الأربعاء، 07 أكتوبر 2026
03:05 م
هناك رجال تصنعهم اللحظة، وهناك رجال يصنعون اللحظة وأنور السادات كان من النوع الثاني
في السادس من أكتوبر عام 1973 لم تكن مصر تدخل حربًا عادية، بل كانت تدخل معركة لاستعادة الأرض والكرامة وإعادة بناء الثقة في الإنسان المصري بعد سنوات قاسية أعقبت نكسة يونيو 1967
كان العبور العظيم عبورًا لقناة السويس وتحطيمًا لخط بارليف لكنه في المعنى الأعمق كان عبورًا من الإحساس بالهزيمة إلى الإيمان بالقدرة ومن انتظار الحل إلى صناعة الحل ومن واقع فرضته الحرب إلى واقع تستطيع مصر أن تفاوض من داخله وهي أكثر قوة وثقة، وهنا تظهر عبقرية أنور السادات الحقيقية.
فالعبقرية السياسية ليست فقط أن تعرف متى تحارب وإنما أن تعرف أيضًا لماذا تحارب ومتى تتوقف وكيف تحول نتائج المعركة العسكرية إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية.
لقد أدرك السادات أن الهدف لم يكن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية وإنما استعادة الأرض وفتح الطريق أمام حل سياسي يحفظ لمصر حقوقها ويضع نهاية لحالة الاستنزاف المستمر.
وبعد حرب أكتوبر بدأت مرحلة جديدة من التفاوض والتحرك السياسي، فكان اتفاق فض الاشتباك الأول عام 1974، ثم اتفاق سيناء الثاني عام 1975 قبل أن يصل المسار إلى كامب ديفيد عام 1978 ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 26 مارس 1979.
وهنا يجب أن نتوقف أمام شخصية السادات بعيدًا عن الاختلافات السياسية التي أحاطت بعصره فالرجل الذي اتخذ قرار الحرب هو نفسه الرجل الذي اتخذ قرار السلام، وهذا في حد ذاته يكشف طبيعة مختلفة في القيادة.
السادات لم يكن يرى السياسة باعتبارها شعارات ثابتة، وإنما باعتبارها إدارة للمصالح والقدرة على تغيير الأدوات عندما تتغير الظروف، فإذا كانت الحرب قد أصبحت وسيلة لاستعادة المبادرة المصرية فإن التفاوض أصبح وسيلة لتحويل هذه المبادرة إلى مسار سياسي انتهى باستعادة سيناء وفق ترتيبات معاهدة السلام.
ولهذا فإن قراءة السادات باعتباره مجرد رئيس اتخذ قرار السلام قراءة ناقصة والأدق أنه كان رجلًا جمع بين جرأة قرار الحرب وجرأة قرار السلام.
والقرارات الجريئة ليست دائمًا القرارات التي تحظى بالتصفيق لحظة اتخاذها، فأحيانًا يكون القرار الأصعب هو أن تتحمل مسؤولية رؤية سياسية لا يفهمها الجميع في وقتها.
لقد دفع السادات ثمنًا سياسيًا كبيرًا بسبب طريق السلام الذي اختاره وواجه معارضة وانتقادات واسعة، لكنه ظل متمسكًا بمساره حتى اغتياله في السادس من أكتوبر عام 1981.
واليوم وبعد مرور عقود طويلة يمكن النظر إلى التجربة من زاوية أكثر هدوءًا، فحرب أكتوبر أثبتت أن الإرادة المصرية قادرة على تغيير المعادلات والتفاوض أثبت أن القوة لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى قدرة سياسية، والسلام أثبت أن المعارك لا تنتهي دائمًا في ميادين القتال، وإنما قد تنتهي أيضًا على موائد التفاوض.
وهنا تكمن واحدة من أهم دروس أكتوبر أن الدولة القوية ليست الدولة التي تحارب دائمًا ولا الدولة التي تتجنب الحرب دائمًا وإنما الدولة التي تعرف متى تستخدم القوة ومتى تستخدم السياسة ومتى تجمع بين الاثنين لخدمة مصالحها الوطنية.
ولكن مهما تحدثنا عن السادات وعبقريته السياسية فلا ينبغي أن ننسى أصحاب الفضل الأول في صناعة النصر على أرض المعركة، جنود مصر وضباطها وشهدائها وكل من حمل السلاح وعبر القناة تحت نيران العدو، وكل أسرة قدّمت ابنًا للوطن وكل مصاب عاد من المعركة يحمل على جسده أثرًا من آثار التضحية.
هؤلاء هم أبطال أكتوبر الحقيقيون الذين جعلوا المستحيل ممكنًا وأثبتوا أن الإنسان المصري عندما يؤمن بقضيته يستطيع أن يصنع التاريخ.
رحم الله شهداء مصر الأبرار وحفظ أبطال قواتنا المسلحة وكل من شارك في صناعة نصر أكتوبر العظيم.
ويبقى السادات في ذاكرة التاريخ رجلًا دخل الحرب ليعيد لمصر قدرتها على الفعل، ثم دخل طريق السلام ليحوّل نتائج القوة العسكرية إلى واقع سياسي جديد، فكان عبقريًا في إدراك اللحظة وشجاعًا في اتخاذ القرار.
ويبقى أبطال أكتوبر هم أصحاب الدم والتضحية الذين كتبوا ببطولاتهم أول سطور هذا المجد،
سلامًا على كل من حارب واستشهد وضحى من أجل مصر، وسلامًا على وطن لا ينسى أبناءه أبدًا..
تحية لأبطال أكتوبر في عيد النصر وتحية لمصر التي أثبتت أن لها جيشًا يحمي أرضها ورجالًا يصنعون تاريخها..
29 سبتمبر 2026 12:29 م
23 سبتمبر 2026 11:28 ص
16 سبتمبر 2026 01:48 م
26 أغسطس 2026 06:35 م
أكثر الكلمات انتشاراً