الخميس، 11 يونيو 2026

09:51 م

اجتماع القاهرة من وقف الموت إلى ترتيب الحياة في غزة

لم تكن القاهرة في ملف غزة مجرد مكان للاجتماع، فهي، بحكم الجغرافيا والتاريخ، واحدة من المدن القليلة التي لا تستطيع أن تتفرج على ما يجري في القطاع كأنه خبر خارجي، فغزة ليست بعيدة عن مصر، لا بالمسافة ولا بالأمن ولا بالذاكرة. لذلك، كل اجتماع يعقد في القاهرة حول غزة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره جولة تفاوض عادية، أو محاولة جديدة لإنتاج بيان دبلوماسي يرضي الأطراف ثم يذوب في الهواء؛ ما يجري أكبر من ذلك، فهو محاولة للإجابة عن سؤال لم يعد ممكناً الهروب منه: ماذا بعد الحرب؟

الحرب حين تطول لا تترك خلفها ضحايا وركاماً فقط، بل تترك فراغاً سياسياً، والفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فارغاً طويلاً، إذا لم تملأه دولة، ملأته جماعة، وإذا لم تنظمه تسوية، نظمته الفوضى، وإذا لم يدخل إليه العقل، دخل إليه السلاح. من هنا تأتي أهمية اجتماع القاهرة، فهو لا يبحث فقط في وقف إطلاق النار، بل في المعنى العملي لهذا الوقف، هل هو استراحة بين جولتين من الحرب؟ أم بداية مسار جديد يمنع تكرار المأساة؟

الفرق كبير بين أن تسكت المدافع، وأن تولد تسوية، فالهدنة قد توقف الموت مؤقتاً، لكنها لا تصنع حياة، قد تمنح الناس فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تعيد بيتاً، ولا تفتح مدرسة، ولا تبني مستشفى، ولا تطمئن طفلاً نام طويلاً على صوت القصف. لذلك، فإن أخطر ما في ملف غزة اليوم ليس فقط حجم الدمار، بل خطر أن يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد إدارة بطيئة للكارثة، لا نهاية حقيقية لها.

القاهرة تدرك ذلك جيداً؛ فمصر تعرف أن غزة ليست ملفاً إنسانياً فقط، رغم أن البعد الإنساني فيها صار صارخاً إلى حد لا يحتاج إلى شرح، وتعرف أيضاً أنها ليست ملفاً فلسطينياً داخلياً فقط، لأن ما يحدث في القطاع يضغط على الأمن المصري، وعلى معبر رفح، وعلى سيناء، وعلى صورة النظام الإقليمي كله. ولذلك تتحرك القاهرة في مساحة ضيقة جداً: تريد وقف الحرب، وتريد دخول المساعدات، وتريد منع التهجير، وتريد الحفاظ على الأمن، وتريد أن تبقى القضية الفلسطينية قضية سياسية لا مجرد أزمة إغاثة. وهنا تكمن الصعوبة.

وهنا تبرز أهمية الدور المصري، لا باعتباره دور وسيط يبحث عن صورة دبلوماسية، بل باعتباره دور دولة تعرف أن ما يجري في غزة يمس أمنها القومي مباشرة، فمصر ليست طرفاً بعيداً يستضيف المفاوضات ثم يغلق الملف. هي الجار الأكثر التصاقاً بغزة، والبوابة العربية الأهم للقطاع، والدولة التي تدرك أن أي فوضى طويلة هناك لن تبقى داخل حدود غزة وحدها. 

لذلك تبدو القاهرة، في هذا الملف، كمن يحاول منع ثلاثة أخطار في وقت واحد: استمرار الحرب، وفرض التهجير، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية وطن وحقوق إلى مشكلة إنسانية مؤقتة تُدار بالمساعدات، ومن هنا لا تأتي أهمية مصر من قدرتها على جمع الأطراف فقط، بل من قدرتها على تذكير الجميع بأن وقف النار لا يكفي إذا لم يتحول إلى مسار سياسي يحفظ الأرض والناس معاً.

فكل طرف يدخل إلى اجتماع القاهرة ومعه تعريف مختلف للمشكلة؛ الفلسطيني يريد وقفاً حقيقياً للحرب وفتحاً للممرات وإعادة للحياة، إسرائيل تريد ضمانات أمنية تمنع تكرار ما تعتبره تهديداً مباشراً، حماس تريد أن تخرج من الحرب دون أن تبدو كأنها سلمت كل أوراقها، والسلطة الفلسطينية تريد دوراً في اليوم التالي لكنها تعاني أزمة ثقة ونفوذ، أما الوسطاء يريدون اتفاقاً قابلاً للتطبيق، لا اتفاقاً جميلاً على الورق. بينما أهل غزة، وهم الطرف الأكثر دفعاً للثمن والأقل حضوراً على الطاولة، فيريدون شيئاً أبسط من كل هذه الحسابات: أن يعيشوا.

هنا تظهر مأساة السياسة حين تجلس فوق الركام، فالقضية ليست فقط من يحكم غزة بعد الحرب، بل أي غزة ستبقى أصلاً لكي تُحكم؟ هل نتحدث عن إدارة قطاع مدمر، أم عن إعادة بناء حياة؟ هل المطلوب حكومة تكنوقراط تدير المعابر والمساعدات، أم مشروع سياسي يعيد وصل غزة بالضفة وبالقضية الفلسطينية كلها؟ هل يمكن بناء أمن حقيقي فوق شعور جماعي بالظلم؟ وهل يمكن مطالبة الناس بالهدوء قبل أن يروا عدالة، أو على الأقل أملاً في عدالة؟

اجتماع القاهرة مهم لأنه يضع هذه الأسئلة على الطاولة، حتى لو حاولت البيانات الرسمية أن تستخدم لغة أكثر هدوءاً، فالمرحلة الثانية من أي اتفاق ليست مرحلة إجرائية فقط، بل هي المرحلة التي يظهر فيها الخلاف الحقيقي. فالمرحلة الأولى عادة تتعامل مع وقف النار، تبادل الأسرى، إدخال المساعدات، وترتيبات عاجلة. أما المرحلة الثانية فتسأل عن السلطة والسلاح والحدود والضمانات والإعمار، أي أنها تنتقل من وقف الموت إلى ترتيب الحياة. وهذه، في الشرق الأوسط، أصعب مراحل السياسة.

ولذلك لا ينبغي أن نخدع أنفسنا، فالطريق من اجتماع القاهرة إلى استقرار غزة لن يكون قصيراً ولا سهلاً، لأن غزة لم تعد مجرد أرض تحتاج إلى إعمار، بل صارت اختباراً للنظام العربي كله، هل يستطيع العرب أن يتحركوا قبل أن تُرسم الخريطة بدلاً منهم؟ هل يستطيعون تقديم تصور سياسي جاد، لا مجرد رفض أو تأييد؟ هل يستطيعون حماية حق الفلسطينيين في أرضهم، وفي الوقت نفسه منع القطاع من العودة إلى دائرة الحرب المفتوحة؟

مصر في هذا الملف تتحرك بحسابات ثقيلة، فهي لا تريد أن تتحول غزة إلى مصدر دائم للفوضى على حدودها، ولا تقبل سيناريو التهجير الذي يعني عملياً تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأمن المصري، وفي الوقت نفسه، تعرف أن أي حل بلا فلسطينيين لن يعيش، وأي ترتيب أمني بلا أفق سياسي سيؤجل الانفجار ولا يمنعه. لذلك، تبدو القاهرة وكأنها تحاول أن تمسك بخيط رفيع بين النار والسياسة: تثبيت الهدنة، منع التهجير، فتح الطريق للمساعدات، ثم دفع الأطراف نحو صيغة لليوم التالي.

لكن السؤال الأعمق هو: من يملك اليوم التالي؟
هذه هي العقدة، فاليوم التالي في غزة ليس فراغاً إدارياً يمكن ملؤه بقرار، بل إنه صراع على الشرعية، فإسرائيل تريد يوماً تالياً بلا تهديد، والولايات المتحدة تريد ترتيبات قابلة للبيع سياسياً، والعرب يريدون تجنب الانفجار والتهجير، والفلسطينيون يريدون ألا تتحول الحرب إلى نهاية لقضيتهم، أما غزة نفسها، فقد صارت تطلب من العالم شيئاً أكثر تواضعاً وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: ألا تُعامل كأرض بلا بشر، أو كبشر بلا حق سياسي.

ومن هنا، فإن اجتماع القاهرة لا يجب أن يُقاس فقط بما سيعلنه في نهايته، أحياناً تكون قيمة الاجتماع في أنه يمنع الأسوأ، لا في أنه يحقق الأفضل. في السياسة، خاصة في أزمات بهذا الحجم، منع الانهيار قد يكون إنجازاً مؤقتاً. لكن الخطر أن نخلط بين المؤقت والدائم؛ فالهدنة المؤقتة لا تكفي، والمساعدات وحدها لا تكفي، وإعادة الإعمار بلا حل سياسي قد تصبح مجرد ترميم لجدران تنتظر حرباً جديدة.

غزة لا تحتاج فقط إلى شاحنات طعام، رغم أنها تحتاجها فوراً، ولا تحتاج فقط إلى خيام ومستشفيات ميدانية، رغم أن ذلك صار ضرورة إنسانية عاجلة، فغزة تحتاج إلى معنى سياسي جديد، تحتاج إلى أن يعرف أهلها أن حياتهم ليست ملفاً يتنقل بين العواصم، وأن مستقبلهم لا يُدار فقط باعتباره مشكلة أمنية. فحين يُختصر شعب كامل في سؤال الأمن، يصبح السلام مستحيلاً، لأن الأمن الحقيقي لا يولد من الحصار وحده، بل من الاعتراف بالحق، ومن وجود أفق يمنع اليأس من أن يتحول إلى وقود لحرب جديدة.

لهذا تبدو القاهرة اليوم أمام اختبار أكبر من الوساطة، فهي أمام اختبار القدرة على تحويل وقف إطلاق النار من ترتيب هش إلى بداية مسار، وهذا لن يحدث إلا إذا خرجت النقاشات من منطق إدارة الأزمة إلى منطق حلها، لا يكفي أن نمنع الحرب القادمة، بل يجب أن نسأل لماذا تعود الحرب كل مرة، ولا يكفي أن ندخل المساعدات، بل يجب أن نسأل لماذا صار شعب بأكمله محتاجاً إلى إذن كي يأكل ويتداوى ويتحرك.

في النهاية، اجتماع القاهرة حول غزة ليس اجتماعاً عن غزة وحدها، بل اجتماع عن مستقبل القضية الفلسطينية، وعن دور مصر، وعن عجز النظام الدولي، وعن اختبار الضمير العربي، وعن قدرة السياسة على أن تتأخر كثيراً ثم تحاول اللحاق بما دمرته الحرب.

قد يخرج الاجتماع بتفاهمات، وقد يتعثر، وقد ينجح في بند ويفشل في آخر. لكن ما لا يجب أن يغيب هو أن غزة لم تعد تحتمل جولات جديدة من الكلام القديم، فهناك لحظة يصبح فيها تكرار العبارات نوعاً من الهروب، والناس الذين خرجوا من تحت الركام لا يسألون عن الصياغات، بل عن الحياة.

القاهرة تستطيع أن تفتح الباب، لكنها وحدها لا تستطيع أن تحمل البيت كله، والبيت الفلسطيني لن يقوم إلا إذا توفرت له ثلاثة أعمدة: وقف حقيقي للحرب، وإغاثة كريمة لا تستخدم كورقة ضغط، وأفق سياسي يعيد للإنسان الفلسطيني حقه في أن يكون صاحب أرض لا مجرد ضحية تنتظر المعونة.

هذه هي قيمة اجتماع القاهرة، وهذه أيضاً حدوده، فهو ليس نهاية الطريق، لكنه قد يكون بداية ضرورية إذا فهم الجميع أن غزة ليست مشكلة أمنية تبحث عن شرطي، ولا كارثة إنسانية تبحث عن جمعية إغاثة فقط، بل قضية شعب يبحث عن وطن، وحق يبحث عن اعتراف، ومدينة صغيرة أنهكت العالم لأنها كشفت عجزه الكبير.

search