الأحد، 11 أكتوبر 2026

08:07 م

الأحد، 11 أكتوبر 2026

08:07 م

سد النهضة بين ضجيج ترامب وحقوق مصر

بين تصريح يتحدث عن إزالة سد النهضة، وآخر يعلن أن نهر النيل لم يعد فيه ماء، سنوات تفصل بين موقفين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أكبر من التصريحات ذاتها: ماذا فعلت واشنطن لحماية حقوق مصر المائية؟ القضية هنا لا تتعلق بعبارة أطلقها رئيس أمريكي أمام أنصاره، ولا بتصفيق يلاحق كلمات تحمل نبرة حاسمة، وإنما بمصير نهر يمثل شريان الحياة للمصريين، وبأزمة ممتدة تحتاج إلى موقف دولي واضح، وإجراءات عملية تضع حدا  للانفراد بالتصرف في مورد مائي مشترك.

سد النهضة الإثيوبي

لقد عاد ترامب خلال الأيام الأخيرة إلى الحديث عن سد النهضة الإثيوبي، وذهب في تصريحاته إلى القول إن إثيوبيا استولت على مياه النيل، وإن النهر لم يعد فيه ماء، مضيفا أنه عمل على حل المشكلة، وهذه التصريحات، بصرف النظر عن المبالغة الواضحة في وصف واقع النهر، تعيد القضية إلى واجهة الاهتمام الدولي، وتطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الحل الذي يتحدث عنه الرئيس الأمريكي، وحدود ما تحقق بالفعل، وما إذا كانت هناك خطوات ملموسة تضمن حقوق دولتي المصب، مصر والسودان، أم أن الملف لا يزال يدور في مساحة الوعود والتصريحات.

 السياسة الخارجية

الحقيقة أن قضية سد النهضة لا تحتمل التعامل معها باعتبارها مناسبة للمزايدات السياسية أو وسيلة لإظهار القدرة على إطلاق المواقف القوية؛ المياة بالنسبة إلى مصر ليست ملفا عابرا في أجندة السياسة الخارجية، وإنما قضية ترتبط بالحياة والتنمية والزراعة والغذاء ومستقبل الأجيال و أي حديث دولي عن تسوية الأزمة يجب أن يقاس بقدرته على الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء السد وتشغيله، ويحدد آليات واضحة للتعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد، ويضمن تبادل المعلومات والتنسيق بين الدول المعنية، أما الحديث عن أن النهر جف تماما، فهو وصف لا يعبر عن الواقع الفعلي، لكنه يكشف عن إدراك سياسي لأهمية القضية وخطورتها على مصر، وهو إدراك ينبغي أن تكون له ترجمة عملية.

البيت الأبيض

ومن المهم هنا أن نتوقف أمام التباين بين خطاب ترامب والنتائج التي تحققت حتى الآن، ففي ولايته الأولى، تدخلت الولايات المتحدة في مسار المفاوضات، واستضافت واشنطن جولات من المحادثات بمشاركة الأطراف المعنية، ووصلت المفاوضات إلى صيغة اتفاق لم توقعه إثيوبيا، وبعد عودته إلى البيت الأبيض، تحدث ترامب مجددا عن استعداده للتوسط، وأبدى اهتماما بإنهاء النزاع، وهو ما يفتح الباب أمام دور أمريكي أكثر فاعلية إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة، لكن الوساطة لا تقاس بإعلان الاستعداد لها، وإنما بقدرتها على تقريب المواقف، وإزالة أسباب التعثر، ودفع الأطراف إلى التزامات واضحة قابلة للتنفيذ والمتابعة.

حقوق مصر والسودان المائية

وهنا تظهر المسألة الأكثر أهمية: أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تكتفي بتوصيف الأزمة ثم تتركها تدور في الحلقة نفسها، فإذا كانت الإدارة الأمريكية ترى أن بناء السد من دون اتفاق ملزم يمثل مشكلة، كما توحي تصريحات رئيسها، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون العمل الجاد على تسوية تحفظ حق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء، وفي الوقت ذاته تحمي حقوق مصر والسودان المائية، التنمية لا تمنح دولة حق فرض الأمر الواقع على الآخرين، كما أن حماية الحقوق المائية لا تعني إنكار احتياجات الشعوب إلى التنمية، والمعادلة العادلة هي التي تجمع بين الأمرين من خلال قواعد واضحة، والتزامات متبادلة، وآليات رقابة وتنسيق تضمن ألا يتحول السد إلى مصدر دائم للقلق وعدم الاستقرار في حوض النيل.

أما تكرار ترامب القول إن الولايات المتحدة مولت سد النهضة، فيحتاج بدوره إلى تدقيق؛ فهذه رواية يرددها الرئيس الأمريكي، بينما تقول إثيوبيا إن المشروع جرى تمويله من موارد محلية، ولذلك فإن التعامل الجاد مع الملف يتطلب التمييز بين التصريحات السياسية والوقائع المالية الموثقة، وعدم بناء الاستنتاجات على عبارة غير محسومة، لكن الأهم من الجدل حول مصدر التمويل هو السؤال المتعلق بمسؤولية واشنطن اليوم: ما الذي ستقدمه لدفع مسار التسوية؟ وما الضمانات التي يمكن أن تعمل عليها حتى لا يبقى مستقبل المياه رهينا بقرارات أحادية أو بتغير المواقف السياسية؟

منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل

إن أي حديث عن تحركات عسكرية أو تعاون أمني أمريكي مع إثيوبيا يجب أن يقرأ في ضوء معلومات موثقة، لا أن يتحول إلى دليل قاطع على موقف واشنطن من أزمة المياه من دون معرفة طبيعة هذه التحركات وأهدافها، العلاقات العسكرية بين الدول قد تتعدد دوافعها، لكن من حق مصر أن تنتظر وضوحا في المواقف الدولية عندما يتعلق الأمر بقضية تمس حياة شعبها، وأن تظل حقوقها المائية حاضرة في أي حوار سياسي أو أمني يرتبط بمنطقة القرن الإفريقي وحوض النيل، والمطلوب ليس تصعيدا لفظيا جديدا، وإنما اتساق بين ما تعلنه القوى الدولية وما تتخذه من مواقف وخطوات على أرض الواقع.

إن مصر، وهي تدافع عن حقوقها المائية، تستند إلى موقف واضح يقوم على أن النيل مورد مشترك، وأن الحفاظ عليه يتطلب التعاون والاتفاق والامتناع عن الإجراءات الأحادية التي قد تلحق الضرر بدول المصب وقد أثبتت سنوات التفاوض أن ترك الأزمة من دون تسوية ملزمة يبقي أبواب الخلاف مفتوحة، ويجعل كل مرحلة جديدة من تشغيل السد مصدرا لتساؤلات إضافية، والمطلوب من أي وسيط دولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة إذا أرادت مواصلة دورها، ألا يكتفي بإعلان النوايا، بل أن يعمل على صياغة تفاهمات محددة تحمي الحقوق وتمنع الضرر وتؤسس لعلاقة أكثر استقرارا بين دول حوض النيل.

قضية بحجم نهر النيل

ماذا يريد ترامب إذن؟ الإجابة لا تستخلص من تصريح منفرد، ولا من نبرة حادة أمام تجمع انتخابي، وإنما من الخطوات التي ستتخذها إدارته خلال الفترة المقبلة، فإذا تحولت التصريحات إلى تحرك دبلوماسي جاد وضغط من أجل اتفاق ملزم، أمكن الحكم على الموقف من خلال نتائجه، أما إذا بقيت الكلمات أكبر من الأفعال، فستظل الأزمة قائمة، وسيظل السؤال مطروحا حول الفارق بين إعلان الاهتمام بحماية حقوق مصر المائية وبين ممارسة دور فعلي يضمنها، وفي قضية بحجم نهر النيل، لا تكفي الوعود مهما ارتفعت نبرتها؛ حقوق الشعوب لا تصان بالتصريحات، وإنما بالاتفاقات العادلة والالتزامات الواضحة والإرادة السياسية القادرة على تحويل الكلام إلى حقيقة.

اقرأ أيضا:

أستاذ علوم سياسية: كلمة مدبولي عن فلسطين تحمل رسالة

search