قانون الأسرة.. الجدل سيد الموقف
لم تكن الأزمة في مشروع قانون الأسرة وحده، ولا في مواده التي لم يهدأ حولها الجدل منذ اللحظة الأولى؛ فالأزمة الأكبر هذه المرة كانت في المشهد نفسه: نائب برلماني يخرج ليقول إن الحكومة سحبت مشروع القانون، ثم لا تمر ساعات حتى تصدر الحكومة بياناً رسمياً تنفي فيه السحب، وتؤكد أن المشروع أصبح في حوزة البرلمان وتحت ولايته التشريعية.
هنا لا يعود السؤال: هل سُحب القانون أم لم يُسحب؟ بل يصبح السؤال الأهم: كيف وصلنا إلى هذا الارتباك في ملف بهذه الحساسية؟
نحن لا نتحدث عن قانون عادي، فقانون الأسرة ليس بنداً إدارياً في جدول أعمال البرلمان، وليس تعديلاً هامشياً يمكن أن يمر دون أن يشعر به الناس، فهو قانون يمس كل بيت تقريباً، حاضراً أو احتمالاً، يمس الزواج والطلاق والحضانة والرؤية والنفقة والولاية التعليمية وحقوق الأطفال ومسؤوليات الآباء والأمهات. لذلك فإن أي كلمة تقال عنه لا تبقى داخل القاعة، بل تخرج فوراً إلى الشارع، وتدخل البيوت، وتتحول إلى قلق، أو أمل، أو غضب.
ومن هنا كانت خطورة التصريح الأول، حين يعلن نائب أن الحكومة سحبت مشروع القانون، فإن المواطن العادي يفهم أن هناك تراجعاً، يفهم أن المشروع واجه اعتراضات كبرى، يفهم أن الدولة أعادت حساباتها، وربما يفهم أيضاً أن الأصوات الغاضبة نجحت في وقف القانون، ثم حين تخرج الحكومة لتنفي، يجد المواطن نفسه أمام روايتين: رواية برلمانية تقول إن المشروع سُحب، ورواية حكومية تقول إنه لم يُسحب. وبين الروايتين تضيع الثقة.
قد يكون الأمر سوء فهم، وقد يكون التباساً في التعبير، وقد يكون حديثاً سياسياً سابقاً لأوانه، وقد يكون النائب قد بنى كلامه على معلومات غير مكتملة، لكن النتيجة واحدة: الرأي العام وجد نفسه أمام تضارب في المعلومات حول قانون هو أصلاً محاط بالشكوك والمخاوف.
والأخطر أن هذا التضارب لم يحدث في ملف بعيد عن الناس، بل في ملف الأسرة. أي في الملف الذي لا يحتمل شائعة، ولا يحتمل نصف معلومة، ولا يحتمل تصريحات عابرة. لأن الناس في هذه القضايا لا تنتظر فقط نص القانون، بل تبحث عن الطمأنينة، وتريد أن تعرف إلى أين تتجه الدولة. هل القانون باقي؟ هل سيتم تعديله؟ هل سيعاد للحوار؟ هل هناك اعتراضات جوهرية؟ هل البرلمان يناقشه فعلاً؟ وهل الحكومة متمسكة به أم تراجعت عنه؟
بيان الحكومة حاول أن يحسم المسألة إجرائياً؛ فقال بوضوح إن الحكومة لم تسحب مشروع القانون، وإنها استوفت دورها بتقديمه رسمياً إلى مجلس النواب، وإن المشروع الآن في حوزة البرلمان، دون أي تراجع أو نية للسحب، وهذا كلام مهم، لأنه يعيد ترتيب الصورة من الناحية الرسمية.
لكن البيان، رغم أهميته، لا يلغي السؤال السياسي: لماذا احتجنا إلى بيان نفي من الأساس؟ ولماذا خرجت المعلومة مرتبكة من داخل المجال البرلماني؟ وهل هناك تنسيق كافي بين الحكومة والنواب في عرض الحقائق المتعلقة بمشروع قانون بهذا الحجم؟
في القضايا العادية قد تمر الأخطاء الاتصالية دون خسائر كبيرة، أما في قانون الأسرة، فكل خطأ في الاتصال يتحول إلى أزمة، وكل تصريح غير منضبط يتحول إلى معركة على مواقع التواصل، وكل غموض تملؤه التأويلات، وهذا ما حدث تماماً: خبر عن السحب، ثم نفي للسحب، ثم جدل حول من قال الحقيقة ومن استعجل ومن لم يدقق.
والحقيقة أن المسألة لا يجب أن تتحول إلى معركة بين نائب وحكومة، فالمسألة أكبر من الأشخاص؛ نحن أمام اختبار لطريقة إدارة التشريعات الحساسة في المجال العام، هل نكتفي بترك المعلومات تتسرب ثم ننفي؟ أم نفتح مساراً واضحاً للمواطنين يعرفون من خلاله أين يقف مشروع القانون، وما مراحله، وما الفلسفة التي تحكمه، وما المواد محل النقاش، وما الذي ستفعله الدولة لضمان قانون عادل ومتوازن؟
قانون الأسرة تحديداً يحتاج إلى شفافية مضاعفة، لا يكفي أن يقال إنه في البرلمان، ولا يكفي أن يقال إن المناقشات مستمرة. المطلوب أن يشعر الناس بأن هذا القانون لا يُصاغ بعيداً عنهم، ولا يمر فوق مخاوفهم، ولا يستجيب لضغط طرف ضد طرف، فالمطلوب أن تكون هناك لغة واضحة تقول إن الهدف ليس انتصار الرجال على النساء، ولا النساء على الرجال، بل حماية الأسرة حين تكون قائمة، وحماية الطفل حين تنهار الأسرة، وحماية العدالة حين يتخاصم الكبار.
لذلك فإن الجدل الأخير، رغم ارتباكه، قد يكون مفيداً إذا فهمنا رسالته؛ لقد كشف أن قانون الأسرة لم يعد يحتمل الغموض، وكشف أن أي تصريح بشأنه يجب أن يكون محسوباً، وكشف أن العلاقة بين البرلمان والحكومة في هذا الملف تحتاج إلى خطاب أكثر دقة وانضباطاً، وكشف قبل ذلك كله أن الناس تتابع، وتقلق، وتخاف من أن يصدر قانون يمس حياتها دون أن تفهمه جيدًا.
الحكومة نفت سحب المشروع، هذا هو الموقف الرسمي. لكن المطلوب الآن أكثر من النفي. المطلوب شرح:
شرح لمسار القانون، شرح لفلسفته، شرح للضمانات، شرح لكيفية الاستماع إلى الاعتراضات، وشرح لكيفية الوصول إلى صيغة لا تشعل البيوت بدلاً من أن تطفئ حرائقها.
فالأزمة الحقيقية ليست في أن مشروع القانون سُحب أو لم يُسحب؛ فالأزمة أن المعلومة نفسها بدت كأنها بلا صاحب واضح. مرة تأتي من نائب، ومرة يصححها بيان حكومي، ومرة تتلقفها المواقع، ومرة يعيد تشكيلها السوشيال ميديا.
وفي ملفات الأسرة، حين تضطرب المعلومة، تضطرب الثقة، وحين تضطرب الثقة، يصبح القانون نفسه موضع خوف قبل أن يصبح موضع نقاش.
لهذا، فإن الدرس الأهم من هذا الجدل ليس فقط أن الحكومة لم تسحب قانون الأسرة، بل أن الدولة مطالبة بأن تسحب الغموض من حوله. لأن الناس لا تخاف من القانون الواضح بقدر ما تخاف من القانون الذي تسمع عنه من التصريحات المتضاربة، والتسريبات، والنفي بعد الانتشار.
قانون الأسرة يحتاج إلى حوار لا إلى مفاجآت، ويحتاج إلى وضوح لا إلى ارتباك، ويحتاج إلى خطاب مسؤول، يعرف أن الكلمة في هذا الملف لا تسقط على الورق فقط، بل تسقط في قلب كل بيت مصري ينتظر قانوناً عادلاً، لا قانوناً غامضاً يولد وسط الشكوك.
الأكثر قراءة
-
"هتاخد 7300 جنيه شهريًا".. تفاصيل أفضل 3 شهادات ثلاثية في البنوك المصرية
-
"من الحب ما قتل"، بائع خردة ينهي حياة ابنته بـ"ضربة عكاز" في سوهاج
-
شقق الإسكان الاجتماعي 2026.. خطوات التقديم والأوراق المطلوبة وأماكن الطرح
-
الزمالك يكشف حقيقة تمرد بيزيرا بسبب المستحقات المالية
-
موعد التقديم الإلكتروني لرياض الأطفال والصف الأول الابتدائي 2026 - 2027
-
العثور على جثمان الطفلة "أشرقت".. ألقتها والدتها بالنيل من أعلى كوبري دندره
-
بين فخ الفائدة ومشتريات البنوك.. إلى أين تتجه أسعار الذهب الأيام المقبلة؟
-
ننشر تفاصيل بلاغ يتهم لاعب في أحد أندية القمة ومحترف في الخليج بالتعدي على فتاة إيطالية
مقالات ذات صلة
الإصلاح الإداري في مصر ومشكلة اختيار المديرين
19 أبريل 2026 05:31 م
بين العنف والانتحار.. ما الذي ننتظره؟
14 أبريل 2026 10:17 ص
واشنطن وطهران.. مفاوضات تحت التهديد في إسلام أباد
12 أبريل 2026 01:38 م
الخليج بعد حرب إيران.. من مظلة الحماية إلى عقيدة الاعتماد على الذات
17 مارس 2026 05:34 م
أكثر الكلمات انتشاراً