الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
12:53 م
عبد الحكيم عامر إلى جوار جمال عبد الناصر
بعد 59 عامًا على رحيل المشير عبد الحكيم عامر (توفّى 14 سبتمبر 1967)، لا تزال علاقته بالرئيس جمال عبد الناصر، رفيق الثورة والعمل السياسي الممتد لنحو 3 عقود، تفرض نفسها بإلحاح على صفحات التاريخ، بحكم ارتباطهما الوثيق بحدثٍ جللٍ غيّر شكل الحياة في مصر تمامًا على كل المستويات، ونقلها من "الملكية الجائرة" إلى "الجمهورية العادلة".
مع إعلان الجمهورية بقيادة مجلس قيادة الثورة، المشكّل من "الضباط الأحرار"، انتقل الرجلان، "ناصر" و"عامر"، إلى مرحلة جديدة من العمل؛ اختير عبد الناصر رئيسًا للجمهورية بعد فترة انتقالية حافلة بالأحداث، واتخذّ رفيقه وصديقه الأقرب إلى الأخ، عبد الحكيم عامر، وزيرًا للحربية بعد ترقيته.

مضت ثورة يوليو ترسّخ أقدامها وتُرسي دستورها الثوري والعسكري والاقتصادي والاجتماعي، متخذةً من جلاء القوات البريطانية عن مصر هدفًا تحشد من أجله العدّة والعتاد، وهو ما حصل بالفعل مع جلاء آخر جنديّ بريطاني في 18 يونيو 1956 بعد احتلال دام نحو 74 عامًا.
مدفوعةً بنشوة تحقيق الهدف الساميّ الذي أجلى البريطانيين عن مصر بعد احتلال دام نحو 74 عامًا، اندفع جمال عبد الناصر إلى اتخاذ قرار مدوٍ.
بإعلان تأميم قناة السويس "شركة مساهمة مصرية"، لتمويل السد العالي، انفتحت أبواب الجحيم على مصر بعدوان ثلاثي، بريطاني فرنسي إسرائيلي، إلا أن الصمود الشعبي منقطع النظير والموقف الأمريكي المندد للحرب، وتهديد الاتحاد السوفيتي بالتدخل، حُسم الموقف تمامًا لمصر.

كان في قلب هذا المشهد السياسي والعسكري، رفيق درب جمال عبد الناصر وصديقه المقرّب، عبد الحكيم عامر، المسؤول عن الجيش بحكم توليه وزارة الحربية، ومن واقع شعوره بالمسؤولية تقدم باستقالته لـ عبد الناصر.
كان لافتًا الصياغة التي كُتبت بها هذه الاستقالة. في 28 ديسمبر 1956 كتب عامر رسالة إلى "ناصر"، مذيّلة بتوقيع "المخلص عبد الحكيم عامر"، جاء فيها: "إنني أجد صعوبة كبيرة في توجيه هذا الكتاب إليك، وأعتقد أنك ستجد نفس الصعوبة في قبوله".

يمضي عامر في رسم صورة عامة للمشهد حينها، ولطبيعة العلاقة بين الرجلين: "لكن عندما نواجه الحقائق مجردة - وهذا شيء لا بد منه- لأنه جزء من طبيعتنا، وبحكم الهدف المشترك الذي عملنا له لمدة طويلة، وبحكم الصداقة التي تربطنا، فإنه يجب عليّ أن أخطرك بما أشعر به وبما اقتنعت به أيضًا؛ فإنني أصبحت مقتنعًا أن مهمتي قد انتهت وأن استمراري في العمل يضرُّ - على وجه قاطع- بالصالح العام وبك أيضًا كصديق، وكلاهما عزيز على النفس، وأصبح من الواجب عليّ أن أعتزل العمل".

يتابع "عامر" في رسالته: "وقد وصلت لهذا القرار بعد تفكير طويل ومنذ وقت ليس بالقصير، ولكنني لم أستطع أن أخطرك بذلك حتى ينجلي الموقف الحالي، ويتم جلاء القوات الأجنبية من بورسعيد، وقد تم الجلاء بحمد الله وأصبح الوقت مناسبًا لتعرف ذلك.. والذي أرجوه منك أن تقتنع بوجهة نظري هذه وتشهّل لي الأمر. وإننى أتمنى لك التوفيق الدائم في جميع خطواتك من أجل مصر وشعبها ومن أجلك أيضًا.. والله يرعاكم جميعًا".

لم تلقَ هذه الاستقالة اهتمامًا يُذكر في كتب التاريخ، واعتبرها الكثيرون "مجرد شعور ثقيل بالمسؤولية من الرجل الأول في الحربية المصرية حينها، وأنها كانت مجرد خطوة شكلية، خاصة أنه بعد هذا التاريخ رُقّي إلى درجة (مشير) وتوسعت سلطاته في مجلس قيادة الثورة، وكان الرجل الثاني بعد عبد الناصر".
تمرّ الأيام بحلوها ومرّها، وتثبّت ثورة يوليو جذروها في أرض مصر، ويخوض الرجلان "ناصر" و"عامر" جولات وراء جولات، في ظل صداقة وطيدة وأخوة يشهد بها كل من عرفوه، لدرجة أن عبد الناصر سمّى ابنه بـ"عبد الحكيم"، ليردّ له عبد الحكيم عامر جميل الأخوة والصداقة ويسمّي ابنه "جمال".

لكنّ عبد الحكيم عامر يفاجئ عبد الناصر في 20 سبتمبر 1962 باستقالة ثانية، وأيضًا من اللافت صياغتها وتغير النبرة بين أختها الأولى، ولا سيما وقد بدأها بصيغة رسمية وأنهاها بنفس الرسمية أيضًا: "السيد الرئيس جمال عبد الناصر، بعد التحية..."
ما بعد التحية الرسمية، يذكّر "عامر" صديقه ورئيسه برغبته في اعتزال الحياة العامة: "تذكرون أنني طلبت من أشهر قريبة اعتزالي الحياة العامة، وقد رفضتم في ذلك الوقت هذا الطلب لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة".

ما الذي يدفع وزير الحربية حينها بسلطاته الواسعة ونفوذه إلى اعتزال السياسة؟!
يوضح عامر دوافعه: "لما كان نظام الحكم مقبلًا على إعادة تنظيم كاملة فإنني أجد أن هذه فرصة مناسبة لذلك، وقد قررت أن أعتزل العمل العام نهائيًا. وأتمنى لكم بكل مودة وإخلاص ولإخواني، التوفيق الكامل في خدمة شعبنا الذي نجحتم في خدمته وتحقيق الكثير من آماله".
تطرح هذه الاستقالة في هذا التوقيت بصيغتها هذه، الأسئلة أكثر مما تقدّم.
لكن الأرشيف التاريخي يجيب لنا بالتفصيل في استقالة ثالثة وأخيرة بخطّ يده، يعتبرها الكثيرون "إحدى الشهادات المهمة" عن علاقة عبد الناصر وعبد الحكيم، التي انقلبت من الصداقة إلى المنافسة، بحسب زعم البعض، بل وعلاقة عبد الحكيم بمجلس قيادة الثورة، ليس في هذا الموقف تحديدًا، بل يمتد للحظة وفاته الدرامية، واتهامه بالتورط في محاولة للانقلاب على عبد الناصر بعد هزيمة 1967، حيث قيل إن هذه الاستقالة وزّعت على وحدات الجيش بدافع إثارة البلبلة والتمرد على عبد الناصر.

في 1 ديسمبر 1962، وبخط يده، يستفيض عبد الحكيم عامر هذه المرة في الإدلاء برأيه في مجمل الوضع السياسي في مصر. وإن اعتبر البعض هذه الرسالة “موجهة لأغراض في نفس ابن عامر”، ومن الضروري أن ندقق فيها بعناية، وإليكم النص كاملًا دون تدخل:
"أرى أن الواجب وأيضا الوفاء يقتضي أن أكتب إليك معبرا عن رأي مخلص رغم الأحداث الأخيرة. فبعد عشر سنوات من الثورة وبعد أكثر من عشرين سنة صلة بيني وبينك، لا يمكن أن أتركك وأعتزل الحياة العامة دون أن أبوح لك بما في نفسي كعادتي دائمًا".
"إننى أعتقد أن الانسجام والتفاهم بين المجموعة التي تشارك في الحكم أمر ضروري، وأوجب من كل ذلك الثقة المتبادلة بين أفراد هذه المجموعة. وقد وجدت في الفترة الأخيرة أن الأسلوب الغالب هو المناورات السياسية ونوع من التكتيك الحزبي، فضلا على ما لا أعلمه من أساليب الدس السياسي، والذي قد أكون مخطئًا في تصوره، ولو أن الحوادث كلها والمنطق يدل على ذلك. والنتيجة التي وصلنا إليها خير دليل على هذا التصور؛ فقد استطاع هذا الأسلوب أن يتغلب على ما كنت أعتقده مستحيلًا وهو تحطيم صداقتنا، وما نتج عن ذلك من أحداث لا داعي لسردها، وكلها لا تتفق مع المصلحة العامة في شيء".
"المهم في الموضوع، أنني لا أستطيع بأي حال أن أجاري هذا الأسلوب السياسي؛ لأني لو فعلت لتنازلت عن أخلاقي، وأنا غير مستعد لذلك وبعد أن انتهى نصف عمري.
الذي أريد أن أحدّثك إليه بخصوص نظام الحكم في المستقبل، فإنني أعتقد أن التنظيم السياسي القادم، ليكون مثمرًا وناجحًا يجب أن يبنى على الانتخابات من القاعدة إلى القمة، بما في ذلك اللجنة العليا للاتحاد، وبما في ذلك اللجنة التنفيذية العليا، وإن تمت اللجان العليا بدون انتخابات حقيقية؛ فسيكون ذلك نقطة ضعف كبرى في التنظيم الديمقراطي للاتحاد، وإنّ ما يجب أن نسعى إليه الآن هو تدعيم الروح الديموقراطية، وخصوصًا بعد عشر سنوات من الثورة".

"وإننى لا أتصور بعد كل هذه الفترة، وبعد أن صُفّي الإقطاع ورأس المال المستغل، وبعد أن منحتك الجماهير ثقتها دون تحفظ؛ أن هناك ما نخشاه من ممارسة الديموقراطية بالروح التي كتب بها الميثاق؛ وخصوصًا أن الملكيات الفردية الباقية والقطاع الخاص لا يشكلان أي خطر على نظام الدولة، كما أنه ليس هناك في رأيي ما يمنع إطلاقًا من أن تنسجم هذه القطاعات مع النظام الاشتراكي.
"كذلك الأمر بالنسبة للصحافة، فيجب أن تكون هناك ضمانات تمكن الناس من كتابة آرائهم، وكذلك تمكن رؤساء التحرير والمحررين من الكتابة دون خوف أو تحفظ. وقد تكون هذه الضمانات عن طريق اللجنة التنفيذية العليا مثلًا أو أي نظام آخر؛ يكفل عدم الخوف من الكتابة وتوهم الكاتب أنه سيطارد أو يقطع رزقه؛ وخصوصًا أن الآراء التي ستعالج لن تخرج عن مشاكل الناس والمسائل التنفيذية وبعض المناقشات في التطبيق الاشتراكي، وفي هذا فائدة كبيرة؛ لأنه سيعبر عن الآراء التي تدور في خلد بعض المواطنين".
"دعني وأنا أودعك أن أحدثك أيضًا عن الحكومة ورأيي فيها؛ قبل كل شيء لا يمكن أن تسير أي حكومة في طريقها الطبيعي - وهو الحكم السليم- إذا كان نظام الحكم في حد ذاته ممسوخًا مشوّهًا؛ فيجب أولًا أن نستفيد بتجارب العالم وحكوماتها التي عاشت مئات السنين مستقرة منتظمة، دون حاجة لتغييرات شاملة كل فترة قصيرة من الزمن. ففي رأيي أن النظام الطبيعي للحكم يكون كالآتي:
إما حكومة رئاسية، ويرأس الوزارة فيها رئيس الجمهورية ويكون مسئولًا أمام البرلمان مسئولية جماعية مع وزرائه. وبدون الدخول في التفاصيل.. يمكن أن يكون هناك نائب للرئيس، ويجب أن تكون أنت رئيس الدولة ورئيس الحكومة.
أو حكومة برلمانية، يرأسها رئيس للجمهورية، ويكون رئيس الاتحاد الاشتراكي هو رئيس الوزراء، أو ربما يكون رئيس الوزراء ليس رئيسًا للاتحاد الاشتراكي، ولا أريد أن أدخل أيضًا في التفاصيل، ولكن تكون أيضًا مسئولية الوزارة جماعية أمام البرلمان.. كما ورد في الميثاق".

"على كل حال أي من هذه الحلول، وجودك في النظام أو الأصح على رأسه ضرورة وطنية، وأنا لا أقول ذلك مجاملة؛ فهناك كثيرون مستعدون للمجاملة أو الموافقة على رأيكم بمجرد إبدائه، ولكن أعتقد أن أي تصرف غير ذلك سيكون بداية لنهاية لا يمكن معرفة مداها".
"دعني أيضًا قبل أن أودعك أن أقول لك: إن اختلاطك الشخصي بالناس ضروري؛ فإنه يعطي الثقة المتبادلة، ويعطي إحساسات متبادلة، ويعطي أفكارًا أيضًا متبادلة؛ وهذا هو الطريق الطبيعي للارتباط بأفراد شعبنا القياديين في المستقبل، أما انعزالك التام، فإنه سيجعل صدر البشر عندك أسطر على ورق أو أسماء مجردة لا معنى لها".
"وهذا في رأيي لا يمثل الواقع، فالعقل والعاطفة من مكونات الإنسان ولا تستطيع أن تفصل كلية بينهما، ولكن يجب الجمع بينهما في الطريق الصحيح؛ وهذا لا يكون إلا عن الاتصال الشخصي، وهذا أيضًا هو الطريق الوحيد لإظهار شخصيات قيادية تعتز برأيها وتقوله دون خوف، ولكنها في نفس الوقت تثق في قيادتها وتخدمها.
وهذا النوع من الناس أنت في أشد الحاجة إليه، بل وبلدنا كلها محتاجة إليه؛ نوع جديد لم يتمكن من حب المنصب فيسكت عن الخطأ، ولم تأخذ الأضواء نور بصره فيضحي بكل القيم ليعيش فيها.
وأنا أودعك أيضًا أرجو من الله ألا يحدث مني أو منك ما يجعل ضميرنا يندم على الإقدام عليه، أو يجعلنا صغارًا في أعين أنفسنا.
ويكفي في رأيي ما حققه أهل السوء إلى الآن؛ منذ أن نجحوا فيما تمنوا وفيما كانوا يعتبرونه مستحيلًا. لا أريد أن أطيل عليك، ولكننى أبديت آرائي لك فيما أعتقده أنه المصلحة العامة، وليكن فراقنا بمعروف كما كانت عِشرتنا بالمعروف، والله أسأل أن نختم حياتنا بشرف وكرامة كما بدأناها بشرف وكرامة.
وإنني أدعو لك من كل قلبي بالتوفيق وأتمنى لك الخير، وأدعو إلى أن يوفقك دائمًا في خدمة هذه الأمة.. والسلام".

16 سبتمبر 2026 10:43 ص
14 سبتمبر 2026 11:53 م
14 سبتمبر 2026 12:49 ص
14 سبتمبر 2026 11:05 م
أكثر الكلمات انتشاراً