الجمعة، 11 سبتمبر 2026

09:33 ص

بين شجر مصر وقرع الصين.. ماذا نترك في ذاكرة أطفالنا؟

أكثر ما لفتني في قصة «جد القرع» الصيني لم يكن القرع نفسه، ولا الرجل السبعيني الذي أصبح فجأة نجمًا على مواقع التواصل، وإنما ذلك المشهد الغريب الذي دفع الصينيين إلى التوافد على بيته، والوقوف على الضفة المقابلة للنهر، ورفع هواتفهم في محاولة لتصويره هو وقرعاته.


كان في المشهد، بلا شك، شيئًا من انتهاك خصوصية رجل يريد أن يعيش حياته بهدوء، لكن خلف هذا الاندفاع كان هناك شيئًا آخر أكثر إنسانية: هؤلاء الناس لم يذهبوا فقط لتصوير رجل عجوز وسبع قرعات، وإنما ذهبوا للبحث عن شيء رأوه ذات يوم في طفولتهم.
سبع قرعات، بيت قديم، رجل يشبه «الجد»، ومشهد أعاد إلى الذاكرة مسلسل الرسوم المتحركة الصيني الشهير «إخوان هولو» الذي ظهر عام 1986، وحكى قصة سبعة أطفال يولدون من قرعات سحرية، ويتحدون لإنقاذ جدهم الطيب.
لم تكن الكاميرا هي التي صنعت الذكرى، بل الذكرى هي التي دفعت الكاميرا إلى الظهور.

وهنا، وأنا أتابع هذا المشهد، وجدتني أفكر في شيء أبعد من قصة القرع، فكرت في قوة الذاكرة، وفي الطريقة التي تصنع بها الدول والمجتمعات ذاكرة أطفالها، وفي الفرق بين أن يكبر الطفل وهو يحمل في داخله صورا جميلة عن المكان الذي نشأ فيه، وبين أن يكبر وهو يحمل أسئلة وغضبا وخيبات يصعب محوها.

الصينيون الذين وقفوا أمام بيت «جد القرع» كانوا يبحثون عن جزء من طفولتهم. شيء بسيط ظل محفوظا في مكان ما داخلهم، حتى جاءت اللحظة التي أعادته إلى السطح.

وهذا جعلني أتساءل: ماذا نريد أن يبقى في ذاكرة أطفالنا نحن؟

فالذاكرة لا تملأ بالكلام وحده، الطفل لا يتذكر بيانات الحكومة، ولا أرقام المشروعات، ولا عناوين المؤتمرات. يتذكر شجرة كان يلعب تحتها، ومدرسة أحبها، ومعلما احترمه واحترم من قبل مجتمعه، وشارعا آمنا، ومستشفى وجد فيه من يهتم به، وموظفا عامله باحترام، ووالده وهو يعود إلى البيت مبتسما لأنه استطاع أن يوفر له ما يحتاجه.
يتذكر الأشياء الصغيرة، لكنها تصبح مع الوقت صورة كبيرة للوطن.

ولهذا يقلقني أن تكون السنوات الأخيرة قد تركت في ذاكرة أجيال صغيرة ذكريات ليست كلها رائقة.
ماذا ينتظر من طفل لم تتح له فرصة أن يصنع ذكرياته تحت شجرة، بعدما شهدت البلاد في السنوات الأخيرة حملات واسعة لإزالة الأشجار؟ وماذا سيشعر عندما يسأل عن غيابها، ثم يسمع تفسيرات لا تقنعه؟

ماذا يحمل طفل في ذاكرته وهو يركب سيارة نقل بضائع غير مهيأة لنقل البشر، مقابل بضعة جنيهات تساعد أسرته، بينما يرى في الجهة الأخرى أقرانا يستمتعون بمصايف ووجهات سياحية تُقدّم لهم باعتبارها جزءا من حقهم في الحياة؟

ماذا يتذكر حين يرى مسؤولا يتعامل بعنف مع مواطن أو معلم، أو يسمع مديرة مدرسة تقول إن المدرسة لا تستطيع الاستمرار إلا بما تنفقه هي من مالها الخاص، فيشعر أن الدولة التي يسمع عنها في الكتب ليست هي الدولة التي يراها أمام عينيه؟

ماذا يبقى في ذاكرته عندما يسلك طريقا يفتقر إلى أبسط معايير السلامة، من إشارات وعلامات ورقابة، ويموت عليه أبناء جلدته كل يوم، ثم يرى أن المسؤول عن ذلك ما زال في موقعه، رغم اعترافه بفشله؟
وماذا يفعل بكل ما يسمعه عن الفساد والواسطة والمحسوبية، في وقت لا يرى فيه أمامه طريقا واضحا إلى التعليم الجيد أو العمل الكريم أو المستقبل الذي يستحق أن يحلم به؟

هذه ليست أسئلة عن الاقتصاد أو الإدارة فقط. إنها أسئلة عن الذاكرة.
فالطفل الذي يكبر وهو يرى التناقض بين ما يقال له وما يراه، سيكون ذاكرته الخاصة مهما حاولنا أن نقول له غير ذلك.

يمكن أن نبني طرقا وجسورا ومدنا جديدة، وهذا مهم. لكن الدولة لا تبنى بالخرسانة وحدها. هناك شيء آخر أكثر بطئا في البناء وأكثر صعوبة في القياس وهي الصورة التي تتشكل في عقل المواطن عن بلده.
 

قد لا يتذكر الطفل اسم المشروع الذي افتُتح في طفولته، لكنه سيتذكر الطريق الذي كان يخاف عبوره. وقد لا يعرف اسم المسؤول الذي كان في السلطة، لكنه سيتذكر كيف عومل عندما احتاج إلى خدمة حكومية. وقد لا يتذكر كم أنفقت الدولة على مدرسته، لكنه سيتذكر المعلمة التي اشترت من مالها الخاص ما تحتاجه المدرسة.
وهنا يصبح الحديث عن «الإنجاز» بحاجة إلى سؤال آخر: إنجاز لمن؟ وبأي معيار؟
الدولة قد ترى أرقاما ومباني ومشروعات، بينما يرى المواطن حياته اليومية. وقد تكون هناك إنجازات حقيقية لا ينبغي إنكارها، لكن نجاحها لا يكتمل إلا عندما تتحول إلى حياة أفضل يشعر بها الناس، لا إلى أرقام يطلب منهم أن يصدقوها.
فالبلد الذي يبني كثيرا ولا يمنح أبناءه فرصة كافية لصناعة حياة جيدة، قد ينجح في تغيير شكل المكان، لكنه لا يضمن بالضرورة أن تتغير صورته في ذاكرة الناس.
ولعل أصعب لحظة تأتي عندما يكبر الطفل.

يتعلم، ويتخرج، يبحث عن عمل فلا يجد ما يناسبه، ويرى أن الفرص تحسم بالواسطة، ثم يقرر السفر. يعمل في بلد آخر، وربما يحصل هناك على راتب أفضل وحياة أكثر انتظاما، بينما يظل في داخله السؤال القديم: لماذا لم أجد هذه الفرصة في بلدي؟
وعندما يرى الفارق بين ما يستطيع أن يحصل عليه هناك وما لا يستطيع الحصول عليه في بلده، فإن ذاكرته لا تحتاج إلى من يشرح لها شيئا.
هي تقارن وحدها.
حتى تلك الصور التي نكثر من عرضها عن أماكن فاخرة ومشروعات سياحية لا تستطيع وحدها أن تصنع ذاكرة إيجابية. إذا كان المواطن العادي يشعر أن بعض هذه الأماكن ليست له، أو أن ما يقال عن إتاحتها للجميع لا يطابق قدرته الحقيقية على الوصول إليها، فإن الصورة التي تصل إلى الطفل قد تكون عكس الرسالة التي أردنا إيصالها.
نحن نريد من أطفالنا أن يحبوا بلدهم.
لكن حب الوطن لا يفرض على الذاكرة.
إنه يزرع فيها.

ازرع في ذاكرة الطفل شجرة يستطيع أن يلعب تحتها، ومدرسة يشعر أنها مكانه، وطريقا آمنا يعود منه إلى بيته، ومستشفى يجد فيه رعاية محترمة، وموظفا يعامله باعتباره مواطنا لا عبئا، وفرصة عادلة يحلم من خلالها بمستقبله.
عندها، لن يحتاج أحد إلى أن يطلب منه أن يحب بلده.

سيحمل الحب معه، مثلما حمل الصينيون «إخوان هولو» طوال عقود، حتى جاءت سبع قرعات معلقة على شرفة رجل عجوز، فأعادت إليهم فجأة شيئا من طفولتهم.
ربما لهذا أثرت في قصة «جد القرع» أكثر مما توقعت. فالرجل لم يكن يعرف أنه سيصبح جزءًا من ذاكرة جيل كامل، ولم يزرع قرعاته من أجل السياح أو الكاميرات. لقد عاش حياته، وفعل شيئا بسيطا، ثم اكتشف أن هذا الشيء البسيط لمس ذاكرة الآخرين.
وهذه، في رأيي، هي القوة الحقيقية للذاكرة. أنها لا تحتاج إلى حملة إعلانية كي تعمل.
اصنعوا لأطفالنا ذكريات جميلة، لا صورا جميلة فقط.
اجعلوا لهم وطنا يستطيعون أن يعيشوا فيه، لا وطنا يسمعون عنه فقط.
لأن الطفل الذي يحمل في ذاكرته شيئا جميلا عن بلده، سيكبر وهو يبحث عن طريقة ليحافظ عليه.
أما الطفل الذي تتراكم في ذاكرته الخيبات، فلا يمكن أن نطلب منه بعد سنوات أن يرفع هاتفه ويصور بلده بحب، أو أن يحمل في مخيلته صورة إيجابية عنه، ثم نتساءل لماذا يشكك.
الصينيون رفعوا هواتفهم من أجل سبع قرعات، لأن شيئا جميلا في طفولتهم كان قد ترك أثره فيهم.
وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا اليوم: ماذا نصنع في حياة أطفالنا الآن، حتى إذا كبروا، رفعوا هواتفهم يوما من تلقاء أنفسهم، لا لتصوير ما نطلب منهم أن يروه، بل لتصوير لحظة حياة جميلة صنعناها لهم؟

رابط مختصر

تابعونا على

search