الجمعة، 16 أكتوبر 2026
11:32 م
الدكتور حسن الصادي
حذر أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة الدكتور حسن الصادي، من التوسع في التمويل الاستهلاكي داخل السوق المصرية، في ظل تراجع المدخرات وزيادة الاعتماد على القروض لشراء السلع والخدمات، مؤكدًا أن تجاوز حدود القدرة الحقيقية على السداد قد يفاقم الأعباء المالية على المواطنين ويزيد المخاطر التي تواجه شركات التمويل والاقتصاد.
وقال الصادي، خلال حواره مع الإعلامية رانيا بدوي في بودكاست "فاصلة ومنقوطة"، إن التوسع في التمويل الاستهلاكي يمثل، بحسب وصفه، "مصيبة سودا" على الاقتصاد المصري والمواطنين، مشيرًا إلى أن زيادة الاستهلاك بالتزامن مع تراجع المدخرات وارتفاع القروض الاستهلاكية تثير مخاوف بشأن قدرة المقترضين على الوفاء بالتزاماتهم المالية.

وأوضح أن المشكلة لا تكمن في نظام التقسيط ذاته، وإنما في تمويل مشتريات تتجاوز الإمكانات المالية للمواطن، مشددًا على ضرورة أن يتناسب الإنفاق مع الدخل الفعلي، بدلًا من الاعتماد على الاقتراض لرفع مستويات الاستهلاك إلى ما يفوق القدرة على السداد.
وأوضح أستاذ اقتصاديات التمويل أن أحد أبرز المخاطر المرتبطة بالتمويل الاستهلاكي يتمثل في الفارق الزمني بين خروج الأموال من الاقتصاد المصري وعودة قيمتها، خاصة عند استخدام القروض في شراء المنتجات المستوردة بالتقسيط.
وضرب الصادي مثالًا باستيراد السيارات، مشيرًا إلى أن قيمة السيارات الواردة إلى مصر بلغت نحو 5 مليارات دولار في عام 2023، وفقًا لما ذكره خلال الحوار، موضحًا أن المستورد يسدد قيمة السيارة إلى الخارج، بينما يسدد المواطن ثمنها على أقساط تمتد لعدة سنوات.
واعتبر أن هذا الوضع يؤدي إلى خروج الأموال من الاقتصاد بصورة سريعة، في حين تعود قيمتها تدريجيًا عبر الأقساط، مشيرًا إلى أن التمويل الاستهلاكي يكون أكثر دعمًا للنشاط الاقتصادي عندما يتجه إلى المنتجات المحلية التي تسهم في تشغيل المصانع المصرية وتعزيز الإنتاج.

وأضاف أن تقييم جدوى تمويل المنتجات المحلية يجب أن يراعي نسبة المكون المحلي إلى الأجنبي، معتبرًا أن تمويل المنتجات المستوردة بالكامل يثير تساؤلات بشأن جدواه الاقتصادية، في ظل تحمل الاقتصاد تكلفة الاستيراد مقدمًا.
وفيما يتعلق بمخاطر عدم السداد، حذر الصادي من أن تعثر أعداد كبيرة من العملاء قد يتحول إلى مشكلة تؤثر في الاقتصاد، مشيرًا إلى أن بعض شركات التمويل الاستهلاكي تسجل، بحسب تصريحاته، نسب تعثر تتجاوز 30% من إجمالي محفظة التمويل.
وأضاف أن وصول عدد المتعثرين إلى 4 أو 5 ملايين شخص قد يؤدي إلى أزمة ديون واسعة النطاق، مستشهدًا بتجربة إحدى الدول الخليجية التي قال إنه عمل بها، وشهدت نحو 200 ألف قضية منع سفر مرتبطة بديون استهلاكية، رغم أن عدد مواطنيها لم يكن يتجاوز مليون شخص.
وانتقد الصادي ما وصفه بسهولة الحصول على التمويل لدى بعض شركات التمويل الاستهلاكي مقارنة بالإجراءات المصرفية، محذرًا من منح القروض دون التحقق بصورة كافية من الملاءة المالية للعملاء وقدرتهم الفعلية على السداد.
وشدد على أهمية تقييم الجدارة الائتمانية للمقترضين قبل منح التمويل، بما يحد من تراكم الالتزامات المالية ويقلل مخاطر التعثر على العملاء والشركات.
وأكد أستاذ اقتصاديات التمويل أن ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة المصروفات الأساسية لا يبرران منح المواطن تمويلًا يتجاوز قدرته على الإنفاق، موضحًا أن محدودية الدخل تفرض ضرورة وضع حدود واقعية للاستهلاك والاقتراض.
وضرب مثالًا بمواطن يبلغ دخله الشهري 10 آلاف جنيه، مشيرًا إلى أنه لا يمكن التعامل مع احتياجاته باعتبار أن لديه قدرة مستدامة على إنفاق 20 ألف جنيه شهريًا، اعتمادًا على الاقتراض.
وأضاف أن الاقتراض لتغطية الفجوة بين الدخل والمصروفات قد يوفر حلًا مؤقتًا، لكنه قد يؤدي لاحقًا إلى زيادة الأعباء المالية عندما يحين موعد سداد الأقساط، خاصة إذا استمر العجز بين الإيرادات والالتزامات الشهرية.
وحذر من أن الاعتماد المتكرر على القروض لتغطية الاحتياجات المعيشية قد يؤجل التعامل مع أسباب الضغوط المالية، بدلًا من معالجة جذورها.

وشدد الصادي على ضرورة تعزيز الرقابة على نشاط التمويل الاستهلاكي، بما يضمن التحقق من قدرة العملاء على السداد، ومراجعة إجراءات منح القروض، والحد من المخاطر الناتجة عن التوسع في التمويل دون تقييم كافٍ للملاءة المالية.
وأكد أن تحقيق التوازن بين احتياجات المواطنين للشراء بالتقسيط والحفاظ على الاستقرار المالي يتطلب توجيه التمويل بصورة أكثر كفاءة، مع مراعاة أثره على الإنتاج المحلي والمدخرات ومستويات المديونية.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل أهمية التمييز بين التمويل الاستهلاكي الذي يساعد الأسر على إدارة نفقاتها بصورة مدروسة، والاقتراض الذي يتجاوز القدرة على السداد، بما قد يضع المقترضين وشركات التمويل أمام أعباء مالية متزايدة.
اقرأ أيضًا:
الرقابة المالية تحظر تمويل الذهب.. حماية للمستهلك أم ضغط على سوق المعدن؟
16 أكتوبر 2026 11:19 م
16 أكتوبر 2026 09:52 م
16 أكتوبر 2026 08:36 م
16 أكتوبر 2026 08:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً