حمزة عبد الكريم ومعضلة الإدارة في مصر
حمزة عبد الكريم يعيش اليوم حلماً كبيراً، كان بالأمس لاعباً ناشئاً في النادي الأهلي ينتظر الفرصة، وأصبح اليوم لاعباً داخل منظومة برشلونة، أحد أكبر أندية أوروبا، وبدأ يطرق باب الفريق الأول؛ رأت فيه إدارة النادي الإسباني موهبة تستحق التجربة والمتابعة، فهي لم تشتر لاعباً مشهوراً، ولم تنتظر حتى يصبح نجماً؛ كل ما فعلته أنها رأت لاعباً صغيراً وقالت: ربما يكون في هذا الشاب شيء يستحق أن نمنحه فرصة.
لكن قصة حمزة ليست مجرد قصة لاعب مصري وصل إلى برشلونة، بل هي قصة بلد كامل لا تنقصه المواهب، وإنما تنقصه أحياناً العين التي ترى هذه المواهب، فكان من الممكن جداً أن يستمر حمزة في الأهلي، وأن يظل سنوات بين فريق الناشئين ومقاعد بدلاء الفريق الأول. ثم تقول الإدارة إنه يحتاج إلى الخبرة، فتتم إعارته إلى أحد أندية الدرجة الثانية، أو إلى نادي يصارع في مؤخرة الجدول، وبعد موسم أو موسمين يعود اللاعب، فلا يتذكره أحد، ثم نعلن في هدوء أنه لم يثبت نفسه، مع أن أحداً لم يمنحه فرصة حقيقية ليثبت أي شيء.
ليس العيب في هذه الأندية الصغيرة، بل في الطريقة التي نستخدم بها الإعارة، فقد تكون الإعارة خطة لتطوير اللاعب، وقد تكون أحياناً وسيلة مهذبة "لتطفيشه"، والفرق بين الحالتين هو الإدارة.
وليس المقصود هنا اتهام الأهلي؛ فالأهلي هو الذي كون اللاعب وفتح له الباب الأول، فالقضية أكبر من نادٍ، فهي طريقة إدارة تتكرر في الملعب والجامعة والمكتب والمصنع؛ فبرشلونة لم يصنع موهبة حمزة؛ فالموهبة كانت موجودة هنا؛ قدماه لم تتغيرا، وسرعته لم تولد فجأة، وقدرته على تسجيل الأهداف لم تهبط عليه فوق البحر المتوسط.
فما الذي تغير؟
تغيرت العين التي نظرت إليه؛ فالعين الخبيرة لا تكتفي بأن ترى الموهبة، بل تعرف ماذا تفعل بها بعد أن تراها، وهذه ليست مشكلة كرة القدم وحدها، بل مشكلة تمتد إلى كل المجالات في مصر. كم باحثاً موهوباً ترك الجامعة لأنه لم يجد أستاذاً يؤمن به؟ وكم مهندساً يملك فكرة جيدة، لكن مديره فضل عليها فكرة ابن أحد المسؤولين؟ وكم موظفاً كان أكثر كفاءة من رئيسه، فكانت كفاءته سبباً في تعطيله بدلاً من ترقيته؟ وكم فناناً ظل يسمع أنه لا يصلح، حتى نجح خارج مصر، فاكتشفنا جميعاً أنه موهوب؟
في بلادنا، الموهبة وحدها لا تكفي دائماً، فصاحب الموهبة يحتاج إلى باب يُفتح له، وغالباً لا يُفتح هذا الباب لمن يستحق، بل لمن يعرف صاحبه؛ فيجب أن تكون موهوباً، وأن يعرفك الشخص المناسب، أو يعرف والدك الشخص المناسب، أو يعرف الشخص المناسب شخصاً آخر يستطيع أن يفتح لك الطريق، وبعد أن تنتهي هذه السلسلة الطويلة من المعارف، قد يأتي دور الكفاءة، إذا بقي لها مكان.
وهنا لا تعود المشكلة مجرد إهمال موهبة أو سوء تقدير شخص، بل تصبح طريقة كاملة لاختيار الناس، تقوم على القرب لا القدرة، وعلى العلاقات لا الاستحقاق، وقد اختصر المصريون هذه الطريقة كلها في كلمة واحدة "الكوسة"، والكوسة لا تعني فقط أن شخصاً غير مناسب حصل على وظيفة أو فرصة لا يستحقها؛ فهذه هي الخسارة الصغيرة. أما الخسارة الأكبر فهي أن شخصاً مناسباً حُرم من مكانه، وأن موهبة حقيقية ضاعت لأن صاحبها لم يعرف الشخص المناسب.
حين يدخل لاعب ضعيف إلى الملعب بالواسطة، لا تكون المشكلة أنه لعب فقط، بل إن لاعباً موهوباً ظل جالساً على مقاعد البدلاء، وحين يحصل موظف متوسط على منصب بسبب علاقاته، لا تكون المشكلة في راتبه وحده، بل في أن موظفاً أفضل منه قد يفقد الأمل ويغادر.
فالواسطة لا تضع الشخص الخطأ في المكان الصحيح فقط، بل تطرد الشخص الصحيح من المكان كله.
وهنا تظهر معضلة الإدارة في مصر؛ فأنها كثيراً ما تختار من تعرفه، لا من تعرف قدرته، فالمدير الضعيف يحب الموظف المطيع أكثر من الموظف الموهوب، والمدرب الخائف يفضل اللاعب المضمون، حتى لو كان متوسط المستوي، على ناشئ قد يخطئ اليوم ويصبح نجماً غداً، والمسؤول يريد شخصاً لا يسبب له المشكلات، حتى لو كان هذا الشخص لا يحل أي مشكلة.
الموهبة بطبيعتها تحتاج إلى من يثق بها قبل أن تثبت نفسها، لكننا نطالب الشاب بأن يثبت نفسه قبل أن نمنحه الفرصة، ثم نحرمه من الفرصة لأنه لم يثبت نفسه، فهي دائرة إدارية محكمة، لا يخرج منها إلا من يملك واسطة قوية، أو حظاً أقوى، أو جواز سفر يخرجه إلى مكان آخر.
وعندما ينجح في الخارج، نحتفل به، ونقول إنه ابن مصر، ونضع صورته في الصحف، ونتحدث عن عبقرية الإنسان المصري، لكننا ننسى السؤال الحقيقي: لماذا لم نر موهبته إلا بعد أن رآها غيرنا؟
حمزة عبد الكريم ليس أول موهبة مصرية تكتشفها عين أجنبية، ولن يكون الأخير، وربما ينجح في برشلونة، وربما يتعثر، فالموهبة لا تعني ضمان النجاح، لكن تجربته تضع أمامنا حقيقة واضحة: مصر لا تعاني من قلة المواهب، بل من قلة العيون الخبيرة، ومن كثرة الأبواب التي لا تفتح إلا بـ "الكوسة". فحمزة كان أمامنا طوال الوقت، لكننا احتجنا إلى برشلونة كي نراه
الأكثر قراءة
-
"فنشته زي جون سينا".. الأمن يفحص فيديو لتعدي عدد من الأشخاص على شاب وزوجته
-
"لأعلى سعر".. مصريات يلجأن إلى صفقة "زواج المتعة العابر" برعاية الأهل والسماسرة (تحقيق)
-
مشاهدة مباراة الأهلي والشرقية إنبي في الدوري اليوم لحظة بلحظة
-
مشاهدة محمد صلاح.. بث مباشر مباراة طرابزون وباشاك شهير مجاني لحظة بلحظة
-
شاهد هدف محمد صلاح أمام إسطنبول باشاكشهير في الدوري التركي
-
مفاجآت في واقعة التلاعب بنتائج إعدادية أسيوط 2024-2025.. 3 شهادات مختلفة للطالب الواحد
-
بعد هزيمة إنتر ميامي أمام تورونتو.. ميسي يدخل في مشادة مع الحكم (فيديو)
-
مع اقتراب الدراسة.. تفاصيل قروض التعليم في 6 بنوك
مقالات ذات صلة
مجدي عبد الغني.. فكرة لا تموت
14 يوليو 2026 06:42 م
قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان.. هل نمنح المجلس أنيابه؟
30 يونيو 2026 10:02 ص
إذا كان القطاع الخاص يخلق الوظائف.. فلماذا نزاحمه؟
21 يونيو 2026 10:39 ص
اجتماع القاهرة من وقف الموت إلى ترتيب الحياة في غزة
11 يونيو 2026 10:28 ص
أكثر الكلمات انتشاراً