الأربعاء، 07 أكتوبر 2026

12:46 م

الأربعاء، 07 أكتوبر 2026

12:46 م

"هعملكم محضر".. موقف وطني لا يُنسى لـ بليغ حمدي في حرب أكتوبر

بليغ حمدي

بليغ حمدي

لم يكتف بليغ حمدي يوم السادس من أكتوبر 1973، بمتابعة أخبار الحرب من منزله كغيره من المصريين، بل قرر أن يفعل ما يستطيع من موقعه كفنان، فتحولت مشاعر الانتصار التي عاشها المصريون في ذلك اليوم إلى ألحان خرجت إلى الناس في أسرع وقت ممكن. 

وبمجرد أن علم بليغ حمدي بأخبار العبور، توجه إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون في ماسبيرو برفقة زوجته الفنانة وردة الجزائرية والشاعر عبدالرحيم منصور، رغبةً في تسجيل أغنية تعبر عن انتصار الجيش المصري.

لكن الوصول إلى الاستوديو لم يكن سهلًا، فالمبنى كان يخضع لإجراءات أمنية مشددة بسبب ظروف الحرب، ولم يكن مسموحًا بدخول أشخاص من خارج العاملين بالإذاعة. 

ومع ذلك، أصر على الدخول، حتى تمكن من مقابلة المسؤولين والإصرار على تسجيل أغنية لمصر في تلك اللحظة التاريخية.

موقف بليغ حمدي الوطني يوم نصر أكتوبر

ولم يتراجع بليغ حمدي، أمام الإجراءات الأمنية، وتمسك بفكرة أن يكون له دور في الاحتفال بالنصر من خلال الموسيقى.

وحسب الروايات التي نقلتها وردة عن تلك الواقعة، قال بليغ للمسؤولين: "هأعمل محضر فيكم أنكم رافضين تخلوني أغني لبلدي"، قبل أن يُسمح له بالدخول إلى مبنى الإذاعة.

لكن بعد دخوله واجه عقبة أخرى، حيث لم تكن هناك ميزانية مخصصة لتسجيل أغنيات جديدة في ظل ظروف الحرب.

وهنا قرر بليغ حمدي أن يتحمل تكاليف العمل بنفسه، بما يشمل تكاليف الكلمات والفرقة الموسيقية، بينما رفض الشاعر عبدالرحيم منصور وقائد الفرقة الماسية أحمد فؤاد حسن تقاضي أي أجر، بحسب الروايات التي تناولت كواليس التسجيل.

"بسم الله".. أغنية وُلدت في ساعات

في ذلك اليوم، بدأ بليغ حمدي والشاعر عبدالرحيم منصور، العمل على أغنية "بسم الله.. الله أكبر"، التي استلهمت أجواء الانتصار وهتافات المصريين والجنود.

ولم يكن أمامهما وقت طويل، فالحرب كانت دائرة، والناس في انتظار ما يعبر عن اللحظة التي يعيشونها، وعلى سلالم ماسبيرو، بدأ بليغ حمدي، تلحين الأغنية، ثم واجه مشكلة جديدة، حيث حالت ظروف حظر التجوال عن حضور الكورال في موعد التسجيل، لكنه لم يتوقف.

وجمع بليغ حمدي، عددًا من العاملين والعمال داخل مبنى الإذاعة، وبدأ في تعليمهم اللحن، حتى تمكن من تسجيل الأغنية خلال ساعات قليلة، وفي صباح 7 أكتوبر، كانت "بسم الله.. الله أكبر" قد خرجت عبر الإذاعة المصرية، لتصبح واحدة من أشهر الأغنيات المرتبطة بنصر أكتوبر.

وردة على "الربابة".. وصوت آخر للنصر

ولم تكن "بسم الله" العمل الوحيد الذي خرج من تلك الأجواء، فقد قدم بليغ أيضًا لوردة أغنية "على الربابة بغني"، من كلمات عبدالرحيم منصور، والتي ارتبطت لاحقًا بفرحة المصريين بالنصر، وأصبحت من أشهر الأغنيات الوطنية في تلك الفترة.

وبحسب الروايات المنشورة عن تلك الساعات، ظلت وردة داخل مبنى الإذاعة في انتظار تسجيل الأغنية، في الوقت الذي كان بليغ يعمل على إنجاز الألحان وسط ظروف استثنائية فرضتها الحرب.

عبد الحليم.. "عاش اللي قال"

وامتدت بصمة بليغ إلى صوت العندليب، الذي قدم في أجواء انتصارات أكتوبر أغنية "عاش اللي قال"، من كلمات محمد حمزة وألحان بليغ حمدي.

وارتبطت الأغنية مباشرة بأجواء النصر، وأصبحت من الأعمال التي يستعيد بها المصريون ذكريات أكتوبر، إلى جانب "بسم الله"، و"على الربابة".

ولم تكن تلك أول مرة يضع فيها بليغ حمدي، الموسيقى في خدمة المشاعر الوطنية، فمنذ سنوات حرب الاستنزاف، قدم أعمالًا وطنية مثل "عدى النهار"، و"الفدائي" لعبدالحليم حافظ، ثم "يا حبيبتي يا مصر" لشادية، قبل أن تأتي حرب أكتوبر لتضعه أمام لحظة وطنية مختلفة تمامًا.

بليغ حمدي: الأغنية الوطنية "حب"

في لقاء نادر لـ بليغ حمدي، تحدث عن رؤيته لهذا النوع من الأغاني، مؤكدًا أنه عندما يلحن أغنية وطنية يتعامل معها كما لو كان يلحن أغنية لحبيبته أو لأمه.

وكان يرى أن الأغنية الوطنية لا يجب أن تكون مجرد شعارات، بل نتيجة شعور حقيقي بالفرح أو الخوف أو الحب تجاه البلد.

وهذا تحديدًا ما جعل تجربة بليغ مختلفة، فلم يكن الوطن في ألحانه مجرد صورة للمعركة أو السلاح، وإنما كان حاضرًا باعتباره إنسانًا وبيتًا وذكريات ومشاعر.

موسيقى في مواجهة لحظة تاريخية

في حرب أكتوبر، لم يكن بليغ حمدي، جنديًا يحمل سلاحًا على الجبهة، لكنه اختار أن يستخدم السلاح الذي يعرفه جيدًا وهو الموسيقى، حيث ذهب إلى الإذاعة في وقت الحرب، وأصر على تقديم عمل جديد، ودفع من ماله حتى يُسجل، واستعان بالعاملين داخل المبنى عندما تعذر حضور الكورال، لتخرج الأغنية إلى المصريين في اليوم التالي مباشرة.

وبعد مرور 53 عامًا على حرب أكتوبر، لا تزال "بسم الله"، و"على الربابة"، و"عاش اللي قال" حاضرة كلما عادت ذكرى النصر.

ربما لهذا السبب لم تكن مشاركة بليغ حمدي في حرب أكتوبر مجرد مجموعة من الأغاني الوطنية، وإنما واحدة من الحكايات التي توضح كيف استطاع الفن أن يكون حاضرًا في لحظة تاريخية فارقة.

ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تخوض معركتها على الجبهة، كان بليغ يخوض معركته الخاصة داخل الاستوديو، يبحث عن لحن يليق باللحظة، وعن كلمات تستطيع أن تحمل فرحة بلد خرج من سنوات الحرب إلى لحظة النصر.

وكانت النتيجة أغانٍ لم توثق الانتصار فقط، وإنما أصبحت جزءًا من ذاكرته، وبعد كل هذه السنوات، يكفي أن تبدأ موسيقى "بسم الله" حتى تعود بنا الأغنية إلى السادس من أكتوبر، وهو اليوم الذي اختلط فيه صوت المدافع بصوت الموسيقى، وكان لبليغ حمدي طريقته الخاصة في الاحتفال بانتصار بلده.

اقرأ أيضًا:

بليغ حمدي.. الموسيقار الذي رحل جسده وبقيت ألحانه في ذاكرة الأجيال

ياسر جلال يحيي ذكرى انتصارات أكتوبر: "يوم العزة والكرامة والنصر"

search