الإثنين، 21 سبتمبر 2026
01:24 ص
بقلم: طارق العوضي
يخطئ من يقرأ التاريخ بعين النتيجة وحدها. فمن نظر إلى ما جرى في سوريا فظنه صيغة قابلة للنقل. إنما التقط الثمرة وأغفل الشجرة. وقرأ الحدث وأسقط الشروط التي صنعته.
وهذا هو الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي وقعت فيه جماعات التطرف والعنف. إذ أسال لعابها ما رأته هناك فتوهمت أن موازين القوة في مصر يمكن أن تتبدل بالفوضى والسلاح واقتناص لحظات الاضطراب. وهي في ذلك لم تفهم سوريا ولم تعرف مصر.
فسوريا ليست نموذجاً جاهزاً للتكرار وإنما حالة لا تفهم إلا بشروطها:
حرب امتدت أربعة عشر عاماً وسلطة تفتتت بين تشكيلات مسلحة وتدخلات خارجية حولت الأرض إلى ساحة لتصفية الإرادات ومجتمع انقلبت فيه خطوط الانقسام الطائفي والعرقي والجغرافي إلى خطوط نار.
ولا تزال الأمم المتحدة تصف المرحلة الراهنة بأنها انتقال بالغ التعقيد تتعثر فيه إعادة بناء سلطة الدولة ويصعب فيه توحيد السلاح وإدماجه في مؤسسات وطنية واحدة وتحتفظ فيه جماعات مسلحة بدرجات من السيطرة والنفوذ خارج البناء المركزي.
فإذا كان هذا هو المآل بعد أربعة عشر عاماً.. فأي بضاعة يعرضها من يريد استيرادها؟ وهل يستورد عاقل مأساة ثم يسميها فرصة؟
ومصر لا تملك شيئاً من تلك الشروط؛ إنها دولة مركزية ضاربة الجذور، تشكلت عبر قرون حول وادٍ واحد وسلطة واحدة . حتى صار حضور الدولة في وعي المصري أقرب إلى المعطى الطبيعي منه إلى الخيار السياسي.
ليس فيها كانتونات طائفية أو عرقية تنتظر من يفتح لها باب الانفصال ولا أقاليم طرفية يسهل أن تتحول إلى إمارات. ولا جماعة وطنية تقوم على تنازع الشرعية.
وعاصمتها مركز الثقل السياسي والإداري والثقافي معاً ومؤسساتها راسخة في بنية المجتمع لا معلقة فوقه. وهذه عوامل لم تصنعها لحظة ولا سلطة وإنما صنعتها قرون من الاجتماع السياسي ولا تمحوها شعارات تستعار ولا مقاطع تبث.
على أن الدولة - على رسوخها - ليست وحدها ما أخطأ هؤلاء في قراءته . فالمجتمع أعمق منها. لقد ظنوا أن الغضب السياسي يتحول بيسر إلى قبول بالعنف، وأن الخصومة مع الحكومات تعني استعداداً لحمل السلاح . وأن لحظة اضطراب تكفي لانهيار دولة.
وهي حسابات تكذبها طبيعة المجتمع المصري نفسه، فقد يشتد خلاف المصريين حول الحكومات والرؤساء والأحزاب والسياسات لكن بين الخلاف والاقتتال هوة لا يعبرونها بسهولة، فالعنف لا يعيش بلا بيئة والبيئة هي ما يفتقده المراهنون هنا.
ولذلك يجب أن يبقى الخط الفاصل واضحاً لا تطمسه المزايدات. فالمعارضة حق والاختلاف حق والاحتجاج السلمي حق والنقد حق . ومن أراد تغيير الواقع السياسي فأمامه الكلمة والتنظيم والعمل العام والانتخابات والقانون. والفارق بين هذا كله وبين العنف ليس فارقاً في درجة الغضب وإنما في الغاية والوسيلة معاً: المعارضة تسعى إلى إقناع المجتمع أما السلاح فيسعى إلى إخضاعه .. الأولى تحتاج إلى جمهور . والثاني يحتاج إلى رهائن.
فإذا صارت الأداة تنظيمات مسلحة واغتيالات وتفجيرات واستهدافاً للشرطة والجيش والمدنيين فلم نعد أمام خصومة مع سياسة أو حكومة وإنما أمام مشروع يصطدم بالمجتمع نفسه لأنه أول من يدفع فاتورته من أمنه ومعاشه واستقراره.
فليسأل المراهنون على السيناريو السوري أنفسهم: أين البيئة التي تسمح؟ أين الانقسامات التي تصلح وقوداً لجبهات مسلحة؟ أين الأقاليم التي تتحول إلى إمارات؟ أين البنية الاجتماعية التي تحتضن مراكز قوى مسلحة مستقلة عن الدولة؟ وأين الشعب الذي يقبل أن تصير بلاده ساحة حرب؟ إنها ليست أسئلة عاطفية . بل أسئلة في بنية الدولة والمجتمع.
وجوابها ماثل في التجربة الحية .. فقد نجحت الدولة بمزيج من المواجهة الأمنية والتنمية في شمال سيناء في القضاء بدرجة كبيرة على النشاط الإرهابي هناك. ولا يعني ذلك أن الإرهاب انتهى إلى الأبد ولا أن مصر بمنأى عن المخاطر الأمنية لكنه يعني ما هو أهم: أن محاولات تحويلها إلى ساحة مفتوحة للجماعات المسلحة لم تبلغ ما أراده أصحابها.
ولا يمكن فصل هذا الوهم عن الحملة الإعلامية المسعورة التي رافقت التحولات السورية ووجهت بوصلتها نحو مصر.
فما أن تبدلت المشاهد هناك حتى انطلقت منابر وحسابات وقنوات كثير منها يبث من الخارج تقدم ما جرى في دمشق بوصفه بروفة لما ينبغي أن يجري في القاهرة وتنتزع الحدث من السياق الذي صنعه لتزرعه في سياق آخر لا يشبهه في شيء.
وهي حملة لا تكتفي بالنقد - وهو حق مشروع - وإنما تنتقل من نقد السياسات إلى صناعة صورة لدولة على شفا الانهيار: تضخم الأزمات وتقتطع الوقائع وتروج للشائعات وتعيد تدوير المقاطع خارج سياقاتها.
تلح في كل مناسبة على رسالة واحدة: أن مصر تسير على الطريق ذاته. ومنطقها منطق إدارة الإدراك: أن يسبق الوهم الواقع وأن يقتنع الناس بحتمية السقوط قبل أن يقع شيء لأن الهزيمة التي تصنع في الوعي أرخص كلفة من تلك التي تحتاج إلى سلاح، فغايتها ليست إقناع المصريين بموقف سياسي وإنما زعزعة ثقتهم بدولتهم وبأنفسهم وضرب الرابطة بين المجتمع ومؤسساته ودفعه إلى اليأس أو إلى الفوضى. ولذلك فإن ما يقال عن سوريا في هذه الحملة هو مادة تعبئة قبل أن يكون تحليلاً . وبضاعة تروج قبل أن تفهم.
وتجد هذه الحملة أرضها الخصبة في قراءة مصر من وراء الشاشات، فالفضاء الافتراضي يضخم الصوت العالي ويخفي الصامت . والصامت هو الأغلبية . فيظن من يقيم في الخارج أن ضجيج المنصات ميزان للمجتمع وأن الغضب الافتراضي إرادة شعبية وأن التفاعل تفويض وأن الحشد المنظم رأي عام.
ويرى سقوطاً سياسياً في بلد آخر فيحسب أن الدول كلها تسقط على مثال واحد. ومصر لا تقرأ من «إكس» ولا من غرف البث المباشر ولا من بيانات التنظيمات الهاربة ولا من مقاطع صممت لإشعال المشاعر.
مصر تقرأ من تاريخها ومن مدنها وقراها ومن مؤسساتها ومن علاقتها العميقة بفكرة الدولة ومن ذلك المصري البسيط الذي قد يشكو من ألف شيء لكنه إذا أحس أن بلده مهددة بأن تصير ساحة حرب تتغير حساباته كلها.
ومن هنا أقول لمن يراهن على تكرار سوريا في مصر: أنتم لا تعرفون مصر. قد تختلفون مع النظام وقد تنتقدون الدولة وقد تعارضون سياساتها وكل ذلك يدخل في المجال السياسي المشروع.
لكن مصر ليست حقل تجارب لتنظيم مسلح ولا نسخة من دولة أخرى ولن تصير كذلك لأن جماعة من السياسيين أو المتطرفين قررت أن تكتب السيناريو من الخارج.
فالتاريخ لا يعيد نفسه بهذه البساطة لكل دولة ظروفها ولكل شعب طبيعته ولكل مجتمع ذاكرته. وقد دفعت سوريا ثمناً رهيباً وما زالت أمامها مهمة شاقة في إعادة بناء الدولة وتوحيد السلاح واستعادة الثقة بين مكوناتها.
أما مصر فلها طريقها - وقد نختلف حوله - وقد نطالب بتغييره وننتقد ونحاسب ونعارض. لكن الفرق شاسع بين من يريد تغيير مصر ومن يريد هدمها ليعيد بناءها على أنقاضها: الأولى سياسة والثانية مغامرة لن يدفع ثمنها أصحابها وحدهم.
فاقرأوا مصر أولاً: تاريخها وشعبها وطبيعة دولتها ..
ثم أعيدوا حساباتكم فمن لم يقرأ مصر جيداً أخطأ الحساب قبل أن يبدأ.
أكثر الكلمات انتشاراً