الأحد، 04 أكتوبر 2026

12:55 ص

الأحد، 04 أكتوبر 2026

12:55 ص

"لماذا بنته مصر دون موافقتنا ؟".. خبير يفكك رواية إثيوبيا عن السد العالي

السد العالي بأسوان

السد العالي بأسوان

"لماذا بنت مصر السد العالي دون موافقة إثيوبيا؟".. هذا السؤال طرحته أديس أبابا في سياق رفض وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هبتامو إيتيفا، الدعوات المطالبة بحصول إثيوبيا على موافقة مسبقة من دولتي المصب قبل تنفيذ سدود على منبع النيل.

وإلى جانب مزاعم إيتيفا أنَّ السد العالي شُيد دون موافقة إثيوبيا، زعم أنَّ إرثه التاريخي تسبب في اضطرابات اجتماعية واسعة، بخلاف سد النهضة الذي بُني استنادًا إلى إعلان المبادئ الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015، حسب زعمه.

وفي الواقع، هذا الطرح  أثار تساؤلات حول صحة المقارنة بين السدين أصلاً، وما إذا كان مبدأ "الاستخدام المنصف والمعقول" يمنح إثيوبيا حق استخدام مياه النيل دون موافقة مصر والسودان، ومدى منطقية الاستناد إلى تجربة السد العالي في دعم موقفها من سد النهضة.

هل المقارنة بين السد العالي وسد النهضة صحيحة؟

بدوره، قال خبير الشأن الأفريقي، الدكتور رامي زهدي، إن المقارنة بين السد العالي وسد النهضة، بالصيغة التي طرحتها إثيوبيا، مقارنة غير مكتملة من الناحية التاريخية والقانونية والفنية، وربما أيضًا غير منطقية على الإطلاق، أو هي نوع من “الاحتيال السياسي ”على الشعب الإثيوبي ذاته.

وأضاف زهدي، في حديث لـ"تليجراف مصر"، أنَّ معظم هذه التصريحات  تستهدف الداخل الإثيوبي، وتحاول تقديم "عدو وهمي" للشعب هناك، بهدف توحيد الأمة الإثيوبية ضد خطر خارجي في خدعة سياسية موجهة لن تنطلي إلا على البسطاء من أبناء ذات الشعب.

1000535752
الخبير في الشأن الإفريقي الدكتور رامي زهدي 

وأوضح الخبير، أن السد العالي مشروع مصري أقيم على نهر داخل الأراضي المصرية، بهدف أساسي يتعلق بتنظيم المياه وتخزينها وتوليد الكهرباء وحماية مصر من أخطار الفيضانات والجفاف، مشيرًا إلى أن مصر دولة مصب أخيرة.

في المقابل، سد النهضة مقام على مجرى مائي دولي مشترك، هو النيل الأزرق، ويقع في دولة المنبع، وبالتالي فإن آثاره التشغيلية المحتملة لا تتوقف عند الحدود الإثيوبية، وإنما تمتد إلى دول المصب، وعلى رأسها السودان ومصر.

ما وراء الطرح الإثيوبي

ولفت الخبير إلى أنَّ السؤال الصحيح ليس: "هل أخذت مصر موافقة إثيوبيا قبل بناء السد العالي؟"، وإنما: “هل كان السد العالي، من الناحية القانونية، مشروعًا على مجرى مائي دولي مشترك بحيث يتطلب موافقة إثيوبيا كما تحاول المقارنة أن توحي؟”

وأضاف متسائلاً: لماذا سكتت إثيوبيا آنذاك وبعد ذلك وطوال هذه المدة لو أنها على يقين أو ترى أن السد العالي مخالف للقانون أو لو أثر سلبي على أي من دول حوض النيل؟

وفي الاتجاه نفسه، أكد الخبير أهمية التمييز بين السد العالي ومشروعات التحكم في مياه النيل الأزرق، موضحًا أن إثيوبيا ليست دولة مشاطئة للسد العالي نفسه، بينما سد النهضة يقع على أحد الروافد الرئيسية التي تمد النيل بالمياه، "ولذلك فإن طبيعة التأثير العابر للحدود مختلفة جذريًا".

ماذا تقول السياسة الدولية عن التصريحات الإثيوبية؟

من منظور السياسة الدولية، أرجع زهدي التصريحات إلى كونها جزءًا من خطاب إثيوبي مستمر يسعى إلى تثبيت ثلاث رسائل للداخل أكثر منها للخارج:

  • الأولى أن إثيوبيا دولة ذات سيادة على أراضيها ومواردها.
  •  والثانية أن لها حقًا في التنمية واستخدام مواردها الطبيعية.
  •  أما الثالثة فهي محاولة إعادة صياغة النقاش من قضية "الالتزامات تجاه دول المصب" إلى قضية "الحق في التنمية والسيادة".

وفي هذا الاتجاه، يرى زهدي أن المشكلة السياسية في هذا الخطاب تبدأ عندما يتم استخدام المقارنة التاريخية مع السد العالي لتقديم انطباع بأن الحالتين متماثلتان لتتحول إلى حالة من المكايدة السياسية وليس إلى التفاوض الجاد.

وأوضح أن كل مشروع مائي عابر للحدود يخضع لظروفه القانونية والفنية والآثار التي يمكن أن تترتب عليه، فضلًا عن الاتفاقات التي تكون الدول قد وقعتها لاحقًا.

هل يمنح "الاستخدام المنصف" إثيوبيا حقًا منفردًا في مياه النيل؟

وبشأن ما إذا كان مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول يمنح إثيوبيا الحق في استخدام مياه النيل دون موافقة مصر والسودان، قال زهدي إن هذا المبدأ هو أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي للمجاري المائية، وهو يعني أن لكل دولة مشاطئة حقًا في الانتفاع بالمجرى المائي الدولي.

1000536044
سد النهضة

وأضاف الخبير أن القانون لا يجيز وضع مبدأ السيادة في مواجهة مبدأ الاستخدام المنصف، موضحًا أن السيادة لا تعني حرية التصرف المنفرد في مورد مائي عابر للحدود.

كما أكد الخبير أن مبدأ الإنصاف يُقاس بعوامل عدة، بينها الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية، والاستخدامات الحالية والمحتملة، وتأثير استخدام دولة على أخرى، ما يجعل القضية أعقد من اعتبار إثيوبيا دولة منبع فقط.

"المكايدة السياسية" أم التفاوض؟

بحسب زهدي، العلاقات الدولية لا تدار فقط بمنطق السيادة، وإنما بمنطق إدارة المصالح المتبادلة أيضًا، موضحًا أن إثيوبيا لها مصالح في التنمية وتوليد الكهرباء، بينما لمصر مصالح، واحتياجات مائية جوهرية، وللسودان أيضًا مصالح مباشرة في تشغيل السد وسلامته وإدارة المياه.

واختتم حديثه بالقول: "ومن هنا، فإن الرد المصري الأكثر قوة ليس الدخول في سجال تاريخي حول من بنى سدًا أولًا، وإنما إعادة النقاش إلى السؤال القانوني والسياسي الأساسي: ما هي قواعد استخدام وإدارة مورد مائي دولي مشترك، وكيف يمكن ضمان حق إثيوبيا في التنمية دون تحويل هذا الحق إلى مصدر لضرر غير مقبول على دول المصب؟".

اقرأ أيضاً

3 سدود جديدة فوق النيل الأزرق.. كيف تعيد إثيوبيا رسم خريطة المياه؟

search