السبت، 24 أكتوبر 2026

12:00 م

السبت، 24 أكتوبر 2026

12:00 م

عادل أبو سالم

في الذكرى الـ81 لتأسيس الأمم المتحدة.. وعود العدالة تحت حصار الفيتو الأمريكي

وُلدت الأمم المتحدة من أنقاض الحرب العالمية الثانية، حاملةً وعدًا بحماية الشعوب ومنع تكرار الكوارث التي خلّفت ملايين الضحايا. لكن مسيرتها كشفت عن تناقض مستمر بين المبادئ التي ينص عليها ميثاقها وموازين القوة التي تتحكم في قراراتها. وتُعدّ القضية الفلسطينية أحد أبرز الاختبارات لهذا التناقض؛ إذ لم تكن المشكلة دائمًا غياب الاعتراف بالحقوق، بل العجز عن تحويل ذلك الاعتراف إلى حماية فعلية وعدالة قابلة للتنفيذ.
بدأ الوجود الرسمي للأمم المتحدة في ٢٤ أكتوبر ١٩٤٥، بعد دخول ميثاقها حيز النفاذ، وكان قد وُقّع في سان فرانسيسكو في ٢٦ يونيو من العام نفسه. وضمت المنظمة عند تأسيسها ٥١ دولة، وجاء إنشاؤها بعدما أخفقت عصبة الأمم في منع اندلاع حرب عالمية جديدة. وتمثلت أهدافها في حفظ السلم والأمن الدوليين، وتنمية العلاقات بين الدول، وتعزيز التعاون واحترام حقوق الإنسان. غير أن تأسيسها ارتبط أيضًا بتسوية تحفظ للدول المنتصرة في الحرب موقعًا استثنائيًا في إدارة النظام الدولي.
وهنا نشأ التناقض الأساسي: منظمة تعلن المساواة بين الدول، بينما تمنح خمسًا منها امتياز تعطيل القرارات الجوهرية في مجلس الأمن. فالولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا تتمتع بعضوية دائمة وبحق النقض، المعروف بـ«الفيتو»، الذي يسمح لأيٍّ منها بمنع اعتماد مشروع قرار في المسائل غير الإجرائية، حتى لو حظي بالتأييد المطلوب من بقية الأعضاء. وبذلك أصبحت قدرة المجلس على التحرك مرهونةً، في كثير من الأزمات، بمصالح القوى الكبرى وتحالفاتها.
ظهر أحد أكثر القرارات إثارةً للنقد العربي في ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧، عندما اعتمدت الجمعية العامة القرار ١٨١، الذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، ووضع القدس تحت نظام دولي خاص. ووفق العرض التاريخي المنشور لدى الأمم المتحدة، خصص المشروع نحو ٥٦٪ من الأرض للدولة اليهودية المقترحة، رغم أن اليهود كانوا يشكلون نحو ٣٢٪ من السكان. وبينما اعتبر مؤيدوه التقسيم تسويةً للصراع، رآه العرب الفلسطينيون تجاهلًا لحقوقهم وإرادة الأغلبية، وتحميلًا لهم تبعات أزمة لم يصنعوها. ومع ذلك، تقتضي الدقة الإشارة إلى أن القرار أوصى أيضًا بإقامة دولة عربية، ولم يكن وحده العامل الذي حسم قيام إسرائيل ونتائج حرب ١٩٤٨.
وتعمق هذا الشعور بالاختلال مع قبول إسرائيل عضوًا في الأمم المتحدة في ١١ مايو ١٩٤٩، بموجب القرار ٢٧٣، بينما بقيت الدولة الفلسطينية المقترحة غير قائمة وقضية اللاجئين بلا حل. وقد أشار قرار القبول إلى قراري التقسيم واللاجئين، وأخذ علمًا بالتفسيرات والتعهدات الإسرائيلية المتعلقة بتنفيذهما. ومن منظور نقدي، تكمن المفارقة في منح إسرائيل مكانًا كاملًا داخل النظام الدولي، دون ضمان موازٍ لتحقيق الحقوق الفلسطينية التي أقرتها المنظمة نفسها.
واستمر القصور في طريقة تناول القضية الفلسطينية خلال مراحل لاحقة. فالقرار ٢٤٢ لعام ١٩٦٧ وضع مبادئ للانسحاب الإسرائيلي والسلام وتسوية مشكلة اللاجئين، لكنه لم ينص صراحةً على إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وعكس ذلك معالجةً ركزت على الصراع بين الدول ومشكلة اللاجئين، أكثر من تركيزها على الحقوق الوطنية لشعب يطالب بتقرير مصيره.
لكن نقد الأمم المتحدة يفقد دقته إذا صُوّرت بوصفها كتلة واحدة منحازة دائمًا إلى إسرائيل. فقد صدرت عن مؤسساتها مواقف وقرارات تؤيد الحقوق الفلسطينية وتدين السياسات الإسرائيلية، ومنها قرار مجلس الأمن ٢٣٣٤ لعام ٢٠١٦، الذي أكد عدم المشروعية القانونية للمستوطنات وطالب بوقف النشاط الاستيطاني. لذلك فإن جوهر الأزمة يتمثل في الفجوة بين إصدار القرارات والقدرة على تنفيذها، وفي الحماية التي توفرها دولة كبرى لحليفها داخل المجلس.
ويكشف سجل الفيتو الأمريكي جانبًا أساسيًا من هذه الحماية. ففي ١٠ سبتمبر ١٩٧٢، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد مشروع يدعو إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية في سياق الهجمات الإسرائيلية على لبنان وسوريا. وكانت هذه الواقعة من المحطات المبكرة التي أظهرت كيف يمكن للموقف الأمريكي أن يعطل تحرك المجلس إزاء تصعيد يمس دولًا عربية.
وفي ٢٠ يناير ١٩٨٢، عطّلت واشنطن مشروع قرار يدعو الدول إلى النظر في اتخاذ تدابير ملموسة وفعالة تجاه إسرائيل، بعد فرض قوانينها وإدارتها على الجولان السوري المحتل. وقد أيد المشروع تسعة أعضاء، وعارضته الولايات المتحدة وحدها، بينما امتنع خمسة أعضاء عن التصويت. وهكذا حال الفيتو دون الانتقال إلى إجراءات إضافية للضغط على إسرائيل بشأن الجولان.
وتكرر النمط نفسه في ملف الاستيطان. ففي ١٨ فبراير ٢٠١١، استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد مشروع يؤكد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة ويطالب بوقف النشاط الاستيطاني. وأبرزت هذه الواقعة الفارق بين الاعتراض السياسي على الاستيطان والاستعداد للسماح بصدور موقف جماعي من مجلس الأمن ضده.
أما قضية القدس، فقد شهدت مثالًا واضحًا آخر في ١٨ ديسمبر ٢٠١٧، حين عطّلت واشنطن مشروع قرار يتعلق بوضع المدينة ويدعو الدول إلى عدم إقامة بعثات دبلوماسية فيها، رغم تأييد الأعضاء الأربعة عشر الآخرين. وبعد ذلك، اتخذت الجمعية العامة موقفًا معارضًا لتغيير وضع القدس، بما يؤكد أن الفيتو الأمريكي لم يكن تعبيرًا عن إجماع دولي، بل وسيلة لمنع هذا الإجماع من التحول إلى قرار داخل مجلس الأمن.
وخلال الحرب في غزة، ازدادت التداعيات الإنسانية لهذا التعطيل وضوحًا. ففي ٨ ديسمبر ٢٠٢٣، استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد مشروع يطالب بوقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية. ثم تكرر الأمر في ٢٠ فبراير ٢٠٢٤، عندما عطّلت مشروعًا قدمته الجزائر للمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار. ورغم تبريرات واشنطن المرتبطة بالمفاوضات وصياغة النصوص، بقيت النتيجة المباشرة منع المجلس من اعتماد تلك المطالبات في وقت كانت فيه حماية المدنيين ضرورة ملحّة.
وامتد الفيتو إلى المكانة السياسية للفلسطينيين؛ ففي ١٨ أبريل ٢٠٢٤، منعت الولايات المتحدة اعتماد مشروع يوصي بقبول دولة فلسطين عضوًا كامل العضوية في الأمم المتحدة. وكشفت الواقعة أن التعطيل لا يتعلق فقط بكيفية إدارة الصراع، بل يمكن أن يمس أيضًا قدرة الفلسطينيين على استكمال مسار عضويتهم في المؤسسة الدولية. وهذه أمثلة بارزة من سجل أوسع، وليست حصرًا لجميع حالات الفيتو الأمريكي المتعلقة بالقضايا العربية والفلسطينية.
وفي موازاة هذا التاريخ، تعاقبت على الأمانة العامة شخصيات تركت بصمات متفاوتة في مسيرة المنظمة. بدأ المنصب بالنرويجي تريغفه لي عام ١٩٤٦، ثم السويدي داغ همرشولد بين ١٩٥٣ و١٩٦١، ويو ثانت من بورما بين ١٩٦١ و١٩٧١، والنمساوي كورت فالدهايم بين ١٩٧٢ و١٩٨١، والبيروفي خافيير بيريز دي كويار بين ١٩٨٢ و١٩٩١. وتلاهم المصري بطرس بطرس غالي بين ١٩٩٢ و١٩٩٦، والغاني كوفي عنان بين ١٩٩٧ و٢٠٠٦، والكوري الجنوبي بان كي مون بين ٢٠٠٧ و٢٠١٦، ثم البرتغالي أنطونيو غوتيريش الذي تولى المنصب في يناير ٢٠١٧.
ويحتل بطرس بطرس غالي مكانة خاصة باعتباره أول عربي وأول إفريقي يتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة. بدأت ولايته في الأول من يناير ١٩٩٢، وطرح خلالها وثيقة «خطة للسلام»، التي تناولت تعزيز الدبلوماسية الوقائية وصنع السلام وحفظه. لكن تجربته كشفت حدود استقلال المنصب؛ ففي نوفمبر ١٩٩٦ استخدمت الولايات المتحدة الفيتو لمنع التجديد له، رغم تأييد الأعضاء الأربعة عشر الآخرين في مجلس الأمن. وقد ارتبط الخلاف معه بملفات متعددة، ولا يصح اختزاله في سبب واحد، إلا أن منعه من ولاية ثانية ظل مثالًا واضحًا على نفوذ القوى الكبرى في اختيار قيادة المنظمة.
إن نقد الأمم المتحدة لا يستلزم إنكار دورها في توثيق الحقوق وإتاحة منبر للشعوب، لكنه يقتضي مساءلتها عن المسافة بين وعودها ونتائجها. فالقضية الفلسطينية تكشف أن الاعتراف بالحق لا يكفي ما لم تصاحبه قدرة على حمايته، وأن القواعد الدولية تفقد مصداقيتها عندما يتوقف تطبيقها على هوية الدولة المخالفة وحلفائها. ومن هنا، تبرز ضرورة إصلاح مجلس الأمن، وتوسيع التمثيل العادل داخله، وتقييد استخدام الفيتو، خصوصًا في حالات الفظائع الجماعية. وتظل قيمة المنظمة مرهونةً بقدرتها على حماية الإنسان عندما تتعارض حمايته مع مصالح الأقوياء.

search