الإثنين، 02 نوفمبر 2026
11:56 ص
بحكم السن، لم أكن من الجيل الذي تفتح وعيه على الجملة الأثيرة "تصحبكم في هذه السهرة إيناس جوهر"، فلم أعاصر تلك الأيام التي كان فيها الراديو هو نافذة الخيال الأولى وصانع الوجدان؛ لكنني، وأنا أقلب مؤخراً في صفحات "السوشيال ميديا" المزدحمة بالضجيج والعبث، استوقفني فجأة بودكاست للكاتب الصحفي والإعلامي الكبير عبد اللطيف المناوي، يستضيف فيه الإذاعية الكبيرة إيناس جوهر.
توقفت طويلاً أمام الشاشة؛ سحرتني طريقة الحوار، ورقي الكلمة، وذلك الحضور الطاغي الذي لا يفتعله صاحبه، انتبهت إلى ثباتها الانفعالي، وعمقها الثقافي المذهل، وكيف تخرج الكلمات من بين شفتيها بميزان من ذهب، وهنا أدركت على الفور أنني أمام "الأستاذة".. وأقول "الأستاذة" هنا وأعنيها تماماً؛ لأنها أستاذة بحق في مجالها، مدرسة تمشي على قدمين، لم تفقد بريقها أو هيبتها رغم تبدل الأزمنة واختلاف الأجيال.
هذا اللقاء الراقي الذي انتشلني من زحام الإنترنت، جعلني ألتفت بحسرة إلى ما نعانيه اليوم في مشهدنا الإعلامي، أدير مؤشر الراديو أو أتنقل بين شاشات الفضائيات، فلا أجد تلك الألفة ولا ذلك الاحترام للعقل، بل أجد ضجيجاً يفتقر إلى المعنى. لقد انزلقنا، بأسى شديد، إلى عصر "تأجير الهواء" لمن يملك ثمنه؛ فالميكروفون، الذي كان يوماً منبراً للكبار وصانعاً للثقافة المصرية، أصبح معروضاً في مزاد علني. من يملك تكلفة "شراء الهواء" يخرج علينا ليوزع السطحية والجهل، في ظاهرة كارثية لا تصنع إعلاماً، بل تغتال الوعي وتنسف الذوق العام، لقد جلس أشباه الإعلاميين على مقاعد الرواد، يتحدثون في كل شيء بثقة الجاهل، وهم في الحقيقة لا يعرفون أي شيء!
أمام هذا العبث، قفز إلى ذهني سؤال منطقي؛ لماذا إذن لم يعد لدينا إيناس جوهر أخرى؟ الإجابة ببساطة هي أن المناخ الذي صنع "الأستاذة" وأبناء جيلها قد تبدل، فالمواهب الحقيقية لا تنمو في أرض مسممة بالاستسهال، إيناس جوهر هي ابنة ثقافة موسوعية، وجهد، وتدريب شاق، ومجتمع كان يمتلك مصفاة دقيقة تفرز الغث من السمين. أما الآن، فقد انقلبت معايير الاختيار؛ لم تعد الموهبة والثقافة والقبول هي المقياس، بل مدى قدرة هذا "المذيع" على جلب الإعلانات، أو مهارته في الصراخ وافتعال الأزمات وركوب "التريند"، لقد تراجع الوعي الثقافي لحساب "البيزنس"، فاختفت الأصوات الحقيقية وسط الزحام المفتعل.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً؛ لدينا ثروة قومية اسمها إيناس جوهر، لا تزال بيننا بكامل تألقها وخبرتها وحضورها الذي يخطف العين والأذن، فلماذا نتركها في مقاعد المتفرجين؟ لماذا لا تتحول هذه الخبرة الطويلة والفريدة إلى مدرسة حقيقية لتأهيل المذيعات والإعلاميات الجدد؟ إن صناعة الإعلامي لا تأتي فقط من قاعات المحاضرات النظرية، بل من الاحتكاك المباشر بالرواد وتشرب المهنة من منابعها الصافية، لو أننا نملك رؤية حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من وعي هذا الجيل، لكانت "الأستاذة" الآن على رأس أكاديمية لتخريج الأصوات التي تحترم المشاهد والمستمع، لتعلمهن كيف يكون الحوار فناً، وكيف يكون التحضير احتراماً للذات، وكيف أن الكلمة أمانة قبل أن تكون مجرد وظيفة.
الشاشات قد تزيد لمعاناً، والميكروفونات قد تتعدد أشكالها وتتطور تقنياتها، لكن ما يبقى في وجدان الناس هو الصدق وحده، فالإعلام ليس سلعة تُباع وتُشترى لمن يدفع أكثر، بل هو رسالة وعي وحارس لوجدان الأمة، وإذا أردنا حقاً أن نستعيد عافيتنا الثقافية، علينا أن نعود إلى الجذور، وأن نبحث عن الأصوات التي تبني العقول لا التي تخدرها، وأن نستثمر في علم روادنا.. قبل أن نختنق تماماً في هذا "الهواء" الفاسد.
19 أكتوبر 2026 10:11 ص
03 أكتوبر 2026 12:20 م
15 سبتمبر 2026 08:21 ص
23 أغسطس 2026 06:33 م
أكثر الكلمات انتشاراً