إذا كان القطاع الخاص يخلق الوظائف.. فلماذا نزاحمه؟
بعض الجمل لا تحتاج إلى معارضة، بل تحتاج فقط إلى أن نصدقها، وأنا أصدق رئيس الوزراء؛ أصدّق قوله إن الدولة ليست هي التي تخلق الوظائف، وإن القطاع الخاص هو الفاعل الأساسي في هذه العملية، لكن المشكلة تبدأ بعد التصديق.
إذا كان القطاع الخاص هو الذي يخلق الوظائف، فمن الذي يخلق البيئة التي تسمح له بخلق الوظائف؟ هنا يبدأ السؤال الحقيقي. فالوظيفة لا تهبط من السماء على رأس شاب يحمل شهادة جامعية، فالوظيفة تخرج من مصنع جديد، أو شركة تتوسع، أو مستثمر يقرر أن يغامر بأمواله، أو رجل أعمال يفتح خط إنتاج إضافياً.
بمعنى آخر: الوظيفة هي الابن الشرعي للاستثمار، وإذا كان الاستثمار هو الأب، فإن الدولة هي الأم التي تهيئ البيت. فكيف نطالب القطاع الخاص بخلق الوظائف بينما ما زلنا نتعامل معه أحياناً باعتباره خصماً أو منافساً أو مجرد ممول للضرائب؟ فالأرقام نفسها تقول إن القطاع الخاص هو بالفعل ماكينة التشغيل الرئيسية في مصر.
فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يعمل نحو 82.3% من المصريين في القطاع الخاص، بينما يحقق القطاع نحو 77.1% من الناتج المحلي الإجمالي؛ أي أن أغلب المصريين الذين يخرجون صباحاً إلى أعمالهم لا يذهبون إلى الوزارات والهيئات، وإنما إلى شركات ومصانع وورش ومزارع ومشروعات خاصة. أي أن أكثر من أربعة أخماس المصريين العاملين يعتمدون بالفعل على القطاع الخاص في أرزاقهم، بينما لا يزال الجدل العام يتعامل معه أحياناً وكأنه لاعب ثانوي في الاقتصاد.
إذن نحن لا نتحدث عن لاعب ثانوي في الاقتصاد، بل نحن نتحدث عن اللاعب الرئيسي أصلاً، والحقيقة أن الدولة نفسها أصبحت تتحدث اللغة ذاتها، فوثيقة سياسة ملكية الدولة قامت على فكرة واضحة: أن تتراجع الدولة تدريجياً في عدد من الأنشطة الاقتصادية وأن تفسح المجال أمام القطاع الخاص ليقود النمو والاستثمار والتشغيل، والحكومة أعلنت مراراً أن الهدف هو الوصول إلى اقتصاد يقوده القطاع الخاص وأن ترتفع مساهمته في الاستثمارات خلال السنوات المقبلة.
وإذا كانت الحكومة قد أعلنت بالفعل سياسة للتخارج من بعض الأنشطة الاقتصادية، فإن نجاح هذه السياسة لا يقاس بعدد الوثائق الصادرة، وإنما بعدد الفرص التي أصبحت متاحة أمام المستثمرين للدخول إلى تلك القطاعات. فكل مساحة تتركها الدولة للسوق حيث لا توجد ضرورة استراتيجية لوجودها، هي مساحة جديدة للاستثمار والتشغيل والنمو.
لكن بين الكلام والواقع مسافة.. مسافة اسمها التنفيذ، فالمستثمر لا يقرأ البيانات الحكومية فقط، بل ينظر إلى ما يحدث على الأرض، ينظر إلى سرعة التراخيص، إلى تكلفة التمويل، إلى استقرار القواعد، إلى حجم المنافسة مع الجهات العامة، إلى الوقت الذي يستغرقه للحصول على أرض أو موافقة أو خدمة.
فالمستثمر مثل لاعب الكرة، لا يكفي أن تطلب منه إحراز الأهداف، ثم ترسله إلى الملعب مكبل القدمين، والأكثر إثارة للمفارقة أن الجميع يتفقون على النتيجة المطلوبة بينما يختلفون على الطريق.
فالجميع يريد وظائف، الجميع يريد خفض البطالة، الجميع يريد دخولاً أعلى للشباب. لكن الطريق إلى ذلك ليس أن تتحول الدولة إلى أكبر صاحب عمل في البلد، هذا الطريق جُرب لعقود طويلة، وانتهى بجيوش من الموظفين ورواتب محدودة وإنتاجية محدودة. أما الطريق الآخر فهو أن تصبح الدولة حكماً عادلاً لا لاعباً إضافياً في الملعب.
تنظم المنافسة ولا تحتكرها، تحمي السوق ولا تسيطر عليه، تراقب ولا تزاحم، تسهل ولا تعقد، تفتح الأبواب ولا تضيف أبواباً جديدة. وإذا كنا قد اقتنعنا فعلاً بأن القطاع الخاص هو صانع الوظائف، فإن المنطق يقول إن كل يوم يتأخر فيه تمكينه هو يوم تتأخر فيه فرصة عمل جديدة لشاب مصري.
فالمسألة إذن ليست من يخلق الوظائف، لقد حُسم هذا الجدل بالفعل؛ فالمسألة هي: هل نحن مستعدون لدفع الثمن السياسي والإداري الكامل لهذه القناعة؟ هل نحن مستعدون لأن تتخارج الدولة من أنشطة يستطيع السوق القيام بها؟
هل نحن مستعدون لأن نعطي المستثمر ثقة أكبر، وسرعة أكبر، ومساحة أكبر؟ لأن الحقيقة البسيطة التي لا تحتاج إلى خبير اقتصادي هي أن المستثمر لا يطلب من الدولة أن توظف الناس بدلاً منه. هو فقط يطلب منها أن تترك له مساحة ليقوم بالمهمة التي تقول هي نفسها إنه الأفضل فيها. وهي خلق الوظائف.
فإذا كانت الدولة قد حسمت الجدل وأعلنت أن القطاع الخاص هو قاطرة التشغيل، فإن السؤال لم يعد: من يخلق الوظائف؟
السؤال أصبح: متى نتوقف عن وضع الإشارات الحمراء أمام القاطرة؟
الأكثر قراءة
-
وظائف بنك مصر 2026.. الشروط وخطوات التقديم والتخصصات المطلوبة
-
تسريب امتحان الدين والتربية الوطنية.. التعليم تكشف الحقيقة
-
مراجعة ليلة الامتحان.. 30 سؤال وجواب في التربية الدينية لطلاب الثانوية العامة
-
بدموع الندم.. صاحب فيديو "متكتبوش حاجة لأولادكم" يعتذر لأبنائه: "أنتو نور عيني" (خاص)
-
لاعب الأهلي يتلقى عرضا بمليون و200 ألف دولار.. تفاصيل
-
بعد وفاته في حادث سير.. من هو الفنان الشاب كريم عبدالعليم؟
-
لماذا تعد مباراة نيوزيلندا الأهم في تاريخنا المونديالي؟
-
ترامب يجدد هجومه على ميلوني: "تريد استعادة صداقتنا".. وإيطاليا ترد بإلغاء زيارة رسمية
مقالات ذات صلة
اجتماع القاهرة من وقف الموت إلى ترتيب الحياة في غزة
11 يونيو 2026 10:28 ص
قانون الأسرة.. الجدل سيد الموقف
30 مايو 2026 06:24 م
الإصلاح الإداري في مصر ومشكلة اختيار المديرين
19 أبريل 2026 05:31 م
بين العنف والانتحار.. ما الذي ننتظره؟
14 أبريل 2026 10:17 ص
أكثر الكلمات انتشاراً