الجمعة، 25 سبتمبر 2026
11:55 م
يقولون إن الحب يشبه الزلزال، وأظن أن التشبيه أقرب إلى الحقيقة مما نتخيل؛ فالزلزال لا يستأذن أحدًا قبل أن يأتي، ولا يمنحك فرصة لترتب بيتك من الداخل قبل أن يهتز. وكذلك الحب.. يأتي أحيانًا في اللحظة التي لا نكون فيها مستعدين له، فيغير ترتيب أشياء كثيرة كنا نظن أنها ثابتة في حياتنا.
فجأة يصبح لشخص واحد حضور مختلف عن الجميع، وتصبح كلمة منه قادرة على أن تغيّر مزاج يوم كامل، ويبدأ العقل الذي كان يخطط لكل شيء في اكتشاف منطقة لا تخضع كثيرًا للتخطيط. يتغير النوم، وتتغير الأولويات، وتصبح التفاصيل الصغيرة ذات معنى كبير، وكأن القلب اكتشف فجأة لغة جديدة لم يكن يعرف أنه يجيدها.
الرجل حين يحب قد يكتشف في داخله مساحة لم يكن يسمح لأحد بالاقتراب منها. قد يبدو أكثر قوة وثباتًا أمام الناس، لكنه أمام المرأة التي أحبها يصبح أكثر حساسية تجاه نظرتها، ونبرة صوتها، ورضاها أو حزنها. ليس لأنه فقد قوته، وإنما لأن الحب يجعل الإنسان يهتم برأي شخص بعينه أكثر مما يهتم برأي العالم كله.
والمرأة أيضًا، مهما بدت مكتفية بذاتها وقادرة على إدارة حياتها، قد يجعلها الحب أكثر انكشافًا على مشاعرها. تصبح التفاصيل التي كانت تمر عليها عابرة ذات قيمة، وتبدأ في البحث عن الأمان قبل الكلام الجميل، وعن الحضور الحقيقي خلف الوعود. لأنها لا تريد فقط رجلًا يقول لها إنه يحبها، وإنما تريد أن تشعر أن هذا الحب مكان يمكنها أن تطمئن داخله.
لكن المشكلة ليست في أن الحب يهزنا.. المشكلة في الشخص الذي تأتي معه هذه الهزة.
فليس كل من حرّك قلبك يستحق أن يسكنه، وليس كل شعور قوي دليلًا على أن صاحبه هو الشخص الصحيح. أحيانًا نخلط بين شدة الشعور وصحة الاختيار، فنظن أن الحب الذي جعلنا نفكر في شخص طوال الوقت هو بالضرورة الحب الذي يجب أن نتمسك به، بينما قد يكون بعض هذا الانشغال ناتجًا عن القلق، أو الانتظار، أو الخوف من الفقد، أو محاولة الحصول على شيء لا يمنحه الطرف الآخر بسهولة.
وهنا يصبح الحب أشبه بزلزال مؤلم؛ يهز الإنسان، لكنه لا يبني له بيتًا.
الحب الخطأ لا يؤلم لأننا أحببنا فقط، وإنما لأننا وضعنا جزءًا من أنفسنا في المكان الذي لم يعرف كيف يحافظ عليه. ولهذا يكون الفراق أحيانًا أكبر من مجرد غياب شخص؛ يكون غياب نسخة من أنفسنا كنا نعيشها معه. نفقد عادات، وأحلامًا، وتوقعات، وصورة رسمناها للمستقبل، وربما نفقد ثقتنا في قدرتنا على الاختيار.
الرجل قد يخرج من علاقة مؤلمة وهو يقول لنفسه إنه لن يفتح قلبه مرة أخرى، لا لأنه لم يعد قادرًا على الحب، وإنما لأنه أصبح يخاف من الثمن الذي دفعه عندما أحب. والمرأة قد تفعل الشيء نفسه؛ تبني حول قلبها حواجز تبدو من الخارج قوة، بينما هي في الحقيقة محاولة لحماية جزء لا يزال يتذكر الوجع.
لكن الإنسان لا يتعلم من الحب فقط كيف يحب… أحيانًا يتعلم منه كيف يختار.
وهنا تظهر قيمة النصيب بمعناه الأجمل. ليس النصيب أن نعتبر كل علاقة قدرًا يجب أن نتحمل أذاه، ولا أن نمنح الخطأ قداسة لمجرد أنه حدث لنا. النصيب في أجمل معانيه هو أن يلتقي ما نشعر به مع ما يصلح لنا، وأن نجد في الشخص الذي نحبه شيئًا من الطمأنينة التي يحتاجها القلب كي يستمر.
فما أجمل أن تحب شخصًا ولا تضطر معه إلى خوض معركة دائمة لإثبات أنك تستحق الحب.
أن يكون الرجل مع امرأة يستطيع أمامها أن يكون قويًا دون أن يخجل من ضعفه، وأن يشعر أنها لا تختصر قيمته فيما يقدمه ماديًا، ولا تقيس رجولته بعدد ما يستطيع أن يمنحه. وأن تكون المرأة مع رجل يرى قيمتها فيما هي، لا فيما تستطيع أن تفعله من أجله، ويمنحها شعورًا بأنها شريكة في حياته وليست مجرد إضافة إليها.
الحب الحقيقي لا يلغي الاختلاف بين الرجل والمرأة، لكنه يجعل الاختلاف مساحة للتكامل لا ساحة للصراع.
وأجمل ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يجد شخصًا لا يحتاج معه إلى أن يمثل نسخة أفضل من نفسه طوال الوقت. شخصًا يستطيع أن يراه في لحظات نجاحه وضعفه، في هدوئه وغضبه، في قوته وارتباكه، ثم يظل قادرًا على رؤيته بعين المحبة والاحترام.
ذلك هو الفارق بين الحب الذي يهدم والحب الذي يبني.
فالحب ليس مجرد دقات قلب متسارعة، ولا شوقًا لا يهدأ، ولا خوفًا من أن يذهب الآخر. الحب الأعمق هو أن تشعر أن وجود هذا الإنسان في حياتك لا يسلبك نفسك، بل يساعدك على أن تكون أكثر صدقًا معها.
وقد يكون أجمل ما في الحب أن يصل بك في النهاية إلى حالة من السكينة؛ أن تتوقف عن سؤال نفسك: هل يحبني؟ هل سيبقى؟ هل أنا كافية له؟ هل أنا مهم بالنسبة إليها؟ لأن أفعاله تصبح أوضح من الأسئلة، وحضوره أكثر طمأنينة من كل الإجابات.
وهنا أفهم لماذا أشبه الحب بالزلزال بالضبط.
الحب بييجي فجأة، من غير إنذار ولا استعداد.
لا يعطيك دائمًا فرصة لتستعد له أو تقول لنفسك: الآن أنا جاهز لأن أحب. قد تكون منشغلًا بحياتك، مرتبًا أولوياتك، مقتنعًا أنك تعرف تمامًا ماذا تريد، ثم يظهر شخص واحد، فتكتشف أن القلب لديه خرائط أخرى لا يعرفها العقل.
والحب بيهز كل حاجة.
أفكارك، روتينك، قلبك، وحتى نومك. يعيد ترتيب اهتمامك بالأشياء، ويجعلك ترى تفاصيل لم تكن تراها، ويمنح شخصًا واحدًا مساحة من تفكيرك لم يكن يشغلها أحد من قبل.
والحب بيغير خريطة حياتك.
فبعد الحب، وخصوصًا الحب العميق، لا تعود أنت الشخص نفسه تمامًا. قد تتغير رؤيتك للمستقبل، وللاحتياج، وللأمان، وحتى لفكرة الشراكة نفسها. لأن هناك أشخاصًا لا يدخلون حياتنا ليكونوا جزءًا منها فقط، وإنما يغيرون الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة.
والحب صعب وموجع، لأنه بيكسر وبيبني في نفس الوقت.
يكسر أشياء قديمة فينا، غرورًا، خوفًا، قسوة، أو اعتقادًا أننا لا نحتاج أحدًا… وفي المقابل يبني قدرة جديدة على العطاء، والاحتواء، والاهتمام، والاشتياق، وربما يجعلنا أكثر إنسانية.
الفرق أن الزلزال يهدم البيوت… أما الحب فيهدم بعض القلوب ويبني قلوبًا جديدة.
لكن ماذا يحدث عندما يكون هذا الزلزال مع الشخص الخطأ؟
هنا يكون الوجع مضاعفًا؛ لأن الهزة لا تنتهي بانتهاء العلاقة، وإنما قد تترك شرخًا في الداخل لا يُغلق بسهولة. شرخًا يجعل الرجل أكثر خوفًا من الاقتراب، والمرأة أكثر حذرًا من التسليم، ويجعل الاثنين أحيانًا يحملان تجربة قديمة إلى علاقة جديدة لم تكن سببًا فيها.
ولهذا ليس كل حب جميلًا لمجرد أنه حب، وليس كل هزة تستحق أن نحتفظ بآثارها.
أجمل الحب هو الذي يهزك دون أن يحطمك، يغيرك دون أن يلغي شخصيتك، يجعلك أكثر قربًا من نفسك لا أكثر ابتعادًا عنها. هو الذي يجعلك تشعر أن قلبك لم يخطئ حين اختار، وأن خوفك القديم كان يستحق أن يهدأ أمام هذا الإنسان.
ولذلك، قد نحب أشخاصًا كثيرين في حياتنا، لكن ليس كل من أحببناه كان صالحًا لأن يكون نصيبًا.
وقد يأتي شخص واحد، فيجعلنا نفهم أن أجمل ما في الحب ليس أن تجد من يشعل قلبك فقط، وإنما أن تجد من يستطيع أن يحافظ على هذا القلب بعد أن يشتعل.
أن يلتقي الحب بالنصيب، والشوق بالطمأنينة، والانجذاب بالأمان، وأن تشعر في النهاية أن كل تلك الهزات التي مررت بها لم تكن لتسقطك… وإنما كانت تقودك إلى المكان الذي يشبهك.
وما أجمل قلبًا أحبَّ نصيبه .وما أجمل نصيبٍ أحبَّ قلبه.
18 سبتمبر 2026 08:50 ص
04 سبتمبر 2026 08:45 ص
28 أغسطس 2026 10:35 ص
21 أغسطس 2026 11:06 ص
أكثر الكلمات انتشاراً