الجمعة، 11 سبتمبر 2026

10:19 ص

لماذا لا نستفيد من تجربة الصين في الحد من الفقر؟!

شهدت مصر خلال الأيام الماضية حدثاً استثنائياً تمثل في زيارة رئيس جمهورية الصين الشعبية  " تشي جين بينغ " والذي انتخب رئيساً للصين في 14 مارس عام 2013 بعدما كان أميناً عاماً للحزب الشيوعي الصيني في  فبراير 2012.. 

ويعد تشي بينغ من أشد المدافعين عن الفكر الشيوعي امتداد لوالده المحارب الشيوعي المخضرم "شي هونغ شون" والذي نفي إلى مقاطعة باسكاوا الريفية بعد وفاة والده أثناء الثورة الثقافية..

والمقال هنا ليس هدفه التطرق إلى السيرة الذاتية للرئيس الصيني الملقب " بالزعيم والدكتاتور المستنير " وإنما هدفه مناقشة سياسات الحماية الاجتماعية التي اتبعتها الصين خلال العقدين الماضيين، والتي كان لها أثر كبير في القضاء على الفقر والحد من تداعياته في كافة مناحي الحياة.. والتي ربما ساهمت رغم تعدد الأعراق والديانات في تجفيف منابع التطرف والإرهاب، وكونت سياجاً قوياً لحماية  المجتمع الصيني من الجماعات الإرهابية المنظمة، ومنعها من التوغل في العمق الاستراتيجي للدولة. كما ساهمت سياستها في الحماية الاجتماعية في الحفاظ على سلامة المجتمع، وقدمت ضمانات قوية لاستقراره وتجفيف مصادر التوتر والاضطراب فيه.

فمنذ عام تقريباً أعلنت الصين رسميًا القضاء التام على الفقر المدقع في جميع أنحاء البلاد، حيث انخفض معدل الفقر المطلق "وفقًا لخط الفقر الوطني" إلى ما يقارب 0%. حيث قادت الصين على مدار الأربعة عقود الماضية ما يُوصف بأكبر حملة للحد من الفقر في التاريخ الحديث.ونجحت تلك الجهود والسياسات في انتشال أكثر من 800 إلى 850 مليون شخص من براثن الفقر المدقع؛ لتهبط نسبة الفقر في الصين من حوالي 88% عام 1981 إلى أقل من 0.1% بحلول السنوات الأخيرة حسب ما تضمنته تقارير البنك الدولي والمنظمات التنموية الدولية..

وهنا لايفوتنا أن ننسى أن الصين بدأت مع مصر عمليات الاستقلال والتنمية في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، ورغم أن البداياتوالظروف  كانت واحدة إلا أن الصين استطاعت الخروج من نفق الفقر المظلم وخرجت إلى أفاق أوسع للتنمية والهيمنة الاقتصادية والعسكرية، ونحن ما زلنا على الطريق في طور المحاولة ..! 

وبقدر سعادتي بزيارة الرئيس الصيني وحجم الاتفاقيات التي تمت، وقبل كل شئ التقارب الاستراتيجي الحادث بين الدولتين، بقدر تساؤلي لماذا لم يطرح ملف الحماية الاجتماعية وامكانية الاستفادة من التجربة الصينية خاصة أنني أعتبر أن مجابهة الفقر والحد من تداعياته أحد القضايا الكبرى التي تواجه الأمن القومي المصري ..!

فلطالما شكّل القضاء على الفقر تحدياً كبيراً للبشرية منذ القدم. واليوملا يزال أكثر من مليار شخص في العالم يعيشون في فقر مدقع. وفي الحرب العالمية على الفقر المدقع، قدّمت الصين نموذجاً رائداً يبعث الأمل في نفوس كل من يتوق إلى حياة أفضل.وذلك باعتبارها أكبر دولة نامية في العالم، إذ يزيد عدد سكانها عن 1.4 مليار نسمة، نجحت الصين في انتشال 800 مليون شخص من براثن الفقر. مما دفع الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريش" إلى الإشادة بإنجاز الصين، واصفاً إياه بأنه "أعظم إنجاز في مكافحة الفقر في التاريخ" ..!

ومن ثم فقد أثرت في هذا المقال أن استعرض أهم ملامح التجربة الصينية في مجال الحماية الاجتماعية ومجابهة الفقر. محاولاً إيجاد مساحة للتقارب بين الدولتين المصرية والصينية وكيف يمكننا الاستفادة الكاملة من التجربة الصينية وآلياتها في تجفيف منابع الفقر. حيث ركزت استراتيجية الصين للحد من الفقر على "التخفيف الموجه للفقر"، حيث تمزج بين النمو الاقتصادي السريع والتحسينات الملموسة في مستوى المعيشة. 

ومن خلال تكييف الحلول مع الظروف المحلية، تضمنت هذه الاستراتيجية آليات حاسمة تضمن تلبية تدابير مكافحة الفقر الاحتياجات الخاصة للمجتمعات المحلية.كما تضمنت هذه الاستراتيجية مؤشرات وضمانات قوية يمكن للمواطن من خلالها أن يشعر بتحسن ملموس في أحواله المعيشية، وبشكل تدريجي وسريع، ومرضي في ذاتالوقت.

وأعتقد أن هذا بالضبط ما تستهدفه الحكومة المصرية بكل برامجها من خلال جهودها في مكافحة الفقر وجعل المواطن يشعر بالحياة الكريمة والتحسن الملموس في مستوى معيشته..

لقد ساهم النهج الصيني في الحماية الاجتماعية في تغيير بعض المناطق الأكثر فقراً في البلاد، وقدم مصدر إلهام مفيد للدول الأخرى التي تواجه تحديات مماثلة.

ولا تقتصر إسهامات الصين في الحد من الفقر العالمي على الابتكارات الزراعية فحسب، بل تتجاوزها إلى مجالات أخرى. فمن خلال مبادرات مثل مبادرة الحزام والطريق، تعاونت الصين مع الدول النامية في جميع أنحاء العالم لتطوير مشاريع في قطاعات البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية. وربما تساهم تلك المشاريع في خلق فرص عمل كثيفة، وتحسين التواصل، وتعزيز النمو الشامل؛ مما يساعد على انتشال ملايين الأشخاص من براثن الفقر.

وفي هذا السياق تشير التقارير الدولية المعنية بتجربة الصين في الحد من الفقر ودراسة منظومة الحماية الاجتماعية فيها إلى أن نظام الحماية والضمان الاجتماعي في الصين يقوم على ثلاثة أركان رئيسة، تشمل التأمين الاجتماعي القائم على الاشتراكات، والمساعدة الاجتماعية غير القائمة على الاشتراكات، والرعاية الاجتماعية الممولة من الضرائب.حيث يتكون التأمين الاجتماعي الإلزامي من خمسة أنواع رئيسة تشمل: التقاعد، التأمين الصحي، التأمين ضد البطالة، تأمين إصابات العمل، وتأمين الأمومة، إضافة إلى صندوق الإسكان الإلزامي. 

بينما يعمل نظام تسجيل الأسر "هوكو" على ربط الاستفادة من الخدمات الحكومية مثل التعليم والرعاية الصحية والإسكان بمكان تسجيل الأسرة، مع وجود جهود مستمرة لتقليل الفجوة بين الحضر والريف. تكريساً لمبدأ العدالة الاجتماعية و تحقيقاً لتكافئ الفرص، وتعزيزاً للتوازن في توزيع عوائد التنمية بين الريف والحضر.

ولعل حالة الثراء السريع التي تعيشها الصين الآن والتي جعلتها واحدة من أقوى حكومات الأرض وأنظمتها الحاكمة وأكثر الشعوب استقراراً لم تقتصر فقط على تبني سياسات فعالة للحد من الفقر متعدد الأبعاد والروافد، وإنما مكنتها تلك الحالة من الانتشار اقليمياً ودولياً، كما مكنتها من الاشتباك بقضايا الفقر في دول الجنوب العالمي وشعوب العالم الثالث.

ففي قمة مجموعة العشرين التي اختتمت مؤخراً في " ريو دي جانيرو" حدد الرئيس الصيني " شي جين بينغ" ثمانية إجراءات للصين من أجل التنمية العالمية، والتي تشمل السعي إلى تعاون عالي الجودة في إطار مبادرة الحزام والطريق، وتنفيذ مبادرة التنمية العالمية، ودعم التنمية في أفريقيا، ودعم التعاون الدولي في مجال الحد من الفقر والأمن الغذائي.

كما أعلن " بينغ"  في القمة قرار الصين بالانضمام إلى التحالف العالمي لمكافحة الجوع والفقر. 

وهي مبادرة تهدف إلى جمع الموارد والمعرفة لتنفيذ سياسات عامة مثبتة وتقنيات اجتماعية لمكافحة الجوع والفقر في جميع أنحاء العالم. وأعتقد أن مصر كانت حاضرة بوفد رسمي في هذا المؤتمر الذي نظمته الأمم المتحدة في الدوحة، وأطلقت خلاله تحالف الحكومات في الحد من الجوع والفقر.

ولعل هذا ما جعلني حريصاً على استعراض تلك التجربة الرائدة والاستفادة منها في تعديل مسار السياسات التي تتبعها الحكومة المصرية في الحماية الاجتماعية والحد من الفق، على اعتبار أن مصر عضو في هذا التحالف الدولي الحكومي المعني بمكافحة الجوع والفقر، وأن على الحكومة المصرية أن تتبنى جزءاً يسيراً من السياسات الصينية وتعمل على توطينها بدعم مباشر من الصين ومتابعة دقيقة من خلال هذا التحالف..

ولا يفوتني أيضاً في هذا المقال أن أدعو إلى تدشين تحالف دولي  لمنظمات المجتمع المدني للحد من الجوع والفقر. بحيث بتكامل التحالفان ويحققا معاً نموذجاً رائدا للشراكة الاستراتيجية الدولية. ويكرساً معاً نموذجاً فريداً للتكافل الاجتماعي الدولي التشاركي الذى يضمن بمعايير واضحة تجفيفاً حاسماً لمنابع الفقر وتخفيفاً واضحاً لتداعياته. 

وإذا كنت زيارة الرئيس الصيني قد انتهت دون مناقشة جادة حول الاستفادة من تجربة الصين في الحماية الاجتماعية ؛ فإن الفرصة لا تزال باقية، ومصر إذا أرادت استطاعت .. !

رابط مختصر

تابعونا على

search