السبت، 24 أكتوبر 2026

08:48 ص

السبت، 24 أكتوبر 2026

08:48 ص

الاستثنائيون

عندما بدأت كتابة «الاستثنائيون – نوادر هويدا عطا»، لم أكن أبحث عن أشخاص مختلفين لمجرد اختلافهم، ولم أكن أبحث عن حكايات غريبة لمجرد الدهشة؛ كنت أبحث عن الإنسان… عن تلك المساحات الخفية في أرواحنا التي لا تظهر إلا حين تضعنا الحياة أمام اختبار حقيقي وصعب.

كنت أؤمن دائمًا أن خلف كل وجه حكاية، وأن كثيرًا من الذين نعبر بجوارهم في صمت قد يحملون في داخلهم بطولات لا نعرف عنها شيئًا.

ومن هنا بدأت رحلتي مع هذا الكتاب.

اقتربت من شخصيات لم تصنعها الأضواء، ولم تمنحها الحياة طريقًا سهلًا، لكنها استطاعت، كل بطريقتها، أن تصنع من ظروفها القاسية طريقًا مضيئًا نحو الحياة... هذا الكتاب يضم ثلاث عشرة حكاية إنسانية، وكل حكاية منها عالم خاص، يحمل وجعًا وأملًا وتجربة تستحق أن تُروى.

بدأتُ مع بيرا خان، الباكستاني الرجل الذي عانى من وحمة ضخمة تتخطى العشرة كيلوات فغيّرت ملامحه وحاصرته بنظرات الخوف والنفور، من كل من يراه.. حتى أنه يخشى أن يعود في إجازته من عمله بأبوظبي إلى بلده الأم حتى لا يرتعد طفله من رؤيته.. جلست إليه واكتشفت ألمه، الغارق فيه حتى أذنيه فكتبت قصته، بكل ما أملك من إحساس وحس روائي.. الحمد لله وجدت قصته اهتمامًا من سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئيس مجلس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة فأمر بعلاجه بالمستشفى الأمريكي بدبي بإجراء مجموعة من العمليات على فترات متقطعة من أجل إزالة هذه اللحوم المهترئة وعاد بعدها إلى أسرته وحياته دون خوف بابتسامة جديدة.

أما الجدة سهيلة الإماراتية، حارسة الصحراء، تلك المرأة التي وجدت في الصحراء وطنًا وذاكرة، وحملت في وجودها حكاية المكان وروحه.

امرأة تسعينية عاشت في قلب الصحراء، وتعلمت منذ طفولتها حفر الآبار، وتربية الخيل والجمال، وزراعة النخيل والصيد، وحملت مسؤوليات الحياة مبكرًا بعد فقد والديها.

لكن اللافت في سهيلة ليس فقط قدرتها على العيش في الصحراء، وإنما قدرتها على تحويل الوحدة إلى قوة، والقسوة إلى خبرة، والرمال إلى ذاكرة. ومزرعة غناء

إنها امرأة لا تبدو الصحراء بالنسبة إليها مكانًا موحشًا؛ بل تبدو كأنها امتداد لروحها.

وحين تقول إن «الحركة بركة»، فإنها لا تقدم لنا مجرد حكمة شعبية، وإنما تلخص فلسفة حياة كاملة: أن الإنسان يستطيع أن يظل حيًا ما دام قادرًا على العمل، والعطاء، والحركة، والتشبث بالحياة.

أما حكاية «أمر الله.. المليونير الحافي» من إيران فهي من أكثر الحكايات إيلامًا.

رجل شارك في بناء مرحلة من مراحل نهضة أبوظبي، وعاش سنوات من الثراء والمكانة، ثم انقلبت الدنيا عليه، وخسر ماله، وأصيب بالمرض، وانتهى به الحال إلى السكنى بالشارع والاكتواء بالفقر والحاجة.

وهنا لا تصبح الحكاية حكاية رجل واحد فقط، وإنما تصبح مرآة لسؤال إنساني كبير:

ماذا يبقى من الإنسان عندما تسقط عنه كل الأشياء التي كان يظن أنها تحميه؟

يبقى الإيمان. والأمل. وتبقى الكرامة الإنسانية التي لا ينبغي أن تسقط مهما تغيرت الظروف.

ولذلك تنتهي حكايته في الكتاب بصورة شديدة الإنسانية؛ جسد أنهكته الصدمات، لكن شرارة الرجاء ما زالت موجودة في قلبه.

ثم يأتي الدكتور العمران.. حين يصبح العلم نورًا

فهو قاهر الظلام بالقانون.

رجل فقد بصره، لكنه لم يسمح للظلام أن يكون نهاية الطريق.

ذهب إلى بريطانيا، وحصل على الدكتوراه في التشريعات الخاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وحوّل تجربته الشخصية إلى معرفة يريد أن يخدم بها مجتمعه.

وهنا تصبح الإعاقة في الكتاب ليست عنوانًا للعجز، وإنما نقطة انطلاق نحو الإنجاز.

ولهذا تأتي قصة العمران كأنها تقول لنا:

قد تغيب العين، لكن البصيرة تستطيع أن ترى أبعد مما تراه العيون.

وأتوقف أمام عبقري على كرسي متحرك، لأكتشف معه أن الجسد قد تحده الحركة، لكن العقل لا تعوقه الجدران، وأن الإنسان يستطيع أن يصنع من المساحة الضيقة عالمًا واسعًا.

وفي حكاية أخرى، أتابع رحلة إنسان خرج من المقابر إلى ألمانيا، في مسار إنساني يحمل كثيرًا من التحولات، ويؤكد أن نقطة البداية مهما كانت قاسية، لا تعني بالضرورة أن تكون النهاية كذلك.

فنجد المواطنة الإماراتية الحديدية أم سيف التي وصلت إلى الثانوية العامة بعد الستين متحدية كل العوائق والظروف الصعبة.. لتصبح أول إماراتية تنجز هذا السبق.

ثم أقف طويلًا أمام حكاية الأم الفلسطينية سمية نصرالله التي واجهت بمفردها تحديات تربية ثلاثة أطفال من الصم والبكم، فتحولت من أم تواجه العجز إلى امرأة تصنع من الصبر لغة ومن المحنة طريقًا للحياة.

كما نلتقي بسيدة البحر، أول منقذة بحرية في الإمارات، في صورة أخرى للمرأة التي تخوض مجالات لم تكن مألوفة، وتثبت أن الإرادة لا تعرف جنسًا ولا عمرًا ولا مكانًا.

ومن الإنسان إلى الإنسان

ثم يأخذنا الكتاب إلى الطفل علي، وإلى قصة عاشقين مع واحدة من أغلى وأكبر السجاد في العالم، ثم إلى عالم الأقزام؛ ذلك العالم الذي يضم حكايات قاسية ومؤثرة، منها قصة قزم خرج من مقابر السيدة نفيسة إلى ألمانيا، وقصة «سمسم حلمي» الذي افتتح مقهى للأقزام، ثم قصة «نادر.. ثامن الأقزام السبعة».

هذه النماذج، وغيرها في الكتاب، جعلتني أكتشف أن كلمة «استثنائي» لا تعني بالضرورة إنسانًا خارقًا، وإنما تعني إنسانًا استطاع أن يفعل شيئًا استثنائيًا في مواجهة ظرف عادي أو قاسٍ أو مستحيل.

كل إنسان في هذا الكتاب يحمل شيئًا استثنائيًا.

منهم من حوّل مرضه إلى بداية جديدة.

ومنهم من حوّل الصحراء إلى وطن.

ومنهم من فقد المال ولم يفقد الأمل.

ومنهم من فقد البصر، فاختار العلم طريقًا إلى النور.

ومنهم من تحدى جسده بعبقرية عقله.

ومنهم من حمل مسؤولية أسرة كاملة فوق كتفيه.

ومنهم من خرج من هامش المجتمع ليقول: أنا هنا.. ولي أيضًا حكاية تستحق أن تُسمع.

كنت أريد أن أقول للقارئ إن الإنسان لا يُقاس بما فقده، وإنما بما استطاع أن يصنعه بما بقي لديه. وهذا هو رمز القوة والإرادة ورفض أن يكون ضحية للظروف وهنا تكمن روح الكتاب.

ولهذا حاولت أن أقترب من شخصياتي بمحبة الصحفية، وحساسية الكاتبة، ورحمة وفضول الإنسان الذي يريد أن يفهم ما وراء الحكاية. ومحاولة تخفيف ما يعانونه.

وأنا اليوم، حين أتحدث عن هذا الكتاب، لا أقدّم سيرًا تقليدية، ولا أكتفي بسرد وقائع وأحداث، وإنما أقترب من أصحاب الحكايات بمحبة إنسانية، وأترك لهم مساحة لكي يتحدثوا عن أنفسهم، عن الألم والأمل، عن الانكسار والمقاومة، وعن تلك اللحظة التي قرروا فيها ألا يكونوا مجرد ضحايا لظروفهم، بل أبطالها.

ولذلك لم أتعامل مع هذه الحكايات باعتبارها مجرد حوارات صحفية، بل حاولت أن ألتقط ما وراء الكلمات: النظرة، والإيماءة والصمت والتنهيدة، والوجع، والابتسامة، والحلم.

تعلمت من أبطالي أن البطولة ليست دائمًا في الانتصارات الكبيرة التي يصفق لها الناس، بل عندما تستطيع أن تقوى على ألمك ووجعك كل صباح.

وأجمل ما خرجت به من هذه الرحلة أنني أصبحت أكثر إيمانًا بأن وراء كل إنسان حكاية، ووراء كل حكاية إنسان يستحق أن نراه كما هو وأقول له:

لا تجعل بدايتك تحكم على نهايتك.

فربما يكون أكثر فصول حياتك ظلمة… هو الفصل الذي يسبق ميلاد نورك. وهكذا أرى الكتاب أنه رحلة في الإنسان، والإرادة، ورحلة في ذلك الجزء الجميل والمقاوم في داخلنا جميعًا… ذلك الجزء الذي يرفض أن ينكسر.

وفي النهاية، أستطيع أن أقول إن هذه «النوادر» ليس كتابًا عن أشخاص خارقين، وإنما عن أشخاص عاديين واجهوا أحداثًا غير عادية. وقهروها وأن ندرتهم في الروح هي التي تقف خلف هذه الأحداث.

فأنا لم أبحث عن الشخص الذي تصنعه الشهرة، وإنما عن الإنسان الذي قد يعيش بعيدًا عن الأضواء، لكن حياته تحمل درسًا لا يقل قيمة عن ألف قصة مشهورة.

فلم أرد أن أكتب عنهم فقط.

ولهذا قلت في الإهداء:

«هذا ليس كتابًا عنكم، بل بكم.. ومنكم.. لكم مني وافر المحبة.»

هذه الجملة ربما تختصر علاقتي بكل شخصية في الكتاب.

لقد ترك كل واحد منهم جزءًا من روحه في قلبي، وكان عليّ أن أحمل هذه الأمانة بحب واحترام.

title

مقالات ذات صلة

أكتوبر

15 أكتوبر 2026 01:45 م

الباب

01 أكتوبر 2026 08:41 ص

مليون محمد صلاح

23 سبتمبر 2026 09:54 ص

search