السبت، 03 أكتوبر 2026

03:28 م

السبت، 03 أكتوبر 2026

03:28 م

في عهد تمكين المرأة.. متى نرى "امرأة" تترأس الحكومة المصرية؟

الحكاية يا صديقي ليست مجرد خبر عابر قرأته في الصفحة الأولى، ثم طويت الجريدة لتبحث عن صفحة الرياضة أو حظك اليوم.. الحكاية في جوهرها مشهد يستحق أن نتوقف أمامه بكثير من التأمل، وقليل جداً من السخرية! ففي المغرب، حدث ما كان يبدو إلى وقت قريب واحداً من تلك الاحتمالات التي تصلح للندوات أكثر مما تصلح للأخبار؛ استقبل الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري، وعينها رئيسة للحكومة بعد أن تصدر حزبها الأصالة والمعاصر الانتخابات التشريعية.

وهكذا، بقرار أملته الديمقراطية واستحقاق صندوق الانتخابات، أصبحت المنصوري أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ البلاد، هكذا بكل بساطة.. لم تسقط السماء! ولم تتوقف عقارب الساعة! ولم يخرج أحد ليعلن أن قوانين الطبيعة قد اختلت لأن امرأة أصبحت تجلس على رأس مائدة مجلس الوزراء!

فاطمة الزهراء لم تهبط على المقعد بـ "الباراشوت"، ولم يُستدعى اسمها لإكمال صورة تذكارية؛ بل هي محامية خاضت معارك الشارع السياسي، ترأست بلديات كبرى، ودخلت الوزارة، وصعدت في حزبها درجة درجة حتى وصلت.. أي إن الحكاية ليست حكاية امرأة جلست على كرسي رجل، بل حكاية استحقاق ومسار سياسي كامل.

وهنا.. تحط الطائرة في القاهرة، ويصبح السؤال أكثر حرارة وشغفاً: وماذا عن مصر؟
إذا كان البعض في الماضي يتعلل بالخطوات البطئية أو بالخوف من كسر النمط السائد، فإن الواقع المصري في السنوات الأخيرة يرفع رأسه بأسئلة مختلفة تماماً؛ نحن نعيش في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي مرحلة فارقة يُطلق عليها الجميع "العصر الذهبي للمرأة المصرية"، ولستُ هنا بصدد إطلاق شعارات براقة، بل بصدد قراءة "دفتر الأرقام والحقائق" الذي لا يكذب ولا يجامل؛ فالرئيس السيسي اقتحم ملفات في تمكين المرأة كانت في عهود سابقة تُصنف في خانة "المستحيلات الإدارية والسياسية"!

من كان يصدق، قبل سنوات قليلة، أن تجلس القاضية المصرية على منصة "مجلس الدولة" وتعتلي منصة "النيابة العامة"؟ كان هذا مجرد حلم بعيد تكتب فيه المقالات وتعقد حوله المؤتمرات دون نتيجة، حتى جاء القرار السياسي الشجاع وكسر الحظر التاريخي، وحول المستحيل إلى واقع طبيعي نراه كل يوم.

ومن كان يتخيل أن يصل تمثيل المرأة في البرلمان المصري إلى أرقام غير مسبوقة؟ اليوم تجلس أكثر من 160 نائبة تحت قبة مجلس النواب بنسبة تتجاوز 27% من إجمالي المقاعد، إلى جانب عشرات السيدات في مجلس الشيوخ، ناهيك عن التعديلات الدستورية التي حصنت للمرأة كوتا ثابتة لا تقل عن ربع مقاعد النيابة النيابية.

أما في مجلس الوزراء، فقد رأينا السيدات يتولين أعتى وأثقل الحقائب الوزارية؛ من التخطيط والتعاون الدولي إلى البيئة والتنمية المحلية والثقافة.. وزراء بـ "التاء المربوطة" أداروا أزمات معقدة بكفاءة وحزم يحترمهما الجميع.

وهنا يحق لنا أن نطرح السؤال التالي: إذا كان الرئيس السيسي قد فتح الأبواب التي أُغلقت لقرون، وكسر القواعد التي ظن البعض أنها من مقدسات السياسة، وجعل من مشاركة المرأة في السلطتين التشريعية والقضائية والفرعية حقيقة ناجحة.. فما المانع إذن أن نرى "سيدة" تُكلف برئاسة مجلس الوزراء لأول مرة في تاريخ مصر؟
ما الذي يمنع؟ هل نخشى على "هيبة الكرسي"؟ الطريف أن المرأة المصرية بالتحديد تمارس يومياً تدريباً شاقاً في فن الإدارة لا تمنحه أعرق كليات الاقتصاد في العالم!

خذ مثلاً ميزانية البيت المصري؛ دخل ثابت يتحدى أسعاراً تملك هواية القفز السريع، ومصاريف مدارس، وفواتير، ومواكب طوارئ لا تتوقف.. ثم تجلس السيدة المصرية أمام هذه المعادلة المستحيلة لتفعل ما يعجز عنه خبراء البنك الدولي: تجعل الميزانية تعبر إلى آخر الشهر بنجاح! كيف تفعلها؟ هذا سر من أسرار الدولة العليا لا يجوز إفشاؤه!
إن المرأة التي تدير "وزارة مالية البيت" بنجاح وسط كل هذه التقلبات، لن تعجز عن إدارة جدول أعمال حكومة، أو متابعة مشروعات قومية وهي التي أثبتت كفاءتها في كل موقع أُسند إليها؛ فالمسألة لم تعد مجرد "أمنية لطيفة" نغلفها بأغاني الأم وموال "يا أمه يا حنونة" في المناسبات؛ فالسياسة عمل وإنجاز وقدرة، والتجربة أثبتت أن الإرادة السياسية في مصر لا تخشى التغيير الجريء إذا كان في صالح الوطن.

أثبتت تجربة المغرب أن الأفكار التي نتصورها بعيدة، تصبح في صباح عادي خبراً طبيعياً نطلع عليه في صحف الصباح.. وأن العالم لا يتوقف لأن امرأة تولت المسكوب السياسي الأول. ومصر، التي كانت دائماً صانعة التاريخ ورائدة التنوير، جاهزة بوعيها وكفاءاتها النسائية لهذه الخطوة.

مبروك لأشقائنا في المغرب هذه الخطوة المستحقة.. وفي انتظار اليوم الذي نرى فيه "فاطمة المصرية" تصدر القرارات من مقر الحكومة في العاصمة الإدارية، لنكتشف وقتها جميعاً أن القرار الذي ظنناه جداراً عازلاً، لم يكن إلا باباً نسينا أن ندفعه للأمام!

search