء يعالج أصل المشكلة.

أما أن ينتهي المشهد عند حدود التوبيخ، فهنا يصبح السؤال مشروعًا: ماذا استفادت الإدارة من كل ذلك؟

في علم الإدارة، هناك فارق جوهري بين المساءلة والتوبيخ. المساءلة الحقيقية لا تبدأ بالصوت المرتفع، وإنما بجمع المعلومات، وفهم الملابسات، وتحديد الاختصاصات، وتحليل الأسباب، ثم اتخاذ القرار المناسب.
أما توجيه اللوم قبل فهم جذور المشكلة، فقد يصنع مشهدًا قويًا أمام الكاميرا، لكنه لا يصنع إدارة ناجحة.

وهنا تحديدًا تبرز مجموعة من الأسئلة التي ربما تكون أهم من السؤال عن خطأ مديرة مدرسة.

هل فكر المحافظ في أزمة العمالة بالمدارس؟ وكيف يُطلب من مديرى المدارس أن يحافظوا على النظافة والانضباط، بينما المدرسة تعاني في الأساس من عدم وجود عمال؟ وهنا هل الحل في محاسبة المدير على النتيجة فقط، أم في توفير الأدوات والموارد التي تمكنه من تحقيقها؟

وسؤال ثان : هل فكر المحافظ في مشكلة تكدس الفصول، وكيف يمكن تطبيق الضوابط والقرارات الوزارية الخاصة بالكثافات في ظل أعداد الطلاب والإمكانات المتاحة؟ وهل المسؤول عن الفصل المزدحم هو مدير المدرسة وحده، أم أن القضية تحتاج إلى تخطيط على مستوى المديرية والمحافظة والوزارة؟

وسؤال ثالث : هل فكر  السيد المحافظ في أموال الوجبة المدرسية؟ أين تذهب؟ وكيف تتم متابعة وصولها إلى مستحقيها بالمواصفات والكميات المطلوبة؟ وكيف يمكن أن نتحدث عن جودة العملية التعليمية بينما تظهر شكاوى ومخاوف متعلقة بالتغذية المدرسية، في الوقت الذي يعاني فيه بعض التلاميذ من الأنيميا وسوء التغذية؟

والسؤال الأهم والكارثى . هل فكر معالى  المحافظ في مشكلة السناتر التعليمية، المرخص منها وغير المرخص، التي أصبحت في نظر كثير من الأسر عبئًا ماليًا يلتهم جانبًا كبيرًا من دخول المصريين؟ ومن المسؤول عن انتشارها؟ وهل مواجهة الظاهرة تكون باللوم على المدرسة فقط، أم بإعادة بناء منظومة تعليمية تجعل الطالب أقل احتياجًا إلى هذه السوق الموازية؟

هذه ليست أسئلة تخص مدير مدرسة بعينه، وإنما هي أسئلة تخص المنظومة بأكملها.

فالمسؤول التنفيذي الذي يريد أن يحاسب مدير مدرسة على تفاصيل صغيرة، عليه في المقابل أن يسأل نفسه عن الملفات الأكبر التي تؤثر يوميًا في ملايين الأسر: هل وفرنا الإمكانات؟ هل خططنا؟ هل تابعنا؟ هل قسنا النتائج؟ وهل اتخذنا القرارات الصحيحة في الوقت المناسب؟

والأخطر من كل ذلك أن يتحول المسؤول الأعلى إلى ما يشبه «المفتش عن أخطاء الصغار»، بينما يغيب السؤال عن أداء المنظومة الأكبر التي تقع تحت مسؤوليته.

فالمسؤولية الإدارية، وفق أبسط قواعد الحوكمة، لا تعني أن تسأل فقط: من أخطأ؟

بل تعني أيضًا أن تسأل: لماذا حدث الخطأ؟ ومن سمح باستمراره؟ وهل كانت الأدوات والموارد والقرارات متاحة أصلًا لمن يتحمل المسؤولية؟

وهنا تتجاوز الحكاية جدران مدرسة في القليوبية، لتطرح سؤالًا أوسع عن أداء المحافظات وإدارة الملفات اليومية.

ماذا عن انتشار العشوائيات؟

وماذا عن قطع الأشجار؟

وماذا عن احتلال الشوارع والباعة الجائلين والإشغالات؟

وماذا عن القرارات التي يراها المواطنون غير مدروسة؟

وماذا عن مشكلات الطرق والخدمات والمرافق التي تتكرر أمام أعين الأجهزة التنفيذية؟

هل كل هذه الملفات تحتاج إلى محاضرات للمسؤولين الصغار؟ أم تحتاج إلى رؤية واضحة، وتخطيط، ودراسة لأثر القرار، ومتابعة مستمرة، ثم محاسبة حقيقية؟

المشكلة ليست في أن تحاسب مدير مدرسة، ولا في أن تنزل إلى الشارع وتتابع بنفسك؛ بل إن المتابعة الميدانية مطلوبة، والمحاسبة ضرورة.

لكن السؤال الابقي: هل تستطيع أن تحاسب المنظومة كاملة، بما فيها القيادات والجهات التي تقع تحت مسؤوليتك المباشرة؟

فالمواطن لا يريد مسؤولًا يجيد اكتشاف الأخطاء أمام الكاميرات فقط، وإنما يريد مسؤولًا يفهم، ويحلل، ويقرر، ويتحمل مسؤولية القرار، ثم يحاسب من يستحق الحساب.

أما أن تكون البطولة في أن تقف أمام مسؤول أصغر منك لتشرح له قواعد الانضباط، بينما تتراكم المشكلات الكبرى في الشارع، فهذه ليست إدارة بالمعنى المهني؛ وإنما قد تتحول إلى تنظير على المسؤولين الصغار، بعيدًا عن قراءة الصورة كاملة، ودون قرار يعالج أصل المشكلة.

المسؤول القوي ليس من يعلو صوته على موظف صغير، وإنما من يمتلك الشجاعة لمواجهة الخلل أينما كان، ومن يملك القدرة على اتخاذ القرار حين يكون القرار صعبًا.

فليس الإنجاز أن تجد الخطأ عند غيرك.. الإنجاز الحقيقي أن تمنع الخطأ في منظومتك أنت.

رابط مختصر

تابعونا على

search