الخميس، 08 أكتوبر 2026

01:27 ص

الخميس، 08 أكتوبر 2026

01:27 ص

الثلاثة يشتغلونها.. كرسي عبدالناصر الشاغر وأحلام رجال يوليو بعد رحيله بـ6 أيام

جنازة الرئيس جمال عبدالناصر

جنازة الرئيس جمال عبدالناصر

بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970، لم يكن السؤال متعلقًا فقط بمَن سيجلس على مقعد الرئاسة، وإنما امتد إلى شكل السلطة نفسها، وكيف يمكن إدارة مصر في مرحلة غاب فيها الرجل الذي ظل لسنوات محور النظام السياسي والدولة.

بعد ستة أيام فقط من رحيله، ظهرت رسالة مؤرخة في 4 أكتوبر 1970، وموجهة إلى أنور السادات، نائب رئيس الجمهورية والرئيس المؤقت آنذاك، حملت توقيع ثلاثة من أبرز رجال ثورة 23 يوليو: زكريا محيي الدين وكمال الدين حسين وعبداللطيف البغدادي.

الوثيقة المكتوبة بخط زكريا محيي الدين والموقّعة بأسماء الرجال الثلاثة، لم تكن مجرد رسالة تعزية أو إعلان تأييد للرئيس المؤقت، وإنما طرحت تصورًا مختلفًا للمرحلة المقبلة يقوم على تعبئة الشعب، وتوسيع المشاركة السياسية وإقامة مؤسسات منتخبة، مع الدعوة إلى صيغة جماعية لإدارة المرحلة بدلًا من ترك الفراغ الذي خلفه عبدالناصر ينتهي مباشرة إلى حكم فردي.

images (1)
محمد أنور السادات وعبداللطيف البغدادي وزكريا محيي الدين وجمال عبدالناصر

رسالة بعد 6 أيام من وفاة عبدالناصر

بدأت الرسالة بوصف الظروف التي كانت تمر بها مصر عقب وفاة عبدالناصر، مستحضرة الحرب مع إسرائيل والأوضاع الداخلية، وما وصفته بالتيارات الخارجية التي تتربص بمصر.

وجاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، السيد الأخ أنور السادات، الرئيس المؤقت للجمهورية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، فقد قال الله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)، في هذه الأيام العصيبة التي يجتازها وطننا، وفي هذه المحنة القاسية التي يمتحن فيها الوطن أقسى امتحان، وتختبر فيها روح أمتنا وقدراتها صبرًا وجلدًا وحكمة؛ صبرًا وجلدًا تمليهما روح التضحية والبذل وإنكار الذات وحكمة يمليها الضمير الحي والفعل الشجاع".

ووضعت الرسالة رحيل عبدالناصر في قلب الأزمة، قائلة: “في هذه الأيام وقد خلّف الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، رحمه الله، حملاً ثقيلاً تنوء به العصبة أولو القوة من الرجال وكان يقوم به وحده، وفي هذا الوقت الذي يحتل فيه العدو الصهيوني أجزاء غالية من أرض الوطن، تصرخ حبات ترابها أن تتحرر وتتطهر، وفي هذا الوقت الذي تتجمع فيه مشاكل وتيارات عديدة في الداخل والخارج، أنتم تعلمونها جيدًا”.

WhatsApp Image 2026-10-07 at 7.41.23 PM (4)
نص رسالة مؤرخة في 4 أكتوبر 1970 خاص لـ"تليجراف مصر"

لن نقف متفرجين

وفي الصفحة الثانية، تنتقل الرسالة إلى أصحابها الثلاثة، وتقدم تفسيرًا لتدخلهم في المشهد السياسي بعد وفاة عبدالناصر، وتقول: “في هذا الوقت العصيب الخطير، وفي هذه المحنة القاسية، لم يكن ضميرنا الوطني، نحن الباقين من أعضاء مجلس قيادة ثورة 23 يوليو، الذين اشتركنا في تسليم أمانة قيادة الثورة في شكل دستوري عام 1956 إلى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، لم يكن ضميرنا الوطني ليسمح لنا أن نقف متفرجين في لامبالاة لما يحدث أو ما ينتظر أن يحدث للوطن في محنته”.

وتضيف الوثيقة أن أصحابها لا يريدون الاكتفاء بالمراقبة، وإنما يرون أن عليهم المشاركة في المرحلة الجديدة :"ولم يكن حبنا العظيم لأمتنا وشعبنا ليطاوعنا على أن نحجم عن محاولة المساهمة بالتفكير أو الجهد أو التضحيات التي يجب أن تعبأ بها طاقة كل فرد من أفراد الشعب، وكل إمكانية من إمكانيات الوطن، نصيحة صادقة مخلصة متجردة من الأنانية، متحلية بإنكار الذات؛ إذ إن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وإن خروجه مُعافى من محنته أكبر من كل ذات".

WhatsApp Image 2026-10-07 at 7.41.23 PM (3)
نص رسالة مؤرخة في 4 أكتوبر 1970 خاص لـ"تليجراف مصر"

لم نبحث عن السلطة

وتسعى الرسالة بوضوح إلى نفي أن يكون أصحابها الثلاثة قد تحركوا بدافع الرغبة في العودة إلى السلطة، فتقول: "وأنتم تعلمون أنه لم يكن لأحد منا في أي وقت من الأوقات مطمع في سلطة أو تمسك بسلطان، وتعلمون أيضًا أن استقالاتنا التي تركنا بها السلطة لم تكن تخليًا عن استمرار المساهمة في خدمة الوطن، أو إيثارًا للراحة عن مواصلة الجهاد، بل كانت في يقين كل منّا السبيل الوحيد لخدمة هذا الوطن والثورة، لتصحيح تلك الظروف التي كانت تحيط بكل منا في هذا الوقت".

وتحمل هذه الفقرة أهمية خاصة، في ظل أن أصحاب الرسالة كانوا بالفعل من رجال الصف الأول في نظام يوليو، لكنهم كانوا قد ابتعدوا عن السلطة قبل وفاة عبدالناصر بسنوات، فكمال الدين حسين وعبداللطيف البغدادي كانا قد خرجا من السلطة عام 1964، بينما كان زكريا محيي الدين قد ابتعد عن الحياة السياسية عام 1968، وبالتالي فإن توقيع الرجال الثلاثة على رسالة واحدة بعد وفاة عبدالناصر أعاد أسماءً كانت قد ابتعدت عن مركز القرار إلى قلب النقاش حول مستقبل النظام.

WhatsApp Image 2026-10-07 at 7.41.23 PM (2)
نص رسالة مؤرخة في 4 أكتوبر 1970 خاص لـ"تليجراف مصر"

الرسالة تحذر من استغلال الفراغ السياسي

وتوضح الوثيقة أن الهدف من الرسالة هو تقديم تصور لإدارة المرحلة المقبلة، محذّرة من أن التعامل مع الأزمات بردود الفعل لن يكون كافيًا.

وجاء في الرسالة: “في محنة الوطن هذه التي تدركون ولا شك أبعادها تمامًا، سواء في جبهتنا الداخلية أم في جبهة القتال حيث قواتنا المسلحة تؤدي واجبها، أو في مواجهة تيارات الخارج التي تتربص بنا الدوائر، نتقدم لكم بفكرنا ولو قبلتم بجهدنا وبحياتنا”.

وتابعت الرسالة: "نتقدم إليكم بما نراه أفضل الطرق لمواجهة الموقف والمشكلات التي قد تتراكم في المستقبل، ويصعب إيجاد حلول حاسمة لها، وتكون العلاجات لها مؤقتة أو كردود فعل سريعة غير مُجدية تعبر عن فقدان المبادرة السليمة".

ثم تحذر الرسالة من استغلال الفراغ السياسي، قائلة: "ونحن نتوقع أن يستفيد من هذا الموقف التيارات والتكتلات التي لا تعبر عن مصالح هذه الأمة، والتي نشك كثيرًا في أن تكون إجراءات الأمن السلبية كافية لمواجهتها".

تعبئة الشعب بدلًا من ترك الفراغ

بعد ذلك، تبدأ الوثيقة في طرح ما تعتبره الحل للخروج من الأزمة، وتضع “تعبئة حقيقية” للشعب في مقدمة أفكارها؛ إذ تقول: "نلخص أفكارنا في أن معركة الحياة التي نخوضها الآن تحتاج إلى تعبئة حقيقية صادقة مخلصة لطاقات كل أفراد هذا الشعب وإمكانياتهم، علاوة على قدرة القوات المسلحة، وأن تتفاعل هذه الطاقات بشكل يشعر فيه الشعب بأن أحسن الظروف قد هُيئت لقواتنا المسلحة لتقوم بواجبها خير قيام، كما تشعر فيه القوات المسلحة بأن كل الوطن معها قلبًا وقالبًا، قولًا وعملًا، في المعركة، وأن الجبهة الداخلية أقوى ما تكون وأقدر ما تكون".

وتضيف: "وتشعر بذلك كل القوى المتصارعة من حولنا، ويحس بثقل هذا التفاعل الجاد المخلص لهذه الجبهة الداخلية كل التيارات المتربصة".

WhatsApp Image 2026-10-07 at 7.41.23 PM (1)
نص رسالة مؤرخة في 4 أكتوبر 1970 خاص لـ"تليجراف مصر"

ولم تكتفِ الرسالة بالحديث عن الحرب والجبهة الداخلية، وإنما ربطت مواجهة الأزمة بمنح المصريين مساحة أكبر للتعبير والمشاركة.

وجاء فيها: “ومن فكرنا أيضًا أن شعب مصر شعب أصيل كريم، حين يؤمن ويثق، فإنه يصنع المعجزات، شجاعة وتضحية وبذلًا وكرمًا، ولا نجد فيه حينئذ أي نوع من أنواع السلبية القاتلة أو اللامبالاة المدمرة التي تصيب الناس إذا لم يعطوا فرصتهم لعرض أفكارهم وممارسة إرادتهم، واستشعار كرامتهم وإنسانيتهم وإحساسهم الحق بالمواطنة وممارستهم الحقيقية لحق المواطن في شؤون وطنه، ومن باب أولى في أخطر شؤون وطنهم”.

وهنا تنتقل الوثيقة من الحديث عن تعبئة الشعب في مواجهة الحرب إلى تصور سياسي أكثر وضوحًا، يتعلق بالحريات والمؤسسات والتمثيل الشعبي.

WhatsApp Image 2026-10-07 at 7.41.23 PM (6)
نص رسالة مؤرخة في 4 أكتوبر 1970 خاص لـ"تليجراف مصر"

مجالس منتخبة انتخابًا حرًا

وفي الصفحة الخامسة، تكشف الرسالة بشكل أكثر مباشرة عن رؤيتها لشكل الحياة السياسية التي ترى ضرورة إقامتها بعد وفاة عبدالناصر.

وتقول: "وإننا على يقين من أن تحرير الضمير والفكر وحرية الكلمة، والشعور بالأمن في ظل سيادة القانون العادل، وتحمل مسؤولية الرأي والعمل السياسي لكل مواطن عن طريق حزب أو مجالس منتخبة انتخابًا حرًا، ومؤسسات دستورية حرة، تمثل تمثيلًا صادقًا وحقيقيًا إرادة الشعب، نحن على يقين من أن كل ذلك هو سلاح الشعب في معركة الحياة التي يخوضها وفي كل معركة".

وتربط الوثيقة بين هذه المؤسسات وبين مواجهة التيارات التي ترى أنها قد تستغل حالة الفراغ السياسي: "وهو سلاحه ضد جميع القوى والتيارات التي تتربص بأمتنا الدوائر، ويسعدها شل إرادة هذا الشعب".

فراغ عبدالناصر ليس لشخص واحد

وتصل الرسالة إلى النقطة الأهم في تصور أصحابها للمرحلة التالية، وهي عدم ترك الفراغ الذي خلفه عبدالناصر لشخص واحد.

وتقول: “ولذلك نرى أن الواجب على كل مواطن حر شريف أن يدرك عِظم الفرصة، فرصة أن يملأ الشعب كله الفراغ الذي خلّفه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وكان يملؤه بشخصيته البطولية وبرصيده الشعبي الكبير، ورأينا أن يتحمل الشعب كله المسؤولية التي كان جمال عبد الناصر يتحملها نيابة عنه”.

وهنا تبدو الفكرة المركزية للرسالة واضحة:" عبدالناصر ترك فراغًا سياسيًا وشعبيًا كبيرًا، وأصحابها يرون أن الحل لا يكون بمجرد استبدال شخص بشخص، وإنما بنقل المسؤولية السياسية إلى الشعب ومؤسسات منتخبة".

WhatsApp Image 2026-10-07 at 7.41.23 PM
نص رسالة مؤرخة في 4 أكتوبر 1970 خاص لـ"تليجراف مصر"

وفي ختام الرسالة، يؤكد أصحابها أن ما قدموه ليس مطالبة بمنصب أو سلطة، وإنما تصور يرون أنه يخدم الوطن والثورة.

وجاء في الختام: “السيد أنور السادات الرئيس المؤقت للجمهورية، هذا فكرنا نقدمه لك إخلاصًا منا لوطننا وثورتنا وحاشا لله أن تقدروا له أي اعتبار آخر إلا إبراء للذمة واستعدادًا للتضحية من أجل المبادئ والوطن الباقي بقاء الحياة، ولا نرجو به إلا وجه الله وحق الوطن وراحة الضمير”.

وحملت الوثيقة توقيعات (كمال الدين حسين - زكريا محيي الدين - عبداللطيف البغدادي).

WhatsApp Image 2026-10-07 at 7.41.23 PM (5)
نص رسالة مؤرخة في 4 أكتوبر 1970 خاص لـ"تليجراف مصر"

لماذا كانت مذكرة 4 أكتوبر مهمة؟

تكشف الوثيقة عن لحظة شديدة الحساسية في تاريخ مصر، جاءت بعد ستة أيام فقط من وفاة جمال عبدالناصر، وفي وقت كانت فيه الدولة أمام انتقال سياسي لم يكن شكله النهائي قد استقر بعد.

فالموقعون الثلاثة لم يكونوا أسماءً هامشية في تجربة يوليو، وإنما من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين شاركوا في مرحلة تأسيس النظام، قبل أن يخرج كل منهم من السلطة في سنوات لاحقة.

واللافت أن الرسالة لم تحمل طلبًا بتنصيب أحد أصحابها رئيسًا، وإنما طرحت تصورًا يقوم على توسيع المشاركة السياسية، وتشكيل مؤسسات منتخبة، وإشراك الشعب في تحمل المسؤولية التي كان عبدالناصر، بحسب تعبيرهم، يتحملها نيابة عنه.

ومن هنا تكتسب المذكرة أهميتها؛ فهي لا تقدم فقط صورة عن الأيام الأولى بعد رحيل عبدالناصر، وإنما تكشف أيضًا أن مسألة الخلافة لم تكن مجرد البحث عن اسم يجلس على كرسي الرئاسة، بل كانت مرتبطة بسؤال أكبر وهو “هل تستمر صيغة الحكم التي ارتبطت بشخص عبدالناصر، أم تبدأ مرحلة جديدة تعيد توزيع مركز القرار وتفتح المجال أمام رجال يوليو الذين ابتعدوا عن السلطة، وإلى جانبهم مؤسسات وقوى سياسية أخرى؟”.

وبعد سنوات من خروجهم من السلطة، وجد زكريا محيي الدين وعبداللطيف البغدادي وكمال الدين حسين أنفسهم مرة أخرى أمام المشهد، في لحظة كان فيها مستقبل مصر السياسي يُعاد تشكيله بعد غياب عبدالناصر.

وهكذا تتحول مذكرة 4 أكتوبر 1970 من مجرد ورقة تحمل ثلاثة توقيعات إلى وثيقة تكشف جانبًا من الصراع الهادئ حول شكل الدولة بعد عبدالناصر، وتطرح سؤالًا ظل مفتوحًا في الأيام الأولى لغيابه: مَن يملأ الفراغ الذي تركه جمال عبدالناصر؟ شخص واحد أم مؤسسات أم الشعب كله؟.

اقرأ أيضًا

هكذا تحول حادث المنشية لنقطة فاصلة في تاريخ العلاقة بين عبدالناصر والإخوان

search