الأربعاء، 21 أكتوبر 2026
05:17 ص
في السياسة، هناك فارق كبير بين أن تعرف متى تنتهي مرحلة، وأن تعرف كيف تبدأ المرحلة التي تليها، فالفارق بين الأمرين يشبه الفارق بين معرفة موعد وصول القطار، ومعرفة إلى أين سيذهب ركابه بعد النزول منه، ولهذا لم يكن أهم ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي، في الأكاديمية العسكرية اليوم السبت 17 أكتوبر 2026، هو تحديد عام 2030 موعداً لنهاية فترة رئاسته، فالتاريخ معروف بحكم الدستور وتعديلاته الصادرة عام 2019.
لكن الأهمية جاءت من أمرين آخرين؛ الأول، أن الرئيس اختار بنفسه أن يعيد تأكيد هذا الموعد، بعد أن تحدث عنه أكثر من مرة خلال الأيام الماضية، قائلاً إن نهاية رئاسته في 2030 أمر محسوم تماماً، وإن الدستور المصري لن يمس؛ والثاني، وربما الأكثر أهمية، أنه لم يكتف بالحديث عن نهاية المرحلة، وإنما طرح تصوراً لما ينبغي عمله قبل أن تنتهي، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
في كلام الرئيس فكرة تستحق التوقف عندها طويلاً، فهو لا يتحدث عن اسم شخص بعينه يخلفه في الحكم، وإنما عن إعداد مجموعة من المصريين ليكونوا مؤهلين لتحمل مسؤولية قيادة الدولة، فاقترح لجنة يتولى رئيس مجلس النواب مسؤولية تشكيلها، وتضم شخصيات سياسية وفكرية ومسؤولين معنيين، لوضع معايير لاختيار كوادر من حملة الدكتوراه، تخضع لبرنامج إعداد وتأهيل داخل الأكاديمية العسكرية لمدة ثلاثين شهراً، مع بحث إصدار قانون ينظم هذه العملية، ولم يقصر الرئيس الحديث على منصب رئيس الجمهورية، وإنما امتد تصوره إلى إعداد قيادات لمختلف مؤسسات الدولة.
ثم قال عبارة بالغة الدلالة "مصر مش عقيمة على إنها تنتج أحسن مني 100 مرة"، وهذه العبارة تحمل معنى يتجاوز المجاملة المعتادة للشعب المصري، فهي تطرح سؤالاً ظل حاضراً في السياسة المصرية منذ سنوات طويلة: هل لدينا مشكلة في وجود القيادات، أم في الطريقة التي نكتشف بها هذه القيادات ونمنحها الفرصة؟
الحقيقة أن مصر، بتاريخها ومؤسساتها وجامعاتها وملايين المتعلمين من أبنائها، لا تفتقر إلى أصحاب العلم والخبرة والطموح، ولكن امتلاك المؤهلات شيء، وإتاحة الطريق إلى مواقع المسؤولية شيء آخر، فقد تمتلك الدولة عشرات الآلاف من الكفاءات، دون أن تمتلك بالضرورة نظاماً واضحاً وعادلاً لاكتشافها وإعدادها واختيار الأنسب منها، ومن هنا تأتي أهمية النقاش الذي فتحه الرئيس.
لكن علينا أن نفرق بين مسألتين قد تبدوان متشابهتين، بينما هما في الحقيقة مختلفتان تماماً؛ فالأولى هي تأهيل الإنسان ليصبح قادراً على إدارة الدولة، والثانية هي حق هذا الإنسان في الترشح لقيادتها، وحق الشعب في اختياره؛ فالأولى مسألة تعليم وتدريب وخبرة، أما الثانية فهي مسألة دستور وقانون وسياسة وإرادة شعبية، ولا ينبغي الخلط بينهما.
فالدكتوراه قد تكون دليلاً على التميز العلمي، لكنها ليست وحدها دليلاً على القدرة السياسية، كما أن الخبرة في إدارة المؤسسات لا تعني بالضرورة امتلاك رؤية شاملة لإدارة مجتمع متعدد المصالح والاتجاهات. وفي المقابل، لا يمكن اعتبار الخبرة السياسية بديلاً عن المعرفة، أو اعتبار القدرة على مخاطبة الجماهير دليلاً كافياً على القدرة على إدارة دولة بحجم مصر، فالدولة الحديثة تحتاج إلى الأمرين معاً؛ تحتاج إلى من يفهم كيف تعمل مؤسساتها، وإلى من يعرف كيف يتعامل مع المجتمع الذي تعمل هذه المؤسسات من أجله، ومن ثم فإن السؤال ليس: هل نحتاج إلى إعداد قيادات جديدة؟ السؤال هو: كيف نعدها، وكيف نختارها، ومن يضع معايير الاختيار؟
وهنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في المقترح، فالرئيس تحدث عن لجنة ومعايير واختبارات وبرنامج يمتد ثلاثين شهراً، وأشار إلى إمكانية اختيار الشعب من بين المشاركين فيه، لكنه قال أيضاً عبارة مهمة "إحنا مش هنمنع حد"، وهذه العبارة تحتاج إلى ترجمة قانونية واضحة، فالدستور المصري، في المادتين 141 و142، يحدد القواعد الأساسية للترشح لرئاسة الجمهورية، وهذه القواعد لا تتضمن الحصول على الدكتوراه، ولا الالتحاق بالأكاديمية العسكرية، وبالتالي فإن تأهيل مجموعة من المصريين يمكن أن يكون مساراً إضافياً لإعداد الكفاءات، بينما يظل حق الترشح محكوماً بالقواعد الدستورية والقانونية العامة.
وهذا الفارق ليس تفصيلاً صغيراً، لأن هناك فرقاً بين أن تقدم الدولة للناخب مجموعة من الشخصيات المؤهلة ضمن بدائل متعددة، وبين أن يصبح التأهيل في مؤسسة بعينها شرطاً فعلياً للمنافسة على الرئاسة؛ والفرق بين الأمرين هو الذي سيحدد طبيعة التجربة عندما تنتقل من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التشريع والتنفيذ.
ثم هناك أسئلة أخرى لا تقل أهمية وهي: كيف ستتشكل اللجنة المقترحة؟ ومن سيختار أعضاءها؟ وهل ستضم اتجاهات سياسية وخبرات متنوعة؟ وهل ستكون معايير قبول المتقدمين معلنة وقابلة للمراجعة؟ وهل سيقتصر البرنامج على أصحاب المؤهلات العلمية العليا، أم ستوجد مسارات أخرى تستفيد من أصحاب الخبرات السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية؟ ثم ما طبيعة العلاقة بين هذا البرنامج وبين الأحزاب السياسية، التي يفترض أن تكون بدورها إحدى المؤسسات الأساسية لإعداد القيادات وتقديم المرشحين؟
هذه ليست أسئلة للاعتراض على الفكرة قبل دراستها، بل هي الأسئلة التي لا يمكن دراسة الفكرة بجدية من دون الإجابة عنها، فكلما كانت المعايير واضحة، أمكن تقييم مدى عدالتها، وكلما اتسعت فرص المشاركة، أمكن معرفة ما إذا كانت التجربة قادرة على استيعاب التنوع الموجود في المجتمع المصري، والأهم أن إعداد القيادات لا يتوقف عند منحها المعرفة، وإنما يمتد إلى بناء قدرتها على اتخاذ القرار، وقبول النقد، والخضوع للمساءلة؛ فالرئيس لا يدير مؤسسة مغلقة، وإنما يقود دولة يعيش فيها ملايين المواطنين، لكل منهم تطلعاته ومصالحه ووجهة نظره.
وبالتالي يبقى السؤال الأكبر المتعلق بعام 2030 نفسه، لقد قال الرئيس السيسي بوضوح إن مدة رئاسته تنتهي في ذلك العام، وإن هذا الأمر محسوم، ومن الإنصاف تسجيل هذا التصريح باعتباره تعهداً سياسياً علنياً ومحدداً، خصوصاً أنه جاء متكرراً خلال فترة قصيرة، ولكن الالتزام الدستوري لا يكتمل بالتصريحات وحدها، مهما بلغت درجة وضوحها، وإنما يكتمل بالممارسة، وباستمرار المؤسسات في أداء أدوارها، وبوجود قواعد مستقرة تنظم انتقال السلطة من رئيس إلى آخر، فالدستور ليس مجرد نص يحدد متى يغادر الرئيس منصبه، إنه أيضاً النص الذي يحدد كيف يأتي الرئيس الجديد، ومن يملك حق المنافسة، ومن يملك سلطة الاختيار، ولذلك فإن الحديث عن عام 2030 لا ينبغي أن ينحصر في شخص الرئيس القادم، وإنما ينبغي أن يشمل طبيعة العملية السياسية التي ستأتي به.
ربما تكون أهم نتيجة لكلام الرئيس أنه نقل جزءاً من النقاش العام من سؤال "هل يستمر الرئيس؟" إلى سؤال "كيف نستعد لما بعد انتهاء ولايته؟"، وهذا انتقال يستحق الدراسة، ولكن السنوات المتبقية حتى 2030 ستكشف كيف ستتطور الفكرة: هل تتحول إلى برنامج مؤسسي دائم لإعداد القيادات؟ وكيف ستتحدد علاقته بالنظام الانتخابي القائم؟ وما الضمانات التي سترافق تطبيقه؟ ليست لدينا اليوم إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، لأننا ما زلنا أمام مقترح في بدايته، ولكن لدينا فرصة لمناقشتها قبل أن تتحول إلى قرارات يصعب تغييرها.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو من سيجلس على مقعد رئيس الجمهورية بعد عام 2030، فالأشخاص يتغيرون، مهما طالت مدد بقائهم في الحكم، أما الدول فتستمر، والدولة التي تنجح في إعداد من يحكمها، عليها أيضاً أن تضمن أن يظل اختيار من يحكمها حقاً أصيلاً لشعبها؛ فالمستقبل لا تصنعه الأسماء وحدها، وإنما تصنعه القواعد التي تبقى بعد أن ترحل الأسماء.
03 أكتوبر 2026 12:20 م
15 سبتمبر 2026 08:21 ص
23 أغسطس 2026 06:33 م
14 يوليو 2026 06:42 م
أكثر الكلمات انتشاراً