الخميس، 17 سبتمبر 2026
10:35 ص
في زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلى المواطن في ثوانٍ، لم يعد التجاهل حلًا، ولم يعد الصمت قادرًا على إغلاق باب الجدل.
وعندما يكون هناك قرار أو ملف يمس حياة المواطنين بشكل مباشر، فإن من حق الناس أن تفهم، ومن واجب المسؤول أن يشرح، وأن يستمع، وأن يناقش، وأن يحاول إقناع المجتمع بوجهة نظره بالأدلة والمعلومات وليس بمجرد إصدار القرار.
وهنا تظهر أهمية الحوار المجتمعي باعتباره ليس رفاهية ولا وسيلة لامتصاص الغضب، وإنما أصبح إحدى أدوات الإدارة الحديثة وصناعة القرار الرشيد.
فالمسؤول الناجح ليس فقط مَن يمتلك القرار، وإنما مَن يستطيع أن يشرح لماذا اتخذ هذا القرار، وما المشكلة التي يحاول علاجها، وما البدائل التي تمت دراستها، وما النتائج المتوقعة، وكيف سيتم التعامل مع المخاوف والآثار الجانبية.
وقد رأينا في الفترة الأخيرة نموذجًا مهمًا عندما خرج وزير التربية والتعليم في مؤتمر صحفي ليوضح ويناقش ويرد على التساؤلات المتعلقة بملفات التعليم، بعيدًا عن الاكتفاء ببيانات مقتضبة أو ترك مساحة الشائعات والتفسيرات غير الدقيقة لتتحدث نيابة عن الوزارة.
وهذه الطريقة في التواصل تستحق أن تصبح ثقافة عمل حكومية وليست مجرد رد فعل على أزمة أو جدل مجتمعي.
فإذا كان لدى وزارة ما ملف يثير تساؤلات المواطنين، فلماذا لا يخرج المسؤول المختص إلى مؤتمر صحفي واضح؟
لماذا لا تكون هناك لقاءات دورية مع الإعلام والصحافة لعرض الحقائق كاملة؟
لماذا لا يتم الاستماع إلى الأسر والطلاب والمعلمين والمتخصصين وأصحاب المصلحة الحقيقيين في أي ملف يمس حياتهم؟
ولماذا لا تتحول بعض القرارات الكبرى إلى مساحة للحوار قبل وأثناء وبعد التنفيذ؟
الحوار لا يعني أن يتنازل المسؤول عن صلاحياته، ولا يعني أن يصبح القرار رهينًا لرأي الشارع، وإنما يعني أن القرار يُشرح ويُناقش ويُختبر مجتمعيًا، وأن المسؤول يمتلك الشجاعة للاستماع إلى النقد كما يمتلك الشجاعة لاتخاذ القرار.
وفي المقابل، على المجتمع أيضًا مسؤولية؛ فالحوار الحقيقي لا يقوم على الهجوم أو التجريح أو تصفية الحسابات، وإنما على السؤال والفهم والنقد الموضوعي وتقديم البدائل.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل من ثقافة: “صدر القرار وعلى الجميع التنفيذ” إلى ثقافة:
“هذا هو القرار.. وهذه أسبابه.. وهذه أهدافه.. وهذه نتائج الدراسات التي بُني عليها.. وهذه مخاوفكم التي نستمع إليها.. وهذه آليات التعامل معها".
هذه اللغة لا تضعف هيبة الدولة، بل على العكس تمامًا، إنها تزيد الثقة في مؤسساتها.
فالمواطن عندما يشعر بأن المسؤول يواجهه بالحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة صعبةً، يكون أكثر قدرةً على التفهم والمساندة.
أما ترك الناس أمام معلومات ناقصة، وشائعات، وتأويلات، وصفحات التواصل الاجتماعي، فيخلق فجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وقد تتحول هذه الفجوة مع الوقت إلى أزمة ثقة كان من الممكن تجنبها بكلمة واضحة وحوار صادق.
ولذلك نحن لا نحتاج فقط إلى متحدث رسمي ينقل ما تم اتخاذه من قرارات، وإنما نحتاج إلى مسؤولين قادرين على التواصل والإقناع وإدارة الحوار.
نحتاج إلى مؤتمرات صحفية حقيقية، ولقاءات مع الإعلام، وحوارات مع الأسر، ولقاءات مع الشباب، والاستماع إلى المتخصصين، وفتح قنوات واضحة لتلقي الأسئلة والرد عليها.
والأهم أن يكون الحوار قبل القرار في الملفات التي تسمح طبيعتها بذلك، وليس دائمًا بعد أن يصبح الجدل واقعًا.
فالمشاركة المجتمعية لا تعني أن يضع المواطن القرار بدلًا من المسؤول، وإنما تعني أن يكون المواطن حاضرًا في فهم القرار، وأن يشعر بأن صوته مسموع وأن مخاوفه محل اعتبار.
إن الدولة القوية ليست الدولة التي لا يُناقش فيها المسؤول، وإنما الدولة التي يستطيع فيها المسؤول أن يقف أمام الناس ويقول بكل ثقة:
هذه رؤيتي، وهذه أسبابها، وهذه الأدلة التي استندت إليها، وأنا مستعد أن أسمعكم وأجيب عن أسئلتكم.
وفي النهاية، ربما يكون أهم ما نحتاجه اليوم هو أن ندرك أن إدارة الأزمات تبدأ أحيانًا قبل وقوع الأزمة، بكلمة واضحة وحوار صادق ومعلومة تصل إلى الناس من مصدرها الصحيح.
فالتجاهل قد يؤجل المشكلة، لكنه لا يحلها.
والصمت قد يمنح المسؤول بعض الوقت، لكنه يترك مساحة واسعة للشائعات.
أما الحوار، فقد لا يجعل الجميع متفقين، لكنه يجعل الجميع أكثر فهمًا.
وليس مطلوبًا من المسؤول أن يُقنع كل الناس برأيه، فهذا أمر قد يكون مستحيلًا، لكن المطلوب أن يمنح الناس فرصة حقيقية لفهمه، ومناقشته، ومعرفة لماذا اتُخذ القرار.
وهنا تحديدًا يصبح الحوار المجتمعي ليس مجرد حديث أمام الكاميرات، وإنما جزءًا من الحوكمة الرشيدة وصناعة القرار وبناء الثقة بين الدولة والمواطن.
26 أغسطس 2026 06:35 م
19 أغسطس 2026 06:10 م
13 أغسطس 2026 11:06 ص
05 أغسطس 2026 03:20 م
أكثر الكلمات انتشاراً