الخميس، 17 سبتمبر 2026
10:01 ص
لم يعد تركيب كاميرا مراقبة أمام البيت أو المحل أو مدخل العمارة مشهدًا استثنائيًا، الكاميرا أصبحت جزءًا عاديًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ نراها فوق الأبواب، وعلى واجهات المحلات، وفي مداخل العقارات، وأحيانًا أمام شققنا نفسها.
لكن ماذا يحدث عندما تكون الكاميرا التي يفترض أنها وُضعت للحماية، موجهة إلى باب شقة شخص آخر؟
هذا هو السؤال الذي أعاد إلى الواجهة واقعة طبيب في مدينة 6 أكتوبر، حرر محضرًا ضد جاره، متضررًا من تركيب كاميرا مراقبة أمام شقته، وقال إن الكاميرا تسمح بمتابعة وتسجيل حركة الداخلين والخارجين منها.
الواقعة في حد ذاتها لم تصل بعد إلى حكم قضائي، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبار أن المحكمة قالت كذا أو أن تركيب الكاميرا ثبت أنه جريمة.
لكنها تصلح لأن تكون بداية سؤال أكبر بكثير:
هل يملك الإنسان حق مراقبة المكان المحيط ببيته بحجة حمايته؟ وأين ينتهي حقه في تأمين ممتلكاته، وتبدأ خصوصية جاره؟
والإجابة ليست «نعم» أو «لا» ببساطة، لأن الحكاية ليست عن الكاميرا وحدها، وإنما عن المكان الذي تراه، والأشخاص الذين تظهرهم، وما إذا كانت تسجل الصوت، وما يحدث للتسجيل بعد ذلك.
هل الكاميرا نفسها ممنوعة؟ لا.
القانون المصري لا يقول إن وجود كاميرا مراقبة في حد ذاته جريمة.
بل إن الدولة نفسها تستخدم وتفرض استخدام أنظمة المراقبة في بعض الأنشطة. فقانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019 ألزم بعض المحال بتركيب كاميرات مراقبة داخلية وخارجية، وفق الضوابط التي تحددها الجهة المختصة، كما نص على وجود أماكن أو أنشطة يحظر فيها وضع الكاميرات وفقًا للقواعد المنظمة.
إذن نحن أمام مفارقة بسيطة: الكاميرا يمكن أن تكون وسيلة للحماية، لكن طريقة استخدامها قد تحولها إلى وسيلة للتعدي على الخصوصية.. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة.
ماذا تقول المادة 309 مكرر من قانون العقوبات؟
المادة 309 مكرر من قانون العقوبات تتعامل مع الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، ومن بين الصور التي تجرمها التقاط أو نقل صورة شخص في مكان خاص، باستخدام أحد الأجهزة، في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بغير رضا المجني عليه، كما تتناول تسجيل أو نقل المحادثات في الأماكن الخاصة.
وهنا يجب الانتباه إلى كلمة مهمة: «مكان خاص».
فالقانون لا يقول إن كل مكان تلتقطه الكاميرا يصبح تلقائيًا مكانًا خاصًا، كما أنه لا يقول إن كل ما يقع خارج الشقة أصبح مباحًا للتصوير بلا حدود.
وهذا هو الجزء الذي يجعل القضية أكثر تعقيدًا.. فالكاميرا الموجودة على بوابة عقار، والتي تصور مدخل المبنى، ليست بالضرورة مثل كاميرا مركزة على باب شقة بعينها.
والكاميرا التي ترى جزءًا من ممر مشترك ليست بالضرورة مثل كاميرا تستطيع رؤية ما يحدث داخل شقة أو شرفة أو نافذة.
والكاميرا التي تسجل صورة فقط ليست بالضرورة مثل كاميرا تسجل الصورة والصوت معًا.. التفاصيل هي التي تصنع الفارق.
وهل لدينا واقعة قضائية تشبه طبيب أكتوبر؟
نعم، ولدينا واقعة شديدة الصلة.. في يوليو 2024، نشرت «صدى البلد» تفاصيل حكم محكمة جنح مستأنف الغردقة بتأييد حكم بحبس صاحب شركة مقاولات واستثمار عقاري أسبوعًا مع الشغل، في قضية اتهم فيها بالتعدي على حرمة الحياة الخاصة لجاره بعد تركيب كاميرا مراقبة تشرف مباشرة على مسكنه. ووفق ما نشرته الصحيفة، كانت الكاميرا موجهة إلى شقة المجني عليه دون باقي طوابق العقار، واعتبرت النيابة أن تركيبها بهذه الصورة اعتداء على خصوصية أسرة المجني عليه.
هذه الواقعة مهمة لأنها تقدم لنا إجابة عملية، لكنها لا تمنحنا قاعدة تقول إن كل كاميرا أمام باب شقة جريمة.. الفارق أن الحكم ارتبط بوقائع محددة، بينها اتجاه الكاميرا إلى مسكن بعينه.
وهنا يمكن فهم الفكرة بصورة أبسط: ليست المشكلة في أن لديك عينًا تراقب مدخل بيتك، وإنما في أن تجعل هذه العين ثابتة على حياة شخص آخر.
لكن ماذا لو كانت الكاميرا في مكان مشترك؟
هنا ندخل إلى المنطقة الرمادية.. مدخل العمارة ليس غرفة نوم، والممر المشترك ليس داخل الشقة، وباب الشقة ليس شارعًا عامًا، لذلك فإن وصف المكان لا يمكن اختزاله في كلمة واحدة.
هل الكاميرا تصور المدخل كله؟ أم تصور باب شقة بعينه؟
هل يمكنها رؤية الداخل بمجرد فتح الباب؟
هل تستطيع متابعة كل شخص يدخل ويخرج من شقة معينة؟
هل هناك كاميرات أخرى تغطي المكان نفسه؟
وهل الهدف المعلن هو تأمين العقار كله أم مراقبة شخص بعينه؟
كل هذه الأسئلة يمكن أن تكون لها أهمية عند تقييم الواقعة، ولهذا فإن السؤال الأدق ليس: «هل يجوز تركيب كاميرا؟»
وإنما: «إلى أي مدى يجوز للكاميرا أن ترى؟»
وهل الصورة وحدها هي المشكلة؟
ليس بالضرورة.
الكاميرات الحديثة لم تعد مجرد عدسة تسجل صورة وتغلق.
هناك كاميرات تسجل الصوت، وتخزن البيانات لفترات طويلة، وتتيح المشاهدة عن بعد عبر الهاتف، وبعض الأنظمة الحديثة تستطيع تحليل الصور والتعرف على الأشخاص أو تتبع الحركة.
وهنا تدخل القضية في مساحة أوسع: البيانات الشخصية.
فقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 يعتبر البيانات المرتبطة بشخص محدد أو قابل للتحديد ضمن نطاق الحماية، وينظم عمليات جمع البيانات وتسجيلها وتخزينها ومعالجتها ونقلها ونشرها.
والأهم أن اللائحة التنفيذية للقانون صدرت بقرار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رقم 816 لسنة 2025، وهو ما أضاف الإطار التنفيذي للقانون بعد سنوات من صدوره.
لكن حتى هنا لا يصح أن نقول إن كل كاميرا منزلية تعني تلقائيًا مخالفة لقانون حماية البيانات الشخصية؛ فالقانون نفسه يتضمن نطاقات واستثناءات مرتبطة بطبيعة المعالجة واستخدام البيانات، ولذلك يجب النظر إلى كل حالة بحسب ظروفها.
ماذا لو كانت الكاميرا تسجل الصوت أيضًا؟هنا تصبح المسألة أكثر حساسية.
لأن قانون العقوبات لا يتعامل فقط مع التقاط الصور، وإنما يتضمن أيضًا تسجيل أو نقل المحادثات التي تجري في مكان خاص أو عبر الهاتف ضمن الحالات التي تحميها المادة 309 مكرر.
وبالتالي فإن وجود ميكروفون في الكاميرا يفتح سؤالًا قانونيًا مختلفًا عن مجرد تصوير حركة الأشخاص.
قد يكون صاحب العقار يريد معرفة من دخل ومن خرج، لكن هل يمتد هذا الحق إلى سماع ما يقوله هؤلاء الأشخاص؟
هذه ليست بالضرورة المسألة نفسها.. ولهذا فإن أحد الأسئلة التي يجب طرحها على المتخصص القانوني هو: هل يملك شخص حق تأمين المكان المشترك، لكنه لا يملك بالضرورة حق تسجيل الأحاديث التي تدور فيه؟
لماذا نحتاج إلى كل هذه الكاميرات أصلًا؟
لأن للكاميرا وجهًا آخر لا يمكن تجاهله.. ففي السنوات الأخيرة تحولت كاميرات المراقبة إلى شاهد مهم في عدد كبير من الجرائم والحوادث؛ تساعد في تحديد حركة الأشخاص، وتوثيق لحظة وقوع بعض الجرائم، وتتبع السيارات، وتأكيد أو نفي روايات أطراف القضية.
وفي بعض القضايا أصبحت التسجيلات عنصرًا مهمًا في بناء تصور جهات التحقيق لما حدث.. وهنا تصبح الكاميرا أحيانًا حامية للضحية، وأحيانًا حامية لشخص اتُهم بشيء لم يفعله.
لكن هناك قاعدة مهمة: الفيديو ليس الحقيقة وحده، هو دليل يحتاج إلى قراءة سياقه، ومعرفة زاوية التصوير، وجودة الصورة، وما إذا كان التسجيل كاملًا أم مجتزأ، وما إذا كان هناك جزء سابق أو لاحق للواقعة.
فالكاميرا قد تسجل عشر ثوانٍ من حدث استمر ساعة.
والصورة قد تكون واضحة في شيء، وغير واضحة في شيء آخر.. ولهذا فإن وجود «فيديو» لا يعني انتهاء النقاش، وإنما قد يكون بداية لفحص الأدلة.
وإذا كانت الكاميرات بهذا الانتشار.. فكم كاميرا لدينا؟
هنا تظهر مشكلة أخرى: لا توجد، لدينا فقط إحصائية حكومية حديثة تعلن العدد الإجمالي لكاميرات المراقبة العاملة في مصر.
وهذا مهم جدًا؛ لأن بعض الأرقام المنتشرة على الإنترنت تتعامل مع السوق أو الواردات باعتبارها عدد الكاميرات الموجودة بالفعل، وهو أمر غير دقيق.
ففي تحقيق نشرته «مصراوي» استنادًا إلى بيانات مرتبطة بالاستيراد، ظهر رقم يتجاوز 5.1 مليون كاميرا ضمن فئة جمركية محددة خلال عامي 2014 و2015. لكن هذا الرقم لا يعني عدد كاميرات المراقبة الموجودة في مصر، ولا يمثل بالضرورة كل أنواع الكاميرات، وإنما يعكس واردات ضمن تصنيف محدد في تلك الفترة.
هل السوق المصري يستورد كل هذه الكاميرات؟ أيضًا لا، هناك بالفعل تصنيع محلي لكاميرات المراقبة.
ففي 2021 أعلنت الهيئة العربية للتصنيع تشغيل خط لإنتاج كاميرات المراقبة في مصنع الإلكترونيات، وأشارت إلى إنتاج 10 آلاف كاميرا و1500 جهاز تسجيل في المرحلة الأولى، مع خطة للوصول إلى 45 ألف كاميرا و13,050 جهاز تسجيل بنهاية العام.
وفي 2025 ظهرت مشروعات جديدة للتوسع في التصنيع المحلي؛ من بينها مشروع أعلن استثمار 50 مليون جنيه لإنشاء مصنع لإنتاج كاميرات مراقبة ذكية، مع خطة معلنة للوصول إلى طاقة إنتاجية تصل إلى مليوني وحدة سنويًا.
لكن لا ينبغي أيضًا أن نخلط بين الطاقة الإنتاجية المخططة وبين الإنتاج الفعلي أو عدد الكاميرات المستخدمة في مصر.
واللافت أن تقديرات شركات أبحاث السوق لحجم سوق كاميرات المراقبة في مصر تختلف بصورة كبيرة؛ فبعض التقارير قدرت السوق بمئات الملايين من الدولارات، مع توقعات بنموه خلال السنوات المقبلة. والاختلاف بين هذه التقديرات يرجع جزئيًا إلى اختلاف تعريف السوق: هل يشمل الكاميرات فقط؟ أم أجهزة التسجيل؟ أم البرمجيات؟ أم خدمات التركيب والحلول الأمنية؟
إذن حتى السوق نفسه يقول لنا شيئًا واضحًا: الكاميرا لم تعد منتجًا هامشيًا. إنها صناعة تتوسع، فهل زيادة الكاميرات تعني زيادة الأمان؟ قد تعني ذلك، لكنها لا تضمنه وحدها.
وجود كاميرا قد يردع بعض الجرائم، وقد يساعد بعد وقوعها في الوصول إلى الحقيقة، لكن الكاميرا لا تمنع كل جريمة، ولا تستطيع وحدها أن تفسر كل ما تراه، والأهم أن زيادة عدد الكاميرات تعني بالضرورة زيادة كمية الصور والبيانات التي يتم جمعها.
وهنا يظهر سؤال جديد:
من يحمي البيانات التي تجمعها الكاميرات؟ من يحتفظ بالتسجيلات؟ ولمدة كم؟ ومن يستطيع مشاهدتها؟ وهل تظل داخل الجهاز الموجود في العقار، أم تنتقل إلى خادم إلكتروني أو تطبيق على الهاتف؟ وماذا يحدث إذا تم تسريبها؟
هذه الأسئلة لم تكن موجودة بهذه القوة عندما كانت الكاميرا مجرد جهاز يسجل شريطًا داخل محل.
أما اليوم، فالكاميرا قد تكون متصلة بالإنترنت، وقد يكون صاحبها قادرًا على مشاهدة منزله من هاتفه وهو في مكان آخر.
وهذا يعني أن عين الكاميرا قد لا تتوقف عند الحائط الذي ثبتت عليه، وماذا لو تحولت الكاميرا من وسيلة حماية إلى وسيلة مراقبة؟
هنا نعود إلى طبيب أكتوبر، فالرجل لم يقل ببساطة: «جاري وضع كاميرا».
بل كانت شكواه من أن الكاميرا مقابلة لباب شقته، بما يسمح - بحسب ما ورد في المحضر الذي تناولته التقارير - بمتابعة حركة الدخول والخروج.
وهذه النقطة هي التي تجعل الواقعة أكبر من مجرد خلاف بين جارين.. لأن هناك فرقًا بين: أن تراقب بيتك، وبين أن تجعل بيت جارك جزءًا من مجال مراقبتك.
فرقًا بين كاميرا تلتقط من يقف أمام بوابة العقار، وكاميرا تحفظ لك سجلًا يوميًا لمن يدخل شقة بعينها، وفرقًا بين أن تكون الكاميرا جزءًا من نظام أمني يخدم مجموعة من السكان، وأن تكون موجهة بشكل انتقائي إلى شخص واحد.
وهذا الفارق هو الذي يجعل حكم الغردقة في 2024 مهمًا عند قراءة واقعة أكتوبر 2026.
إذن.. أين تنتهي الحماية وتبدأ الخصوصية؟
ربما لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل كاميرا.
لكن يمكن وضع أسئلة بسيطة قبل تركيبها:
هل الكاميرا تصور ملكي أم مساحة تخص الآخرين؟
هل أحتاج فعلًا إلى هذه الزاوية؟
هل أستطيع تأمين المكان دون توجيه العدسة إلى باب جار بعينه؟
هل الكاميرا تسجل الصوت؟ وهل هناك ضرورة لذلك؟
من يستطيع الوصول إلى التسجيلات؟
كم من الوقت أحتفظ بها؟
وهل يتم نشرها أو إرسالها إلى أشخاص آخرين؟
كلما ابتعدنا عن حماية المكان الخاص بصاحب الكاميرا، واقتربنا من تتبع حياة الآخرين، أصبحت الحاجة إلى التبرير والضوابط أكبر.
وفي النهاية، لا تبدو المشكلة في أن نعيش في مدينة ترى فيها الكاميرات ما يحدث حولها.
المشكلة تبدأ عندما ننسى أن الذين تظهرهم الكاميرا ليسوا مجرد صور على شاشة، وإنما أشخاص لهم حياة وخصوصية وحقوق.
فالأمن يحتاج إلى عين.. لكن الخصوصية تحتاج إلى جدار، والسؤال الحقيقي ليس: هل نضع الكاميرات أم نزيلها؟ السؤال هو: أين نضع العين.. وأين نرسم الجدار؟
09 سبتمبر 2026 03:32 م
أكثر الكلمات انتشاراً