الإثنين، 28 سبتمبر 2026

12:07 ص

الإثنين، 28 سبتمبر 2026

12:07 ص

سامي عبدالراضي يكتب: هذا ما كتبته عن مذبحة بني مزار.. ولا أملك اليقين هل المتهم بريء أم مدان؟ والحقيقة يعلمها الضحايا وقاتلهم.. أو قاتليهم

محمد علي عبداللطيف المتهم في مذبحة بني مزار

محمد علي عبداللطيف المتهم في مذبحة بني مزار

وقعت مذبحة بني مزار في المنيا فجر اليوم الأخير من عام 2005، وقت الجريمة كنت أعمل في بيتنا الكبير “المصري اليوم”، وسافرت لعزبة "شمس الدين" والتقيت أهلها وتجولت في شوارعها ونقلت منهم وعنهم الكثير، تاريخيًا وجغرافيًا، وكذلك تفاصيل الجريمة.

وهذا ما كتبته في 3 يناير 2006 بعد أيام من المذبحة:

عزبة شمس الدين التي شهدت المذبحة واحدة من 15 عزبة، تابعة لتقسيم «أبوجرج»، والعزبة مجموعة من المنازل لا يزيد ارتفاعها على طابقين، تضم بين جدرانها قرابة 8 آلاف نسمة، بينهم 100 موظف فقط، والعزبة أنشأها شمس الدين باشا قبل 100 عام، وهو أحد أبناء الأتراك الذين حضروا لمصر أثناء الحكم العثماني.

العزبة أو القرية ــ كما يحلو أن يسميها أهلها ــ تحيط بها عزبة الدكتور عبدالرازق من الشمال وعزبة زكي باشا عبدالرازق من الشرق وعزبة العرب من الغرب، بينما تتكفل ترعة «إبشير» بمحاصرتها طوليًا من الجنوب، ويصل بين العزبة وطريق مصر ــ أسيوط الزراعي طريق يبلغ طوله نحو كيلو و700 متر ويفصلها قرابة 2 كيلو ونصف الكيلو عن مدينة بني مزار شمالا.

الرعب يسيطر على الأهالي

سيطر الخوف والرعب والدهشة والحيرة والحزن على الأهالي ووقفوا أمام منازلهم يبحثون عن جديد منذ ارتكاب المذبحة، الأحاديث الجانبية والجماعية، لا تتوقف عن الأمن والأمان الذي فقدته القرية، وأصبح كل 30 من أبناء القرية، ينامون في غرفة واحدة داخل المنزل، ويغلقون على أنفسهم، الأطفال لا ينامون منذ وقوع الحادث، والساعات القليلة التي يخطفونها من النوم، تكون على مرأي ومسمع من الأب أو رب الأسرة، الذي يحمل عصا خشبية بين يديه، يسمونها «دُقلة» ويطلق أصواتًا كل لحظة، ويدخل في نوبة كحة، حتى يشعر أبناؤه وأقاربه بالأمان، عدا ذلك يصرخ الجميع في هيستيريا ويستيقظون من نومهم مذعورين.

حبيب-العادلي_2836_164504
حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق

منطقة البلد

القرية بها شارعان رئيسيان، الأول مدخل لها ويربطها بالعزب المجاورة وطريق مصر ــ أسيوط، في حين يتوسط الثاني منازل القرية ويسمي شارع الجسر، وهو الذي شهد المذبحة البشعة فجر الخميس الماضي (31 ديسمبر 2005)، منازل القرية تتركز بالقرب من الشارعين ويطلق عليها الأهالي منطقة «البلد»، بينما تتناثر على بعد مئات الأمتار منازل من طابق واحد في «الخلاء» وسط الزراعات، والمنازل الأخيرة هجرها الأهالي بعد الحادث وانطلقوا إلي أقاربهم في قلب القرية خوفًا من تكرار المذبحة.

ركوب الحمير

4 مساجد فقط أقرب للزوايا، تضمها القرية، يتوجه إليها الشباب والعواجيز والنساء، عند سماعهم صوت الأذان، وعلى الرغم من أن عدد سكان القرية أو العزبة نحو 8 آلاف نسمة فإنه لا توجد فيها مدارس ويتوجه التلاميذ إلي مدينة بني مزار المكتظة بالمدارس، ويقطع التلميذ مسافة 4 كيلو مترات على قدميه، فلا يوجد سائق سيارة أجرة يوافق أن يركب التلاميذ معه، خوفًا من سقوط أحدهم ويتعرض للمساءلة، ويستخدم الموظفون من أبناء القرية «الدراجات» كوسيلة مواصلات تنقلهم إلي عملهم، وبعيدًا عن التعليم، فالمرضى من الأهالي يضطرون لركوب «الحمير» والانتقال بها إلى المدينة، فقريتهم، ليس بها طبيب ولا مستشفى.

حجازي أحمد «53 سنة» وكيل مدرسة بني مزار، هو أول من حصل على مؤهل جامعي، وتخرج في كلية التربية عام «1976»، ووصل عدد الحاصلين على مؤهل عال، قرابة 30 شخصا فقط، ويكتفي الباقون بالحصول على الدبلوم ويبحثون عن فرصة عمل في الزراعة، أو يسافر بعضهم إلى القاهرة ومحافظات الوجه البحري بحثا عن رزق جديد، يرد به الجميل لوالده الذي عانى كثيرًا معه ومع أشقائه، في الوقت نفسه، يخرج البعض منهم من المدرسة في المرحلة الابتدائية ليساعد والده في الزراعات.

قانون العلاقة بين المالك والمستأجر

فمن يتوقف هناك عن العمل ليوم واحد، في الزراعات، لا يجد ما يأكله نهاية اليوم، الأهالي جميعًا، يمتلكون فقط 60 فدانًا، بعد أن استرد ملاك الأراضي من «الباشوات» أراضيهم منذ سنوات بعد الإعلان عن قانون العلاقة بين المالك والمستأجر، وهو الأمر الذي زاد من أهالي القرية «فقرا»، نساء القرية يخرجن للعمل في الزراعات طوال اليوم، مقابل 10 جنيهات يوميا، البعض منهن يعمل في «جني» المحاصيل أو يحمل الخضروات والفاكهة من المزارع الموجودة في القري والمراكز المجاورة ومنها سمالوط ومطاي جنوبا ومغاغة شمالا.

البقرة أو الجاموسة، هي الثروة التي يمتلكها كل منزل في القرية، ويطلقون عليها «السعية»، فمن خلالها ينفقون على أنفسهم، وتنتظر المرأة، سوق الأربعاء، التي تقام في قرية أبوجرج، لتبيع هناك «الجبن القريش» والسمن البلدي، وتشتري «اللحمة» وبعض الخضروات القليلة التي تكفي أبناءها وزوجها، واللحمة، كما يقول أحمد رجب أحمد «27 سنة» حاصل على دبلوم: تدخل منزل الموظفين 3 أو 4 مرات شهريا، وتكون بكميات قليلة جدا، لا تتعدى كيلو واحد كل أسبوع، بينما يدخلها الباقون مرة واحدة شهريًا، وربما يمر الشهر دون شراء «اللحمة» والاكتفاء فقط بذبح بعض الطيور، التي يقتنيها قليل من المزارعين في منازلهم.

التجارة بعيدة عن الأهالي، فهم لا يجدون ما يبيعونه، وتبقى محل البقالة الصغيرة، الذي يبيع الشاي والسكر والطماطم ونوعين فقط من الفاكهة هما اليوسفي والبرتقال، هي المنتشرة في طرقات القرية الضيقة، والأهالي هناك لا يستطيعون ممارسة مهنة الصيد، فالنيل يبعد عنهم قرابة 4 كيلومترات شرقا، ولا يستطيعون الذهاب إليه مباشرة، لكنهم يستخدمون كوبري بني مزار الموجود بالمدينة، الذي يطيل المسافة إلى 8 كيلو مترات أما الترعة الوحيدة في القرية، فلا يجرؤ الأهالي على الاقتراب منها، حيث أتى إليهم شخص من قرية مجاورة، يخبرهم بأنه استأجر الترعة هذا العام ويحذرهم من استعمال المياه أو الصيد.

الأمان المفقود

خفير واحد يدعي «طلعت إبراهيم» ــ مات قبل 7 سنوات ــ كان يملأ القرية «أمانا» وطمأنينة، فهو ــ كما يؤكد حسن طلعت عبدالوهاب ــ كان يتجول طوال الليل بين شوارع القرية، يطلق صوته الجهوري «مين هناك»، كلما شاهد غريبًا في الشارع، ولا يتردد في أن يستوقف سيارة أجرة أو ملاكي تدخل في ساعة متأخرة، وكان في أوقات كثيرة يحذر الأهالي من احتمالية وقوع سرقة، فيخرج البعض منهم سلاحه الناري ويطلق النيران بعشوائية، ليؤكد للصوص، أنهم واقفون بالمرصاد.. لكن بعد وفاة عم طلعت، اختلف الأمر، واختفى الخفير من الطرقات وبدأ اللصوص يعرفون طريقهم إلى منازل القرية لسرقة الجاموس والبقر.. ثروة القرية الوحيدة، الشاب قال: نتمنى شيئًا واحدًا في العام الجديد.. نتمنى فقط الوصول إلى «خط الفقر»!

Screenshot 2026-09-27 162011_2836_164116
المتهم يقوم بتمثيل الجريمة

الطب الشرعي

هذا ما  كتبته  منذ 20 عاماً والحقيقة رغم نشري نص التحقيقات منفرداً بها في المصري اليوم عام 2006 ، إلا أنني لا أملك اليقين الذي يمكنني القول:" محمد بريء ..أو محمد مدان ".. ولكن ما قاله رجال الطب الشرعي يومها في التحقيقات ونشرناه:" هذه جريمة منظمة.. ولا يمكن لشخص واحد أن يرتكبها.. كما أن الشخص المريض نفسياً يؤذي نفسه وغيره.. ومحمد يومها لم يصبه خدشاً واحداً.. لا من تسلق جدران 3 منازل ولا قتل 10 ضحايا من 3 عائلات في ليلة شتوية قاسية البرودة ".

والحقيقة أيضاً أنه لا يمكنني القول بأن محمد بريء.. فوالده قال في التحقيقات:" ليلة الجريمة رجعنا من الغيط كان عندنا “سقية”.. واتعشينا ونمنا الساعة 10 ونص.. والفجر لقيت ابني مختار بيزعق.. يا أبا.. مش إنت نبهت محمد ميخرجش من البيت.. أهوه محمد خرج والباب موارب.. إذًا محمد كان خارج منزلهم وقت الجريمة.. أين كان وماذا فعل في تلك الساعات التي كان فيها خارج المنزل في وقت تزامن مع ارتكاب الجريمة؟!.

2836152191579420260927043200320
محمد علي عبداللطيف المتهم في مذبحة بني مزار 


غموض مستمر وجريمة لا تزال تحتفظ بأسرارها حتى كتابة هذه السطور.. رحم الله الأستاذ طه ووالدته.. ورحم محمود سيد وزوجته وولديه ورحم الأستاذ يحيى وزوجته وطفليه.. الحقيقة يعلمها الله.. ويعلمها بعض الضحايا ودفنت معهم ويعلمها قاتلهم ..أو قاتليهم.

اقرأ أيضًا:

سامي عبدالراضي يكتب :"مذبحة بني مزار.. الغموض مستمر".. هذه الأقوال الكاملة لـ"بطل الواقعة

search