الأربعاء، 09 سبتمبر 2026

01:33 م

لست نسوية ولا بنت أصول.. فقط لأنني امرأة حرة في مجتمع شرقي

هل فكرتِ يومًا من تكونين؟ "امرأة حرة"، أم "صاحبة فكر نسوي" أم "بنت أصول"؟

من هي المرأة الحرة حقًا؟ وكيف تعيش هذه المرأة في مجتمع شرقي لا تزال تحكمه أعراف القبيلة، بل وبدأت تنجرف بعض فئاته نحو هاوية الفكر الذكوري الأقرب إلى العنف الفكري ضد المرأة؟!

أن تكوني امرأة حرة في مجتمع شرقي بالوصف السابق، فهذا يعني أنكِ تخوضين رحلة قد تبدأ قاسية، ثم تبدو ممتعة بعد فترة من الزمن.. نعم، الحروب التي نخوضها ضد المجتمع الذكوري قد تكون ممتعة بعد سنوات من النضج، مع اكتساب البصيرة والوعي والسلام الداخلي، رغم الصراعات الخارجية المستمرة، والأحكام الجاهزة مسبقًا، بل والمؤكدة في نظر المجتمع.

يوميًا نخوض معارك فكرية وترمينا سهام أحكامهم الحمقاء.. أن ترفضي ما يسمى بـ "جرائم الشرف" وتبغضين قتل النفس التي حرم الله، فأنتِ تسعين إلى نشر الفاحشة.. أن تؤكدي أن غشاء البكارة - بحكم الدين والعلم والمنطق- ليس دليلا على العفة، فأنتِ تدعمين الزنا.. أن ترفضين الختان، فأنتِ ولا بد عاهرة، ومن المؤكد أنكِ تريدين جميع النساء عاهرات مثلك..

وهكذا.. أن تؤمني أن الزواج سكن ومودة ورحمة وشراكة، وأن القوامة بفهمٍ واعي هي منحة حقيقية للنساء، فأنت مدلسة.. أن ترفضي علاقة زواج مؤذية، فأنتِ "ناشز" ولستِ "بنت أصول".. أن تطالبي بحقوقك، فأنتِ "سلفع".. أن تتزوجي مرة أخرى، فأنتِ "ست بجحة".. أن تختاري عدم الزواج، فأنتِ "دايرة على حل شعرك"..

أما أن تجمعي بين التمرد على العادات والتقاليد، مع التدين والامتثال لأحكام الله، فأنتِ "مريبة وغريبة".. نعم، أنتِ كذلك متناقضة في مجتمع يرى في عاداته دينًا حتى وإن واجهت تعارضًا صريحًا مع الدين.. ويرى فيما يوافق هواه من الدين عادات يجب أن تُتبع لإرضاء البشر، وإن لم يتبعوا سواها من صحيح الدين..

الحجاب، مثلًا، فرض ديني يؤيده المجتمع، ولذلك لا يتعامل معه كفرض ديني بل كخضوع لأحكام البشر.. بناءً عليه، لا بد – وفقًا للأهواء المجتمعية– أن تكون المرأة المحجبة امرأة تقليدية خاضعة للأعراف.. لم يستطيعوا تقبل امرأة محجبة حرة ذات إرادة واختيار، لأنهم يرون في الحجاب انعكاسًا مجتمعيًا وليس دينيًا، كما يرون في الأعراف البشرية انعكاسًا دينيًا وليس مجتمعيًا..

لذا، أن تختاري الحجاب بإرادة حرة وبدافع ديني فقط، مع تبني أفكار ضد العادات والتقاليد - رغم كون هذه الأفكار تنبثق من الدين والشرع- فهو أمر غريب لا  يراه المجتمع سوى تناقض واضح يفشل في فهمه.. ربما لأنه لم يعتد يومًا أن يضرب بعادات البشر عرض الحائط، متبعًا أمر الله فقط، لأنه لم يكن يومًا مجتمعًا حرًا حقًا.. هو فقط تم تلقينه أن "من لا تخضع للتقاليد هي نسوية"، فيستنتج متعجبًا: "كيف لامرأة نسوية أن تكون محجبة"؟!!

المفارقة هنا أن غالبية أطياف المجتمع أصلًا لا تعي ما هي النسوية؟ متى وكيف نشأت؟ وما دعواها التي تختلف جذريًا عن الفكر الذي تتبناه المرأة الحرة؟! ولا تستوعب أيضًا أن بنت الأصول قد لا تكون متدينة أصلًا!!

وبناءً عليه، الاحتكام إلى الدين أولًا وأخيرًا في أية قضية كبيرة كانت أم صغيرة، هو أمر غير وارد مجتمعيًا.. أنتِ إما نسوية تميلين لفكر الغرب، أو امرأة خاضعة لعاداتهم وتقاليدهم، وهنا تكونين "بنت أصول".

أما أن تعترفي بالواجب الديني، وإن لم تستطعي فعله على أكمل وجه، ألا تحللين حرامًا ولا تحرمين حلالًا، أن ترتدي الحجاب عن قناعة دينية دون أدنى اعتبار للضغط المجتمعي، فهو أمر مريب وغير مفهوم مجتمعيًا.

أما عن "بنت الأصول"، وما أدراك من هي "بنت الأصول"؟! هي تلك الصورة النمطية للمرأة التي دائمًا ما تحظى باستحسان مجتمعي واضح وصريح، وترتبط ذهنيًا بقبول الذل والإهانة والتعاسة والعيش على القليل من كل شيء، والخضوع التام لكل الأعراف المجتمعية دون التمتع بأدنى قدر من الفكر.. إنها النموذج الذي يصفق له المجتمع بحماس شديد، وتكرهه الحياة بنفس الشدة..

فإذا أردتِ حياة سعيدة ومريحة تحاولين فيها إرضاء خالقك فقط دون الالتفات لأحكام البشر، أنتِ إذن أبعد ما تكونين عن صورة "بنت الأصول".. إنها صورة أبعد ما تكون عني، وعن كل امرأة مثلي "حرة".. وهذا كل شيء.. فقط لأنني امرأة حرة..

رابط مختصر

تابعونا على

search