الجمعة، 09 أكتوبر 2026

12:29 ص

الجمعة، 09 أكتوبر 2026

12:29 ص

​محمد المصري صائد الدبابات.. الذي عاش إنسانا بدرجة بطل

​ثمانية عشر يومًا هي عمر أيام حرب أكتوبر المجيدة، حتى وقف إطلاق النار وما تلاها من أيام وأحداث.
ثمانية عشر يوماً.. هي من أعظم وأمجد أيام مصرنا الغالية والأمة العربية والإسلامية.

هي أيام كانت البشرية جمعاء تتباهى وتفاخر بجيش مصر الباسل وقتها وحتى تاريخه، هي أيام.. لا تُشكل بالحساب الزمني شيئاً في عمر الزمن.. بل إن هذه الأيام لا تشكل نقطة في فلاة ولا يكاد أحدٌ يراها، ولكنها هي محطة الميلاد والبعث وبث الروح للإنسان المصري.

ثمانية عشر يومًا.. هي كما عاشتها مصر.. تساوي أهم نقطة تحول في حياة المصريين على مدار عمرهم الحضاري، وهي تفوق أي مرحلة تغيير في حياتهم منذ مهد الحضارة.

ثمانية عشر يومًا عاشها بطلنا محمد المصري وكل من شارك في هذه الحرب سواء في ميدان القتال أو في أي موقع آخر، فخرًا وعزة وكرامة ومجدًا.. عاشها زهوًا.. وفرحًا.. كانت كالهرم الأكبر في شموخه وأنفته والمهابة التي تكسوه.

وأيضًا كان لقائي الأول مع المصري.. 

هو أشبه بعبور جديد نحو ذاكرة النصر العظيم وذكريات المصري ابن محافظة الشرقية.. صائد أكبر عدد لدبابات العدو الإسرائيلي بالعالم في حرب أكتوبر المجيدة.
لقاء يسرد حكاية بطل يرويها من قلب ريف مصر النابض.. ذلك البطل الذي عاش اليتم طفلًا وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره.. فهو أكبر إخوته الستة.. ليواجه قسوته ومرارة مسؤوليته المبكرة ومتطلبات الحياة الصعبة وهو ما يزال غصنًا صغيرًا لم يقو عوده على مجابهة كل هذه العواصف مبكرًا.. ولكنها مع هذا، خلقت منه أمام هذه الأزمات بطلًا مستحيلًا.. بطلًا شرسًا بحرب أكتوبر 73.. يصطاد الدبابات كما يصطاد الذباب، كما وصفوه وقالوا عنه.
 

​رأيته للمرة الأولى مرتديًا جلبابه الريفي الذي اشتهر به.. أثناء تكريمه بالمجلس الأعلى للثقافة، ذلك الثوب الذي لم يكن مجرد لباس بسيط، بل رمزًا أصيلًا لعزته وارتباطه بجذوره. وكأنه يعلن عن أصالته هذه أمام العالم بفخر واعتزاز.. ذلك الفارس النبيل الذي بدا كأنه خرج للتو من حكايات الجدات الشيقة.

كان الجلباب حاضنًا لشخصية تفيض هدوءًا وطيبة ورسوخًا، لرجل يتحدث بإتقان يحاكي صلابة أفعاله، تسكن كلماته الثقافة العميقة والمعلومات الحربية الدقيقة التي كان يزينها دومًا بحكم الآيات القرآنية الكريمة وروعة الأحاديث النبوية الشريفة وكأنها شواهد روحية على قصص الكفاح والنصر التي خاضها ويرويها لنا حية.
 

​توالت لقاءاتنا في قاعات المجلس الأعلى للثقافة، والجامعة العمالية، ونوادي الأدب مرورًا بالإسكندرية، وقصور الثقافة المختلفة.. وقفت إلى جانبه نكرم سويًا بوسام الشرف من مؤسسة "صقور مصر" بالإسكندرية، حيث كنت لا زلت أنظر إليه بانبهار؛ أنظر لرجل مصري أصيل لا يفرّط في جلبابه أبدا حتى في أكثر المناسبات أهمية، وبحضور علية القوم كما يقولون.

 لم تكن تلك البساطة سوى تواضع لرجل عالمي التفرد، بطل سجل اسمه في التاريخ كأعظم صائد دبابات، وفقًا لتقرير "البنتاجون" وزارة الدفاع الأمريكية.. محطمًا أساطير العدو تحت جنازير عقيدته وإيمانه.
 

​زاد إعجابي به وانبهاري حينما وجدت اسمه يرن على هاتفي يومًا ما.. كان يتصل بي فقط ليطمئن عليّ، لا بصفته بطلًا، بل أخًا يحمل في قلبه الدفء، وأحيانًا أبًا يبث في كلامه نصيحة وحنانًا فياضًا. كان هذا الاتصال والتواضع أشبه بوسام جديد أعلقه على صدري، من بطل سجل التاريخ اسمه بحروف من ذهب ويعتبر من أهم أبطال نصر أكتوبر المجيد.
 

​تكرر الاتصال وزاد الاقتراب الإنساني بيننا، فبات من أهم الأصدقاء والأحباء وأصبح هناك اهتمامًا متبادلًا ودائمًا في السؤال والاطمئنان، وأيضًا أصبح شريكًا هامًا لنا في حملتنا الإنسانية "نورك نوري شوف عيوني" لرعاية أصحاب البصيرة "المكفوفين" بمؤسستي، حيث كان لا يتوانى أبداً عن الحضور في كل مناسبة نقيمها بها، محملًا نفسه تعب السفر والرحلة الطويلة من محافظة البحيرة التي يسكنها منذ سنوات طويلة إلى مؤسستي الكائنة بمحافظة القاهرة، رغم عمره السبعيني، فكنت أخاف عليه كثيرًا وأطمئن تكرارًا ومرارًا بقلق واهتمام بالغين حتى وصوله سالمًا سواء إلينا أو عند مغادرته إلى بيته. 

ولم تقتصر العلاقة بيننا على حضور حفلات أكتوبر التي نقيمها أو حملات الاحتفاء بأصحاب البصيرة وإنما أيضًا زياراته الكريمة لبيتي وأسرتي، والتي كانت هي بمثابة محطات مضيئة، تمنحنا سعادة بالغة وتضفي علينا مشاعر متأججة بالوطنية، حيث تجمعنا حوله ونحن متشوقون، للاستماع إلى حكاياته وبطولاته المثيرة عن حرب أكتوبر، بنبرة يملؤها شغف وصدق يُعيد إلينا زمن المجد وكأنه حدث للتو.
 

اقترحَت عليه توثيق سيرته الذاتية الذكية في كتاب يحمل نورًا للأجيال الحاضرة والقادمة، يُخلد بطولاته بصفة خاصة وإنجازات بعض أبطال حرب أكتوبر بصفة عامة، ويكون حبلًا موصولًا من الوطنية والتضحية والانتماء والكفاح والاعتراف بجميل الأجداد عليهم وعلينا.
 

​فرح المصري كثيرًا بالفكرة وكأنها صاروخ المولوتيكا.. سيمسك به من جديد، ليهزم به أعداءه، تورد وجهه قمحي اللون، الذي يشبه سنابله الذهبية في صمودها في وجه الريح من أجل خير البشرية، يشبهها في عزتها وشموخها.. على الفور اتفقنا والتقطنا الصور معًا بمكتبي الأرابيسكي الخاص، الذي اعتدت أن أجلس عليه ضيوف مؤسستي الأعزاء ومن أحب، تقديرًا له ولمكانته المجتمعية الخاصة.. كانت عيون الكاميرا تركز على وجوهنا بمحبة.. شاهدة على حديثنا الثري، وعلى الحلم الذي كنا نرسمه سويًا، لتخليد سيرته العطرة معًا من خلال ما دار بيننا من أحاديث وأسرار، سجلتها الكاميرا صوتًا وصورة، ورصدتها بكل أمانة وتقصٍّ جاد وكان يهمني كثيرًا مشاعره الوطنية في كل ما سرده لي من أول لحظة دخوله العسكري.. وفي كل موقف مهيب تعرض له وكاد أن يكون عمره ثمنًا له. 

وفرحت أنا أيضًا بحصولي على هذه المادة التاريخية الثمينة من صاحبها الأول في العالم في اصطياد دبابات العدو. وتكررت المقابلات والزيارات والاتصالات الهاتفية بعدها، لاستكمال الإعداد الكتاب وتأريخه، لكن شيئًا ما غامضًا لم أكتشف سره حتى الآن وأتساءل حائرة: لماذا لم يكتمل فرحنا معًا نحن الاثنين في استكمال الصورة التي رسمناها سويًا لإخراج الكتاب إلى الحياة والقراء ونحتفل بتوقيعه كما خططنا وسط محبينا وزملائه الأبطال ومن يقدرون دوره التاريخي النموذجي في الحرب والنصر؟
​نعم لم تتحقق أمنية المصري في الإمساك بتاريخه المجسد في سطور مسكونة بالنور والنصر وبغلاف جميل تزينه صورته المصرية الأصيلة بجلبابه الشهير.. أشعر الآن بحزن وندم شديدين لعدم تحقيق أمنيته الغالية وهو يتنفس الحياة بيننا، فقد كانت الظروف أقوى من إرادتي ورغبتي في تحقيق ما تمنى. نعم، وإن لم تكتمل الرحلة والكتاب الذي كنا نحلم بإخراجه للنور.. وظل فقط فكرة تلاحقنا، وحلمًا يخايلنا لم يتحقق في حياته، فقد رحل قبل أن يمسك بكتابه بين يديه وينظر فيه بابتسامته الهادئة العميقة كعادته معلقًا بدماثته المعهودة بالشكر والامتنان والإطراء، والذي كان متواضعًا حتى إنه دائمًا لا ينسب فضل انتصاره إلى نفسه فقط، وإنما إلى زملائه أيضًا.

 وأيضًا يقول: "فمن أنا حتى أكون في سجل شرفاء الوطن؟ أنا ببساطة شديدة.. وبوطنية أعشق بلدي حتى النخاع مثل أي مواطن مصري".
​فقد رحل عنا إلى خالقه منذ أيام ربما امتدت لثلاثة أشهر أو أكثر حتى الآن، قبل أن يحضر كعادته الاحتفال السنوي به كبطل من ضمن أبطال أكتوبر الشرفاء لعامنا الحالي 2024، فقد جاء رد هاتفه على دعوتي له.. صامتًا بلا روح.. ليس كعادته حاملًا صوته القبول والاستجابة السريعة والترحيب الكريم الذي كان يشع ببهجة الإقدام على الحياة والعزم على النجاح والنصر بكل شيء، فهو نموذج مثالي لنا جميعًا يستحق التكريم بقراءة إنجازه العسكري الرائع الذي قام به بكل إخلاص.. وأن يراه بعينه متجسدًا في كتاب ورقي كما كان يتمنى.
 

​لكن ما يهدئ بالي وما يريح قلبي وضميري ورثائي في ذلك هو إصراري على أن أخرج هذا الكتاب للنور سريعًا بعد رحيله عن الحياة.. تكريمًا له، ولأقدمه هدية لزوجته وأبنائه وأحفاده وأقاربه وأصدقائه.. وليكون مثالًا وقدوة يحتذى بها للأجيال الحاضرة والقادمة، لبطل مصري دافع بروحه عن أرضه ووطنه. وما يثلج صدري أيضًا هو أنني تشرفت باختياري له منذ سنوات رئيسًا شرفيًا لمؤسستي، وأيضًا قمت بتكريمه أكثر من مرة في مناسبات متعددة.

title

مقالات ذات صلة

الباب

01 أكتوبر 2026 08:41 ص

مليون محمد صلاح

23 سبتمبر 2026 09:54 ص

الرحلة الأصعب

09 سبتمبر 2026 10:04 ص

search