الخميس، 10 سبتمبر 2026

05:46 م

الحق في الدواء: استمرار نقص الأدوية ينذر بأزمة عنيفة.. وتحريك الأسعار ليس الحل

أدوية

أدوية

تقف الصيدليات الفردية صامدة في مواجهة موجة متزايدة من ارتفاع أسعار الأدوية في ظل شكوى مستمرة من النواقص.

تحذير من أزمة دوائية أكثر حدة

حذّر المركز المصري للحق في الدواء من تدهور أوضاع إتاحة الدواء في مصر، مع تصاعد شكاوى المرضى والصيادلة من نقص عدد من الأصناف، معتبرًا أن استمرار الأوضاع الحالية قد يقود إلى أزمة دوائية أكثر حدة، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء، الذي يشهد ارتفاعًا في معدلات استهلاك الأدوية.

وأكد المركز أن الحق في الدواء ليس مفهومًا تجاريًا، وإنما حق أصيل يرتبط بقدرة المريض على الحصول على الدواء الذي يحتاجه، في المكان والوقت المناسبين، وبصورة سريعة وآمنة وميسرة.

أزمة 2023.. وتحريك الأسعار

وأشار المركز إلى أن أزمة نقص الدواء التي شهدتها مصر خلال عام 2023 كانت من أعنف الأزمات التي مرت بها سوق الدواء، موضحًا أن أحد الحلول التي اتجهت إليها الحكومة تمثل في تحريك أسعار نحو 4 آلاف صنف دوائي بنسب تراوحت بين 30% و60%، بالتزامن مع زيادة الأصناف المستوردة.

وأضاف أن هذه السياسة جاءت امتدادًا لحلول اتبعتها الحكومة منذ بداية التعويم الأول في عام 2018، عندما جرى تحريك أسعار نحو 3010 أصناف دوائية في محاولة لمعالجة أزمة نقص الدواء.

ويرى المركز أن تكرار تحريك الأسعار دون وجود سياسة دوائية طويلة المدى تراعي الزيادة السكانية، وخريطة الأمراض، واحتياجات المرضى، لم يؤدِ حتى الآن إلى إنهاء أزمة النقص بصورة مستدامة.

غياب السياسة الدوائية طويلة المدى

وأكد المركز أن أزمات نقص الأدوية المتكررة تعكس، من وجهة نظره، الحاجة إلى سياسة دوائية واضحة وطويلة المدى، خاصة مع بدء تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل والتوسع فيها.

وأشار إلى أن سياسة الدواء تمثل أحد أهم أضلاع منظومة الرعاية الصحية، وأن ضمان الإتاحة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من التخطيط الصحي، وليس مجرد استجابة مؤقتة عند ظهور أزمات النقص.

وانتقد المركز ما وصفه بـ"غياب الشفافية والوضوح" بشأن الأصناف غير المتوفرة، مطالبًا بوجود نشرات دورية معلنة توضح الأدوية التي تشهد نقصًا في الأسواق، سواء من خلال بيانات رسمية أو عبر الموقع الإلكتروني للجهة التنظيمية المختصة.

ويرى المركز أن الاعتماد المتكرر على تحريك الأسعار باعتباره الحل الأسهل لمعالجة نقص الدواء لا يمثل معالجة جذرية للمشكلة.

سوق دواء ضخم.. فلماذا يستمر النقص؟

ولفت المركز إلى ضخامة سوق الدواء المصري، مشيرًا إلى أن مبيعات سوق الدواء بلغت، وفق البيانات الواردة في تقريره، نحو 4 مليارات دولار، مع وجود نحو 200 مصنع معتمد وأكثر من 4 آلاف خط إنتاج، واقتراب قيمة صادرات الدواء من ملياري دولار، إضافة إلى وجود نحو 1000 شركة تجارية تقوم بتصنيع الأدوية لدى الغير.

وأوضح أن مصر تنتج نحو 90% من احتياجاتها من الأدوية محليًا، فيما بلغت قيمة صادرات الدواء نحو 1.5 مليار دولار، وتجاوز عدد المصانع المسجلة 200 مصنع، إلى جانب أكثر من 2500 خط إنتاج، وفقًا لتقرير صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء.

ورغم ما شهده عام 2025 من استقرار نسبي في سوق سعر الصرف وتوافر العملة الأجنبية، وما انعكس على تهدئة الأوضاع في سوق الدواء، يرى المركز أن ارتفاع تكاليف الإنتاج أصبح عامل ضغط جديدًا على الشركات، في ظل زيادة أسعار الغاز والبنزين والكهرباء والنقل.

تحريك الأسعار.. بين مطالب الشركات وقدرة المواطن

وأشار المركز إلى تصاعد مطالب ممثلي صناعة وتجارة الدواء بتحريك الأسعار، سواء من جانب غرفة صناعة الدواء أو شعبة الدواء بالغرف التجارية، باعتبار أن ارتفاع تكاليف الإنتاج يمثل ضغطًا على الشركات.

ويعتبر المركز أن تكرار طرح معادلة "زيادة السعر وتوفير الدواء أفضل من جمود السعر مع نقص الدواء" يمثل ضغطًا مستمرًا على متخذ القرار، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي يمر بها المواطنون.

وحذّر من أن أي آليات جديدة لتسعير الدواء، إذا أدت إلى تحريك أسعار جميع الأصناف المتاحة وغير المتاحة، قد تزيد من الأعباء على المرضى، خاصة الفئات الأكثر احتياجًا.

وأشار المركز إلى أن ارتفاع أسعار الأدوية أصبح يمثل عائقًا أمام بعض المرضى في مجرد التوجه إلى الطبيب ثم شراء العلاج، مؤكدًا أن المشكلة تصبح أكثر صعوبة بالنسبة للفئات التي تعتمد على العلاج المدعوم أو التأمين الصحي.

نقص يمتد من الأدوية الحيوية إلى أدوية البرد

وقال المركز إنه رصد، منذ يوليو الماضي، شكاوى من مواطنين وصيادلة بشأن نقص عدد من الأصناف الاستراتيجية والمنقذة للحياة.

وأوضح أن النقص امتد، بحسب رصد المركز، إلى أدوية لأمراض الدم، وبعض أدوية الأورام، وأنواع من الإنسولين، وأدوية القلب والعظام والأمراض المناعية، وأدوية الهرمونات، والأدوية النفسية والعصبية، وأدوية ما قبل وبعد زراعة الأعضاء، إضافة إلى بعض الأدوية المستخدمة خلال جلسات علاج الأورام.

ولم يتوقف الأمر، بحسب المركز، عند الأدوية الحيوية، وإنما امتد إلى أدوية أكثر شيوعًا تستخدم في علاج نزلات البرد والسعال وأمراض الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي.

أزمة أخرى داخل المستشفيات الحكومية

وأشار المركز إلى أن أزمة الإتاحة لا تقتصر على سوق الدواء في الصيدليات، وإنما تمتد إلى المستشفيات الحكومية والجامعية ومستشفيات التأمين الصحي.

وأرجع جانبًا من هذه الأزمة إلى ما وصفه بمشكلات في منظومة الشراء والتوريد، مشيرًا إلى أن هيئة الشراء الموحد، المسؤولة عن شراء الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية منذ إنشائها عام 2019، واجهت مديونيات كبيرة، قال المركز إنها بلغت، بحسب ما نشرته صحف محلية، نحو 42 مليار جنيه.

وأوضح أن هذه المديونية أدت إلى توقف بعض الشركات عن توريد الأدوية، وهو ما دفع الحكومة إلى عقد اجتماعات عدة لبحث الأزمة.

وأضاف أن الأزمة وصلت إلى مناقشات على أعلى مستوى، مشيرًا إلى اجتماع عقده رئيس الجمهورية في سبتمبر 2025 لبحث تداعيات أزمة قوائم انتظار العمليات داخل المستشفيات.

وأشار المركز إلى أن بعض الإجراءات ساهمت في حل جانب من المشكلات، إلا أنه يرى أن جوهر الأزمة يرتبط بتمويل الالتزامات المالية الخاصة بالشراء والتوريد.

17 ألف صنف دوائي.. والمرضى يبحثون عن العلاج

وأكد المركز أن مصر لديها نحو 17 ألف صنف دوائي مسجل، معتبرًا أن ضخامة عدد الأصناف تمثل تحديًا من حيث إدارة السوق وتوفير الاحتياجات، فضلًا عن الضغوط المرتبطة بالعملة الأجنبية.

وأضاف أن المركز رصد اختفاء عدد كبير من الأدوية من الأسواق، مشيرًا إلى أن القائمة التي ينشرها تمثل جزءًا محدودًا من الأصناف التي يقول إنه تلقى شكاوى بشأنها.

وأكد أن المريض العادي لا يمتلك بالضرورة المعرفة الصيدلانية التي تمكنه من التفرقة بين الدواء الأصلي "البراند"، والمثيل والبديل، معتبرًا أن هذه التفرقة لا ينبغي أن تتحول إلى عبء إضافي على المريض الذي يبحث بصورة عاجلة عن علاجه.

أصناف حيوية يقول المركز إنها تعاني نقصًا

وذكر المركز عددًا من الأمثلة على أصناف قال إنها تواجه نقصًا أو صعوبة في الحصول عليها، من بينها أدوية وحقن مستخدمة في علاج الأورام، مثل:

إندوكسان 50، جليفيك 400، هيلوكسان، لوت سيرف، كاربوبلاتين، فيدراز، زوميتا، إلى جانب أصناف أخرى.

وفي أدوية زراعة الأعضاء، أشار إلى سيموليكس وسيمولكت.

كما أشار إلى أدوية مرتبطة بأورام الرئة، مثل ألميتا، وأدوية أورام البروستاتا مثل زولادكس، فضلًا عن أصناف أخرى.

وفي مجال الأدوية النفسية والعصبية، ذكر المركز هالوبيريدول، فيلازوفير، زولفت، إنفيجا، سيبرالكس، إلى جانب أصناف أخرى.

أما مرضى الغسيل الكلوي، فأشار المركز إلى نقص عدد من المحاليل وحقن إيبوترين وإيبركس، وبعض البدائل مثل ريكورمون 4000 و5000.

وفي أدوية الغدة الدرقية، أشار إلى إل-تروكسين وعدد من البدائل.

كما ذكر عددًا من أصناف الإنسولين، بينها أكترابيد، إنسولاتار، هيومكسين، جالفاس، لانتوس سولوستار، وهيمولين، خاصة الأصناف المستخدمة ضمن منظومة العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي.

وفي أدوية الهرمونات، أشار إلى أصناف من بينها جونابيور، ميريوفيرت، ديكاببتيل، أبيفاسي 5000، وفوستيمون.

كما ذكر المركز أن دواء سيرفانتا فيال 4 مل يمثل، بحسب رصده، الصنف الوحيد المستخدم لاستكمال رئة الأطفال.

النقص يمتد إلى الحقن والأدوية الشائعة

وأشار المركز كذلك إلى نقص عدد من الحقن والأدوية المستخدمة في علاج أمراض الجهاز الهضمي والآلام، من بينها ديبوفيت، ليفابيون، كيتولاك، أدولور، فليبتون، تراوزاكروم، وحقن فيتامين د، وبيتافوس، ولاديورافوس، ولاديبروكورتين، وديفارول إس، إلى جانب بدائل أخرى.

كما ذكر أصنافًا مثل سيدامكس، أنتودين أمبول، جاستروتيدين أمبول، أفيل أمبول، فيسرالجين أمبول، كونتروك أمبول، نابيزول أمبول، وميجابرازول أمبول.

وأشار كذلك إلى دواء كونسيرتا 36 وكونسيرتا 18 لعلاج اضطراب فرط الحركة، باعتبارهما من الأصناف التي قال إن لها صعوبة في التوافر، إضافة إلى برينوريلاكس.

وفي أدوية القلب، ذكر المركز عددًا من الأصناف، بينها لانوكسين، إيفابرادين، أميودارون، فالسارتان وأسبرين بروتكت.

كما أشار إلى اختفاء أو نقص عدد من أصناف أدوية الصرع والسعال والشلل الرعاش والتهابات البكتيريا والآلام الروماتيزمية ونقص البوتاسيوم.

"صيدليات الإسعاف 24".. حل لا يصل للجميع

وانتقد المركز الاعتماد على صيدليات الإسعاف الحكومية التي خصصت لتوفير بعض الأدوية الاستراتيجية، معتبرًا أن انتشارها الجغرافي لا يضمن وصول جميع المرضى إليها، خاصة في المحافظات البعيدة ومحافظات صعيد مصر.

وأوضح أن بُعد المسافات يمثل عائقًا أمام المرضى الذين يحتاجون إلى أدوية حيوية بصورة عاجلة، مطالبًا بآليات أكثر فاعلية لضمان وصول الدواء إلى المريض في المكان والوقت المناسبين.

توطين صناعة الدواء.. خطوات مهمة لكن الأزمة مستمرة

وأكد المركز أهمية الخطوات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لتوطين صناعة الدواء، مشيرًا إلى مشروعات دعم الصناعة وإنشاء مدينة الدواء، معتبرًا أن هذه الخطوات تمثل مسارًا مهمًا لتعزيز قدرة مصر على توفير احتياجاتها الدوائية.

إلا أن المركز يرى أن نجاح التصنيع المحلي لا يعني تلقائيًا ضمان توافر كل الأصناف، ما لم يصاحبه تخطيط دقيق للاحتياجات، ومتابعة لمخزون الأدوية، وسياسات واضحة للتوريد والتسعير والتوزيع.

اقرأ أيضا:

هيئة الدواء تكشف موقف توافر مستحضرات الأورام

search