الأحد، 13 سبتمبر 2026

11:16 م

د رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية

بريكس.. مصر ترفع سقف الطموح ولا تكتفي بالحضور

لم تكن عبارة الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام قمة تجمع بريكس في الهند، حين قال إن مصر تتطلع إلى تولي رئاسة التجمع في المستقبل القريب، مجرد جملة عابرة في خطاب دبلوماسي مزدحم بالملفات والقضايا، وإنما كانت إعلانا هادئا عن طموح مصري يتجاوز حدود المشاركة إلى محاولة التأثير في اتجاهات تجمع بات يشغل مساحة متزايدة في خريطة الاقتصاد والسياسة الدوليين.

 التوافقات حول القضايا

حين تطلب دولة رئاسة تجمع يضم اقتصادات كبرى وقوى صاعدة، فإنها لا تطلب بالضرورة موقعا بروتوكوليا، وإنما تسعى إلى امتلاك مساحة أكبر لصياغة جدول الأعمال، وطرح الأولويات، وبناء التوافقات حول القضايا التي تمس مستقبل الدول النامية.

مراكز القوة الاقتصادية

وهنا تحديدا تكمن أهمية السؤال: لماذا الآن؟ والإجابة في تقديري ترتبط بطبيعة اللحظة الدولية أكثر مما ترتبط بأي استحقاق تنظيمي داخل بريكس، العالم يمر بمرحلة إعادة ترتيب عميقة لمراكز القوة الاقتصادية، ولم تعد الأزمات منفصلة عن بعضها؛ الحرب تؤثر في الطاقة، والطاقة تؤثر في أسعار الغذاء، واضطراب طرق الملاحة يرفع تكلفة التجارة، وأعباء الديون تضيق هامش الحركة أمام الدول النامية، بينما تتزايد الحاجة إلى مؤسسات تمويل قادرة على الاستجابة لمتطلبات التنمية بعيدا عن القيود التي فرضتها عقود طويلة من هيمنة نماذج محددة على النظام المالي العالمي، وفي هذه البيئة، يصبح بريكس أكثر من تجمع اقتصادي؛ يصبح إحدى الساحات التي يجري داخلها النقاش حول شكل النظام الدولي المقبل.

مصر تدرك هذه التحولات، ولذلك فإن حضورها داخل بريكس ليس بحثا عن عضوية إضافية في ناد دولي، وإنما هو جزء من سياسة أوسع لتنويع الشراكات وتعظيم القدرة على الحركة في نظام دولي متعدد المراكز، القاهرة لا تدخل هذا التجمع من موقع دولة تبحث فقط عن التمويل أو الأسواق، وإنما من موقع تمتلك فيه مجموعة من المقومات التي تمنحها قدرة على تقديم قيمة مضافة للتجمع نفسه.

قناة السويس ليست مجرد ممر مائي مصري

الموقع الجغرافي أحد أهم هذه المقومات، قناة السويس ليست مجرد ممر مائي مصري، وإنما أحد الشرايين الرئيسية التي تتحرك عبرها التجارة العالمية، وموقع مصر يجعلها نقطة اتصال بين أفريقيا وآسيا وأوروبا والحديث المصري عن التجارة واللوجستيات والممرات الدولية ليس تفصيلا اقتصاديا، وإنما جزءًا من تصور لدور مصر في إدارة حركة الاقتصاد العالمي.

الأمر نفسه ينطبق على قضية الأمن الغذائي، عندما تطرح مصر فكرة تطوير مركز للحبوب واللوجستيات، فإنها تتحرك انطلاقا من درس واضح فرضته الأزمات الدولية: الغذاء لم يعد ملفا اجتماعيا أو اقتصاديا فقط، بل أصبح عنصرا أساسيا في حسابات الأمن القومي والاستقرار السياسي، الدول التي تمتلك القدرة على تأمين الغذاء وتخزينه ونقله وتوفير شبكات إمداد مستقرة ستكون أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات المقبلة، ولذلك فإن الجمع بين الموانئ والممرات التجارية والبنية اللوجستية ومراكز الحبوب يمكن أن يحول الموقع المصري من مجرد ميزة جغرافية إلى أداة استراتيجية ذات عائد اقتصادي وسياسي.

المعركة الحقيقية في الاقتصاد العالمي 

لكن ربما يكون الملف الأكثر أهمية هو التمويل، المعركة الحقيقية في الاقتصاد العالمي لا تدور فقط حول من ينتج أكثر، وإنما حول من يملك أدوات التمويل ومن يستطيع توجيه رأس المال نحو مشروعات التنمية، ومن هنا تأتي أهمية دعوة الرئيس إلى إصلاح النظام المالي الدولي وتعزيز دور بنك التنمية الجديد، لأن الدول النامية لا تحتاج فقط إلى شعارات حول التنمية، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تمويل أكثر قدرة على التعامل مع احتياجاتها الفعلية، وتمويل البنية الأساسية والطاقة والنقل والصناعة والتحول الرقمي، مع مراعاة الظروف المختلفة لهذه الاقتصادات.

 السياسة الخارجية

الرغبة المصرية في رئاسة بريكس يمكن فهمها باعتبارها محاولة للانتقال من موقع «المشارك» إلى موقع صانع الأجندة، وهذه نقلة مهمة في السياسة الخارجية؛ الدولة المؤثرة ليست التي تحضر الاجتماعات بكثافة فقط، وإنما التي تستطيع أن تجعل قضاياها الوطنية والإقليمية جزءا من النقاش الدولي الأوسع ومصر لديها ما يؤهلها لذلك، ليس فقط بسبب ثقلها السياسي، وإنما بسبب قدرتها على التواصل مع دوائر متعددة في الوقت نفسه: أفريقيا والعالم العربي والبحر المتوسط وآسيا وأوروبا.

الصدام مع النظام الدولي القائم

والأهم أن القاهرة لا تطرح هذه الرؤية من منظور الصدام مع النظام الدولي القائم، وإنما من منظور إصلاحه وتوسيعه ليصبح أكثر قدرة على التعبير عن مصالح القوى الصاعدة والدول النامية، وهذه نقطة جوهرية؛ لأن التعددية الدولية لا تعني بالضرورة استبدال قوة بأخرى، وإنما تعني توسيع دوائر المشاركة في صناعة القرار، وإتاحة مساحة أكبر للدول التي أصبحت تمتلك وزنا اقتصاديا وسكانيا واستراتيجيا لا يتناسب دائما مع حجم تمثيلها داخل مؤسسات النظام الدولي.

من هنا تصبح عبارة الرئيس عن رئاسة بريكس ذات دلالة تتجاوز موعدا أو منصبا إنها تقول إن مصر ترى نفسها جزءًا من النقاش حول العالم الذي يتشكل الآن، وتريد أن تستخدم ما تمتلكه من موقع وقدرات وعلاقات وشبكات اقتصادية وسياسية لتكون فاعلا في هذا النقاش وربما تكون هذه هي النقطة الأهم: في عالم تتغير فيه قواعد التجارة والطاقة والتمويل، لم يعد الموقع الجغرافي وحده كافيا، وإنما تصبح قيمة الموقع مرتبطة بقدرة الدولة على تحويله إلى نفوذ اقتصادي، وتحويل نفوذها الاقتصادي إلى تأثير سياسي.

هل ستتولى مصر رئاسة بريكس؟

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستتولى مصر رئاسة بريكس؟ وإنما: ماذا ستفعل مصر إذا تولت الرئاسة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي الاختبار الأصعب، لأن الرئاسة الناجحة تحتاج إلى أجندة واضحة، وقدرة على بناء التوافق، وربط مصالح أعضاء التجمع بأولويات الدول النامية، وتحويل الملفات الكبرى من عناوين عامة إلى مشروعات قابلة للتنفيذ وإذا نجحت القاهرة في ذلك، فإن رئاسة بريكس لن تكون مجرد لحظة في جدول القمم، وإنما فرصة لتثبيت موقع مصر كحلقة وصل فاعلة في النظام الاقتصادي الدولي الجديد.

خطوط التجارة والموانئ

العالم المقبل لن يبنى فقط داخل العواصم الكبرى، وإنما أيضا على خطوط التجارة والموانئ وممرات الطاقة ومؤسسات التمويل ومراكز الغذاء ومصر، بما تملكه من موقع ودور وإمكانات، تبدو مدركة أن معركة المستقبل ستكون على هذه المساحات مجتمعة ولذلك فإن طلب رئاسة بريكس يمكن قراءته ببساطة باعتباره رسالة مفادها أن القاهرة لا تريد أن تراقب التحولات الجارية من الخارج، وإنما تريد أن تكون داخل الغرفة التي تناقش فيها قواعد المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضا:

الكيانات التعليمية الوهمية.. سراب يبتلع أحلام الشباب

search