الجمعة، 18 سبتمبر 2026
04:09 م
ما فعلته الصين في منشآت أولمبياد بكين 2008، ثم في تشونغلي خلال أولمبياد بكين الشتوي 2022، يقدم تجربة لافتة في كيفية الاستفادة من المنشآت الرياضية بعد انتهاء المنافسات، ففي الوقت الذي تحولت فيه منشآت أولمبية في دول عدة، أنفقت عليها مليارات الدولارات، إلى مبان مهجورة أو أعباء مالية، عملت الصين على تحويل منشآتها إلى أصول اقتصادية واجتماعية وثقافية مستدامة.
في سبتمبر، زرت أحد أهم مواقع أولمبياد بكين الشتوي 2022 في تشونغلي بمقاطعة خبي المتاخمة لبكين، كان المكان خاليا من الثلوج التي تغطي الجبال خلال فصل الشتاء وحتى مايو، ولم تكن المدرجات تستقبل منافسات رياضية، لكن الموقع كان نابضا بالحياة.

في المركز الوطني للقفز التزلجي، المعروف باسم "سنو رويي"، جلست أحتسي مشروب القهوة في ثمرة فلفل ملونة ومجوفة. شربت القهوة ثم أكلت ثمرة الفلفل نفسها.
المشروب في حد ذاته، رغم طرافته، ليس هو القصة، وإنما الرحلة التي قطعتها الثمرة من حقول محلية في المنطقة إلى قمة المنشأة الأولمبية، وما ترمز إليه هذه التجربة، فالفكرة بسيطة، وتقوم على ربط الفلفل، باعتباره ثمرة مرتبطة بالزراعة، بالسياحة والثقافة والتجارة، لتصبح المنشأة الأولمبية بوابة إلى اقتصاد محلي جديد.

الفكرة نفسها رأيتها بوضوح بعد انتهاء أولمبياد بكين 2008. ففي بكين، تحولت المنطقة التي تقع فيها المنشآت الأولمبية إلى منطقة سكنية، وأصبحت المنطقة المحيطة بها جزءا من الحديقة الأولمبية الغابية المفتوحة للرياضة والتنزه والاستجمام.
ويقطع المنطقة شارع كرنفالي مفعم بالعروض والأنشطة الثقافية ليلا، تنتشر حوله أكشاك ذكية لبيع المنتجات المختلفة، بينما تظهر في الأسفل المولات التجارية الحديثة.
أما "عش الطائر"، الاستاد الوطني الأيقوني، فتحول إلى معلم سياحي وثقافي يستضيف المباريات والحفلات والفعاليات الكبرى، مع فتح أجزاء منه أمام الزوار. وأتذكر أنني حضرت فيه مؤتمر حوار الحضارات الآسيوية في مايو 2019.
وقد شهد هذا الحدث توظيفا استثنائيا للاستاد، عكس كيف تحول من منشأة رياضية محددة الوظيفة إلى منصة عالمية للتبادل الثقافي والدبلوماسية العامة للصين. وحضر الرئيس الصيني شي جين بينغ وقادة وممثلو الدول الآسيوية الكرنفال الضخم الذي أقيم فيه، وتضمن عروضا غنائية وراقصة وتكنولوجية شارك فيها فنانون من مختلف دول القارة، تحت شعار تعزيز التبادل الحضاري والمستقبل المشترك.
وبعد 14 عاما، عاد الاستاد إلى قلب المشهد الأولمبي باستضافته مراسم افتتاح وختام أولمبياد بكين الشتوي 2022.

وفي "المكعب المائي" القريب، تحولت منشأة السباحة التي استضافت منافسات أولمبياد 2008 إلى "المكعب الجليدي" لاستضافة منافسات الكيرلنغ خلال أولمبياد بكين الشتوي 2022، مع إمكانية العودة إلى وظيفتها المائية وإضافة أنشطة ترفيهية ورياضية للجمهور يوميا.
وبالنسبة إلى الصين، لم يتعلق الأمر بالحفاظ على مبان باهظة التكلفة فحسب، وإنما بمنحها أدوارا متجددة تضمن استمرار قيمتها وتحقيق فوائد مجتمعية واقتصادية وثقافية مستدامة.
في تشونغلي، البلدة الجبلية الساحرة التابعة لمدينة تشانغجياكو، امتد مفهوم إعادة الاستخدام إلى الاقتصاد المحيط بالمواقع الأولمبية. فبعد أن كانت المنطقة الجبلية تعتمد تقليديا على فصل الشتاء، جرى تطوير المنشآت والمناطق المحيطة بها لتصبح وجهات سياحية تعمل طوال الفصول الأربعة.
وفي "سنو رويي"، أعيد تطوير أجزاء من الموقع لتضم مرافق للمؤتمرات والمطاعم والمنتجات الثقافية والإبداعية والتخييم. كما تحولت قمته فوق الجبل، التي تبلغ مساحتها 4100 متر مربع، إلى مساحة متعددة الاستخدامات تضم مطاعم ومقاهي وأماكن للعروض الثقافية والمنتجات المحلية.
وأضيفت كذلك وسائل لمشاهدة الجبال، وأصبحت الفعاليات الثقافية والحفلات والأنشطة الخارجية جزءا من تجربة المكان.

وفي منتجع "تاي وو" المجاور، الذي كان ينشط خلال الشتاء في الأنشطة الجليدية، تحولت المنحدرات صيفا إلى مسارات للدراجات والمشي وتسلق الجبال، إلى جانب أنشطة المغامرات والقوارب والتلفريك والحفلات والأسواق.
وتربط المنتجات المحلية، ومنها قهوة الفلفل، الموقع بالقرى والمزارع والخدمات، فتمنحه امتدادا يتجاوز حدوده ويعزز استفادة المجتمع المحلي المحيط.
فعندما يزور أحد الموقع الأولمبي حاليا، فإنه لا يكتفي بالمنشأة نفسها، بل يستخدم الفنادق والمطاعم الأجنبية والصينية ووسائل النقل والمتاجر، وقد يشتري منتجا زراعيا محليا أو يجرب طعاما جديدا، وبذلك تمتد حركة الزوار إلى الأعمال والخدمات والمجتمعات المحيطة.
وفي هذه السلسلة، تلتقي الرياضة بالزراعة والسياحة والثقافة والتجارة، ويتحول الموقع الأولمبي إلى حلقة وصل بين قطاعات متعددة.
_1755_141515.jpeg)
تقدم التجربة الصينية درسا أساسيا في أن نجاح المنشأة الرياضية لا يقاس بما تؤديه أثناء المنافسات فقط، وإنما بقدرتها على خدمة السكان والاقتصاد المحلي بعد انتهائها.
ومن بكين 2008 إلى بكين 2022، مرورا بتشونغلي، بدت المنشآت الأولمبية في الصين أصولا قابلة للتطوير، لا مشروعات تنتهي بانطفاء الشعلة. فالمبنى يمكن أن يصبح مسكنا، والملعب معلما ثقافيا، وحوض السباحة حلبة جليد، والجبل وجهة سياحية صيفا وشتاء.
10 سبتمبر 2026 06:38 م
01 سبتمبر 2026 12:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً